مقالات عن منتظر الزيدي (4)

بقلم: مجموعة من الكتاب

***

ما اروعه من وداع، القندرة في مواجهة رمز القوة الغاشمة في العالم

بقلم: أمين الغفاري

لم تكن عيونه وحده شاخصة الى المنصة، ترقب ضيفها في ضيق، وتزجره في صمت، وتبصره في لهفة للكفاف، حتى لا تدنس بصرها برؤيته، وذاكرتها بطلعته.
ولم تكن يده وحده التي امتدت الى حذائه - سلم حذاؤه - وانما كانت معها ملايين الايدي تساندها تشد عليها، تعانقها، تطبع عليها قبلات الشكر والعرفان والامتنان، وتنطق بكل ما في القلب من شوق ومن شجن لتقول بوركت ايها الساعد، وبوركت ايتها الاصابع. بوركت فيما حملت، وفيما عزمت.
فهكذا يكون الوداع للجزار الذي سفك من الدم بما تتوارى معه مجازر هولاكو وهتلر حياءً ومعهما كل القادة الذين لم تعرف سنوات حكمهم الا المزيد من سفك الدم واهدار ادمية البشر.
على مرأى ومسمع من العالم اجمع شهدت العاصمة العراقية مشهدا تاريخيا لوداع جورج دبليو بوش وداع رئاسته البائسة وسنوات حكمه التعسة متمثلة بشخصه، وداع يليق بالعراق وبكبريائه وتاريخه.
وداع لم يكن مفاجأة للذين يعرفون شعب العراق، ويدركون ان العراق في كل تاريخه كان مصنعا للرجال، والذين يراودهم الشك في ذلك، عليهم ان يتذكروا كيف كانت انتفاضة العراق على الاحتلال منذ اليوم الاول، كيف قاوم ويقاوم، رغم كل الضحايا من المواطنين الآمنين، ورغم سجون الاحتلال وزنازينه، والمعتقلات وجيوبها، ورغم القتل والتعذيب، ورغم انتهاك ادمية البشر مع الادعاءات الطنانة الرنانة بالديموقراطية وحقوق الانسان. تجربة جورج دبليو بوش في سنوات حكمه وكل طاقمه من السياسيين والمستشارين، وعلى الاخص السياسات التي اتبعت في العراق، لا بد ان يتوقف بشأنها كل الباحثين في دهاليز الحكم وأروقته، وصناعه واصحاب الرأي الحقيقيين في ادارته، والقوى التي تازرهم وتقف معهم، ومن ورائهم، ترسم لهم وتخطط، تدبر وتنفذ، لمصالح حاكمه ورؤى لابد وان تكون نافذة.
قرار ضرب العراق وتدميره، ومحاولة تصفية انجازاته وتراثه، والاستيلاء على كل ثرواته، لم يكن قرارا لصالح الشعب الاميركي، ولا من اجل امنه وسلامته، فهذه القسوة المرضيه التي مورست ازاء شعبه، وتراثه، لم تكن مجرد صمام امان، ولاهي طمعا في ثروة سوقها الطبيعي دول الغرب، وانما كانت عملية سطو بربرية، تقف خلفها اطماع الرأسمالية المتوحشة، التي لا تعترف بقيمة البشر او الاديان او حتى مجموعة القيم المتوارثة من تاريخ الانسان.
انها ردة بشعة الى عصور ما قبل التاريخ، او ما يعرف بعصور التوحش وقانون الغاب.
ان جورج دبليو بوش هو بجدارة هولاكو ذلك العصر، وسيبقى في السجل الاميركي وصمة عار، ولم يكن هذا التفوق الساحق الذي سجله باراك اوباما في الانتخابات الماضية الا رغبة اكيدة في التغيير و محاولة استنكار شعبية صارخة للممارسات التي ارتكبها جورج بوش، وادانة لسنوات حكمه. ولكن التجربة مع ذلك ستبقى مراراتها واحزانها تخيم على الولايات المتحدة ودورها السياسي في العالم، وهو تراث ثقيل بحكم الدور الذي كانت تتطلع اليه في العالم.
اما العراق فان حيوية شعبه كفيلة بعودته بسماء حرة، تحرسها ارادة حرة، وكل استعمار له عمر افتراضي، وهو يقصر او يطول بفعل عوامل التمرد او المقاومة للاوضاع القائمة، وحاضر العراق قبل تاريخه ينذر بالنتائج لاي محاولة للسيطرة عليه او قياده، وتأتي طريقة الوداع التي قام بها ابن العراق البار منتظر الزيدي لهولاكو العصر جورج بوش لتكشف معدن العراق وقواعد اللعب معه
وعلى الذين بكوا من اجل العراق وحزنوا من اجله ان يكفكفوا دموعهم وان يجففوا مآقيهم. فالعراق ليس في حاجة الى دموعهم ولا الى شفقتهم رغم المجازر وكل العذابات. العراق لن يحرره الا ابناؤه ولن يرفع اعلامه الا اسوده، و العراق جدير بأن نفخر به ونجله ونحترمه، هاكم المثل امام اعينكم.
*** الكوفة من الطنبوري إلى الزيدي بقلم: عبد اللطيف المنيّر

لا أعرف لماذ عادت ذاكرتي للوراء إلى قصة "حذاء الطنبوري" التي كانت أول قصة قرأتها حين تعلمتُ القراءة. ولها في نفسي شىء، وأذكرها تماما وكأنها بالأمس، وزادت فرحتي عندما وجدتها حديثا في محرك البحث "غوغل" على الإنترنت. كان حجمها بحجم الجريدة، وورقها المثقول وصورها الزاهية الألوان، وكلماتها الكبيرة، التي كان تليق بطفل بدأ الف باء القراءة. وربطها بحادثة منتظر الزيدي الصحافي العراقي، الذي أثبت إلى شعبنا العربي، أن الأحذية أقوى تعبيرا من القلم، ويمكن أن تكون الحياة برأيه موقف وشهرة.
ولمن لم يعرف أو قرأ الطنبوري - ذلك الكوفي الثري، الذي ذاع صيته بشحّه، وعرفه الناس واقترن اسمه بحذائه الشهير، الذي لم يبدله بحياته بسبب بُخله الشديد. وفي يوم شعَر الرجل الطنبوري، ان حذائه هو سبب سوء طالعه وحظه القليل، أراد أن يتخلص منه ويرميه، ويبعد شبح سوء حظه التعيس عنه - وبإختصار القصه، أنه كلما رمى حذائه، التقطه أحدهم، واعاده إليه خدمة له، وظنن منهم أنه افتقده لسبب ما، وكانت القصة تدور على ذلك، وسميت بحذاء الطنبوري، ولازم الحذاء والحظ الطنبوري بقية حياته.
بيد أن القصة، قد اختلفت بوقتنا هذا، عندما أعاد صياغتها الزيدي بطريقته، لتبقى تؤدي نفس المعنى وعلى مدى التاريخ القادم. كلامهما الطنبوري والزيدي، اشتهرا بحذائهما، وكلاهما من العراق (الكوفة)، وكلاهما كُرما أفضل تكريم من جمهورنا العظيم، وكتابنا الأفاضل. لكن بعض من النخُب الإعلامية، قد غالت في المديح للزيدي، بل زاد العامة عليهم بالكرم والجود، بل وتقديم بناتهم زوجات له. وأصبح الزيدي بطل قومي، وأختصر هزائم العرب، التي أصبحت انتصارا ولو لحين، بقذف حذاءه بوجه الرئيس الأميركي، وربما اعتقد البعض منهم، أن هذه الفعلة هي "...أضعف الإيمان"!
الزيدي، والمحسوب على جماعة متطرفة، التي هتفت مرددة وقت هبوط صدام من المشنقة "مقتدى مقتدى" هم نفسهم ومن والاهم، الذين خدمهم جورج بوش الإبن بإزاحة صدام حسين من طريقهم، وبسط سيطرتهم السياسية على المنطقة التي أصبحت ملك ايمانهم، فكانت هديتهم وتكريمهم له، حذائين قذفا بوجهه!
كان يقول الأميركيون أنهم عندما يدخلون العراق فاتحين، سوف يرشقهم، الأهالي بالرز والورد، ولم يخطر ببالهم يوما، أن بعضا من شعوبنا، متغيرة بتغيّر مصالحها، وتكون الأحذية هي البديل، لا - بل أصدق أنباء من الكتب.
يبقى أن نسأل، هل أحدا منا قد سأل حذاء الزيدي، بأي ذنب قذفت أيها الحذاء؟ وهل أحدا منا سجل احتجاج الحذاء رسميا؟ وهل لعنة سوء الطالع في الكوفة وأهلها، من الطنبوري إلى منتظر الزيدي مرورا بالحجاج ابن الثقفي، مازالت مستمرة؟
*** قال الحذاء ما لم يقله السيف والقلم بقلم: حسين مروة

لاول مرة يتوحد العراقيون شعباً وطوائف واديانا حول حدث وطني هام، وهؤلاء هم مكونات المقاومة العراقية الصادقة. لقد وحدهم ـ منتظر الزيدي بإهانته جورج بوش حين كان حيث لا يجب ان يكون.
لقد قيل في الزيدي الكثير. وما الزيدي إلا مقاوم عراقي اصيل، عز عليه ان يمنع حذاءه من مشاركة بوش إنجازاته التي لا تساوي (نعلا، جزمة، مشاية، صرماية، حفاية، قبقاب، شبشب، بابوج، كندرة).
مواطن عربي او عراقي واحد، أضاف الى صفحات بوش السوداء بصمة حذاء مواطن عربي مقهور رفض ان يبقى شاهداً على صفحات الذل التي خطها هذا الرئيس على اجساد اخوانه واخواته من ابو غريب الى اعمال جيشه الذي غزا ارض العراق وصولاً الى شركات القتل التي إستباحت شوارع المدن العراقية طولاً وعرضاً.
ويقولون لك ان هذا العمل غير لائق وان المستهدف هو ضيف!، ضيف مَنْ هو هذا المستهدف المستهتر بارواح الابرياء؟ وهل يدعو المقتول قاتله لضيافته؟
هل هو ضيف أم غاز محتل إترتكبت، وماتزال ترتكب، قواته جرائم يومية بحق الأبرياء؟
هل هو ضيف على العراقيين الضحايا، أم ضيف على العملاء من أتباعه المأجورين؟
هنيئاً لمنتظر الزيدي حيث وصل الى ما لم يكن بالامكان لمقاوم عراقي ان يصل اليه ويحقق ما حققه.
لقد حقق الزيدي الانتصار المعنوي للعراق ولشعبه وختمها بالضربة القاضية ولم يتركها غصة في قلوب الثكالى من العراقيين رجالاً ونساءً واطفالاً!
لقد وصل الزيدي الى حيث يتمنى كل مواطن عراقي ان يصل ويفعل ما فعله وأكثر!
لقد فعل الزيدي ما يليق برئيس دولة طاغي ضرب شعبا بأكمله خمس سنوات وإستباحه وارضه دون سبب وجيه؟
نهنئك يا زيدي على شجاعتك التي حولت بها حذاءك الى سلاح من نوع آخر اجبر بوش على الانحناء اخيراً في ارض الرافدين.
نحسدك يا زيدي لانك اصبحت تملك أغلى حذاء في العالم. ونقول لمن يسجنك بان الحذاء اصدق من بوش كاذب هذا القرن. لقد صرح بوش مباشرة بعد قذفه بحذاء مقاوم عراقي صارم وقبل تفاعل الحدث وإدراكه للمعنى الحقيقي الذي يمثله الحذاء من إهانة في ثقافة العرب "ان هذا العمل ينم عن حرية الرأي في اجواء ديمقراطية".
إذاً لماذا لا يطلق سراح من اراد التمتع بحرية الرأي وديمقراطية من المعتقلين في العراق؟
وكم يا ترى نحتاج الى احذية كحذاء الزيدي حتى تداس بها إتفاقيات الذل التي تُبرم باسم العرب؟
اخيراً انني ارى ان الحذاء السياسي سيتنامى وسيتحول الى سلاح فعّال في وجه الطغاة وسيصبح هاجس كل حاكم جعل من بوش قبلته الاولى.
وسيتحول الى سلاح بارد بانتظار الحذاء التالي والذي من الممكن ان تتوالى من بعده الاحذية الطائرة التي من شأنها ان تؤسس لمرحلة جديدة يمكن ان تحدد مصير بعض الحكام.. وفهمكم كفاية.
*** صحفيون بلا أحذية بقلم: نجاح محمد علي عندما يرشق صحافي عراقي الرئيس الأميركي جورج بوش بالحذاء وينسى قلمه الذي اصطحبه معه في مؤتمر صحافي، يصبح من حق رئاسة الوزراء في العراق، أن تمنع الصحافيين الذين يملكون توجها معاديا للاحتلال أو للعملية السياسية أو حتى لديهم ملاحظات نقدية على أداء الحكومة وهذا الوزير أو ذاك، من دون حضور أنشطة الدولة الاعلامية.
والأخطر أن الحكومة ستكون محقة تماما في حظر مشاركة كل الصحافيين من دخول المؤتمرات الصحافية والمشاركة في أي نشاط اعلامي لها، من واقع أن الصحافي هو في الأساس، ناقد للسلطات وهو مرآة الأمة وعينها ودليلها، بل هو السلطة الرابعة.. كما يقولون!

ومهما قيل ويقال عن الاحتلال ومساوئه، فهذا ما لا يختلف عليه اثنان. وأنا من أوائل معارضي هذا الاحتلال البغيض لبلدي، وكنت قبل ذلك من القلائل المحرضين بقوة ضد تعاون المعارضة العراقية (آنذاك) مع الولايات المتحدة لاسقاط نظام صدام عن طريق القوة العسكرية حين كنتُ أيضا في طليعة المعارضين لذلك النظام الديكتاتوري صاحب المقابر الجماعية، ومبيد العراقيين بأسلحة الدمار الشامل، عربا وأكرادا وتركمانا.

لكنْ، أن ينسى صحافي قلمه الذي هو أقوى بكثير من كل الأسلحة الفتاكة، وهو ليس مجرد قلم بل "...يدٌ، وفمْ. رصاصةٌ، ودمْ.وتهمةٌ سافرةٌ تمشي بلا قدمْ"، ويلجأ الى سلاح رخيص، حذاء "تكرمون"، فهذا ما لا يمكن أن نقبله حتى مع ألد أعداء العراق، وأكثرهم فتكا بحقوقه وكرامته.
لقد عارضتُ "إعدام صدام" بالطريقة والتوقيت الذي تم فيهما، برغم أن رئيس النظام السابق ألحق الأذى والموت والعذاب المر الذي لم يخطر على بال، بي وبأسرتي وعشيرتي، وأصدقائي، فقط لأنهم أصدقائي، أو أنهم كانوا زملاء لي في مقاعد الدراسة، وبعضهم اليوم حيٌّ يستطيع أن يروي ما حل به بسبب تلك الصداقة.. المؤلمة!

وعندما عارضتُ "إعدام صدام"، فلأن ما جرى تم بطريقة إنتهكت بعض حقوقه كانسان وسجين، وهو يستحق بالطبع أكثر من إعدام واحد بحسب شرعة الله والقوانين الوضعية، وحتى وفق تقاليد صدام نفسه نفسها التي أرساها هو في عراقٍ حكمه بالحديد والنار وزرع الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، وخرّج جيلا أو اثنين، الكثير منهم يعيش اليوم ازدواجية خطيرة وانفصاما في الشخصية، ولا يستطيع بسهولة التخلي عن قيم أرساها وكرسها صدام.. أبسط ما فيها الأنا وحب الظهور.

ولهذا فانني لستُ مع هذه الطريقة البعيدة عن قواعد المهنة، ولا يمكن أن نعتبرها فعلا نضاليا أو عملا مقاوما لأن لكل مقام مقال، وعندما يحصل الصحافي على أذن للمشاركة في التغطيات الصحفية داخل المنطقة الخضراء فهو كمن وقع عقدا مع الحكومة، وربما أيضا (بالواسطة) مع قوات الاحتلال، فان عليه احترام عهده "فالمؤمنون عند شروطهم"، أو أن له أن لا يشارك أصلا في أي نشاط يجعله "يحترم"قوانين المنطقة الخضراء التي قاطعها الكثير من الصحافيين!

إن تسجيل غضب العراقيين لما فعله بوش ببلادهم عبر استخدام الحذاء الذي اعتبره البعض موحدا للعراقيين(وتعسا لأمة يوحدها حذاء!)، لا يمكن أن يحظى بتأييد صحفي يحترم مهنته ويفصل بين الحيادية والموضوعية ونقل المعلومة الصحيحة، وبين كونه سياسيا أو مناضلا أو منحازا لهذا الحزب أو تلك الجماعة.كما أن الضرب بالميت حرام شرعا! لأن بوش، خاسر أصلا في العراق الجديد، ولم يحصد من غزوه للعراق ولا لأفغانستان، الا الويل والثبور وعظائم الأمور، وديمقراطية بشّر بها دول المنطقة انطلاقا من العراق، لم تكن سوى فردتي حذاء بال، نخشى أن تسفرا عن قواعد جديدة للمهنة تمنح الحكومة الحق في أن تفرض شروطا قاسية على الصحافيين، للسماح لهم بالمشاركة في المؤتمرات الصحافية. ويصبح المصفقون لها هم فقط من يتمكنون من الكتابة في عراق أُريد له أن يكون أُنموذجا فريدا للديمقراطية في المنطقة!

ومهما تكن خلفية الصحافي، صاحب الرمية، ومبرراته في اللجوء الى هذا الاسلوب، فان على الحكومة أن لا تعطي القضية أكبر من حجمها، وتسعى الى "لملمة" الموضوع ومنعها من أن تتحول الى أزمة خصوصا وأن هناك قومجية عروبيين، ما يزالون في المربع الأول: "يقتلون القتيل ويمشون في جنازته" وهم يحرضون على قتل العراق، وعلى رؤوس معظمهم أعلام أميركية!

وأخيرا، ونحن نشاهد هبوطا قيميا، وغوغائية تجعل البعض يصرح علنا أمام الفضائيات إنه يقبل الحذاء الذي ضرب به بوش ويضعه على رأسه، فليس غريبا أن نسمع في مرحلة تالية أن الحكومة العراقية، أو أي حكومة عربية أو في العالم، قررت بعد هذه الواقعة منع الصحافيين من الدخول الى مراكزها الصحافية بالأحذية حتى إذا تساهلت في قضية "الموالين والمصفقين" ولم تفتش عن خلفيات الصحافيين السياسية. وعندها ستكون الحكومات بحاجة الى تعيين موظف جديد بمسمّىً وظيفي جديدا، مهمته استلام الأحذية ووضعها في مكان محدد سلفا، وتوزيع أرقام بدلا عنها الى صحافيين سيغطون الوقائع والأحداث في المراكز الصحافية الرسمية.. بلا أحذية.
وهنيئا للـ "الكيشوانجي" صاحب المنصب الصحافي الجديد.
وله، ولكل الصحافيين الأحرار في العالم أهدي هذه اللافتة.. القصيدة التي كان كتبها صديق عمري المناضل العتيد أحمد مطر.. عن القلم، متمنيا أن لا يأتي اليوم الذي يمشي فيه الصحفيون حفاة، وربما.. بلا أقدام:

جسّ الطبيبُ خافقي
وقال لي:
هل ها هنا الألمْ؟
قلتُ له نعمْ
فشقَّ بالمشرطِ جيبَ مِعطفي
وأخرجَ القلمْ
هزّ الطبيبُ رأسَهُ
ومالّ وابتسمْ
وقال لي:
ليس سِوى قلمْ
فقلتُ: لا يا سيدي
هذا يدٌ، وفمْ
رصاصةٌ، ودمْ
وتهمةٌ سافرةٌ تمشي بلا قدمْ.

***
"جزمة" حبنا؟! بقلم: محمد هجرس في مسرحية فكاهية مصرية، وقفت الممثلة الرقيقة شيرين "بنت الذوات" أمام الممثل سمير غانم، والذي لعب دور الموظف الصعلوك، وهي تحول كل ما تراه أمامها إلى الشيء المشترك بينهما، وتكون عباراتها الشهيرة عن "صرصار حبنا"، و"فجل حبنا"، أداة سهلة لتطويع المفردات، وغزو الواقع بأحلام غير موجودة.. وبالتالي كان انتزاع الضحك من "الناس اللي تحت" على أفكار "الناس اللي فوق" كفيل بترجمة المأزق النفسي.. وهذه هي المعادلة.
فـ"اللي فوق" دائماً يذكروني بماري انطوانيت في ثورة الجياع الفرنسية، حينما تساءلت بسذاجة عن سبب غضب المتظاهرين، ولما علمت بأنها بسبب عدم الحصول على الخبز، قالت ببلاهة: "ولماذا لا يأكلون البسكويت"؟
ما بين جياع ماري انطوانيت، و"جزمة" منتظر الزيدي، وقع العالم العربي في نفس الإشكالية التي جسدتها الممثلة شيرين والتي توهمت ان الحب وحده يكفي لتكون الحياة ـ أي حياة ـ سعيدة، وسعيدة جدا، ولتتحول حادثة إلقاء الحذاء على الرئيس بوش إلى نفس العبارة: "جزمة حبنا"!
فالعرب الذين يبدو أنهم جياع لأي شيء يذكر بأن لديهم بعض الكرامة، وصفوا الأمر بانتفاضة الحذاء، وانتفخت الصحف ومواقع الإنترنت بمقالات المديح التي جعلت من الرجل بطلاً قومياً عربياً، وهذا صحيح في جانب، وغير صحيح في جانب آخر.
شعوبنا العربية المتعطشة لأي انتصار، رأت في المشهد إحدى الكرامات العربية النادرة الحدوث، وتحول البعض إلى مجرد مجاذيب وشيوخ طرق صوفية يتمايلون يميناً ويساراً مع الأعلام الخضراء والصفراء والحمراء، وما بين الترنحات العربية لم يعد غريباً أن يبني كثيرون منّا "مقاماً" عالياً لما حدث، وبات بعضنا يعيش في الوهم ويصدقه.
سرقتنا اللحظة "التاريخية" في المنطقة الخضراء لتجعل من الواقعة متنفساً للكثير من شعوبنا العربية الحانقة بكل تأكيد على واقعها، وعلى أنظمتها الرسمية، وإن كانت بالتأكيد رسمت مشهداً مغايراً ـ بكل إنصاف ـ لواقع العراق الجديد، بسلبياته الكثيرة وإيجابياته النادرة للغاية.
الصحافي العراقي، وكما قلت في مقال سابق، دخل التاريخ من بوابة حذائه، مهنياً أخطأ، لأن وظيفة الصحافي في هذه اللحظة بالذات بالقلم وليست بـ"الجزمة"، لكن تصرفه هذا عرّى كل الشعارات التي تشدق بها الرئيس بوش حول الحرية والديموقراطية، ليدفع ثمنها علانية، هو ومعه كل من جاء على جنازير الدبابات، ليحكموا العراق من داخل القلعة الحصينة.
الحذاء لخّص خفايا الحرب، وعبر عن واقع السلام الذي لم يحدث بعد على الأرض العراقية، ومثلما خدع الانتهازيون الشعب العراقي، وصوروا الرئيس بوش أن هذا الشعب سيستقبل جنوده بالورود، خدعوا أيضاً عندما طار الحذاء في الهواء، وكان منظراً مخجلاً لرئيس أقوى دولة في العالم وهو ينحني ليتفادى الضربة، بينما كان الحليف المالكي يتبرع ليدرأ بيديه مخلفات الحذاء عن وجه الرئيس الزائر.. وكأنه يعتذر بشكل مباشر عما حدث في حضرته.
المالكي بالتأكيد، ربما كان أكثر حرجاً، لأنه ـ وبالإذن من الممثلة شيرين ـ لم يتوقع أن يكون الجزاء هو.. "جزمة حبنا"!
أما لماذا؟
فلأن الرئيس بوش "يحب" العراق جداً، ولهذا جرى ما جرى، من الغزو وحتى حذاء الصحافي الثائر.
بوش نفسه يشعر بجرح عميق، ولا يمكن لابتساماته أن تعالجه، لأن "جزمة حبنا" تختلف بالتأكيد عن "طماطم حبنا" و"بيض حبنا" اللتان تعدان مظهراً من مظاهر الديموقراطية الغربية، والتي لا يعاقب قاذفها بالحبس أو السجن أو الضرب أو تكسير الضلوع!
جزمة حبنا، هي المقابل العربي الذي لا يزال يعيش على مرثيات الخنساء ومفاخرات كل شعراء العربية من الجاهلية وحتى اليوم، وربما تكون المعادل النفسي أو الشعبي لكل شعراء السلاطين ومديحهم وهجائهم في انتظار ما يخلعه الوالي!
جزمة حبنا.. هي الصرخة التي لو حدثت أيام الرئيس الراحل صدام، أو أمام أي زعيم عربي حالي لكانت مصيبة كلنا نعرف نتائجها، وسجوننا مليئة بمن كتبت لهم الحياة، ولم يذوبوا في حامض الأسيد.
جزمة حبنا إذاً.
فلنتمايل يميناً ويساراً.. ولنحمل بيارق أولياء الله الصالحين، ونخرج مع المجاذيب الذين انتشروا وهللوا وكبروا وبسملوا وحوقلوا
ولنردد في صوت واحد:
"قُبّة سيدنا الوالى دى نوّروها
محلا البيارق والناس بيزوروها
قُبّة سيدنا الوالى فى الجو عالية
محلا البيارق لما نوّروها".
الله حي..
الله حي..