مقاطع مصورة من السيرة الذاتية في 'عشق الصين'

بقلم: محمود الديدامونى
توطيد أواصر الترابط بين ثقافتين

الكتابة عن الذات ليست أمرا سهلا كما يمكن أن يتصور البعض، حيث يتطلب الأمر قدرا كبيرا من الشجاعة، والشفافية، والواقع الأدبي والسياسي يشهد العديد من الكتابات التي تناول فيها كتابها سيرهم الذاتية، فلو تتبعنا كيف كان شعراء الجاهلية يكتبون سيرهم لوجدنا لبيد وعنتر بن شداد العبسي وأمرؤ القيس وغيرهم مكنهم الشعر من صياغة سير حياتهم من خلال الشعر حسب التقليد الأدبي السائد، وكذلك قدم ابن الفارض سيرته الروحية وما واجهه من صعاب وشدائد في رحلة حياته وذلك في التاريخ الإسلامي وصولا إلى العصر الحديث، فمثلا طه حسين أبدع "الأيام"، والرئيس الراحل محمد أنور السادات كتب "البحث عن الذات"، وهناك ما يسمى بالمذكرات كما جاء مثلا في مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي، يرصد فيها هؤلاء وقائع حقيقية مروا بها في حياتهم من خلال علاقات الحياة والعمل على حد سواء باختلاف طريقة الطرح والتناول.

إن كاتب السيرة الذاتية يستدعي أحداثا وجملة وقائع سالفة بوعي ومهارة، يصبغهما برؤاه وتصوراته في الزمن الحاضر، معتبرا في ذات الوقت الأهمية البالغة للماضي.

وفى كتاب "عشق الصين" للكاتبة همت لاشين يبدو الأمر مختلفا بعض الشيء رغم ما لمحناه من الإهداء من من توافق مع أسلوب السيرة الذاتية حين قالت: "في الحقيقة، أنا أهدى هذا الكتاب إلى كل من ذكرت فكل منهم كان له إسهام وتشجيع كبيران في ظهور هذا الكتاب وكل له أثره الطيب في حياتي ... التي أسطر هنا جانبا مهما وعزيزا على قلبي منها."

إذن نحن بصدد كتابة مقاطع من سيرة ذاتية وضعتها الكاتبة أمامنا جميعا، وعلى اعتبار أن الكتابة دائما تعبر عن كاتبها وعن بيئته وعن مجتمعه ورؤاه، وإن اختلفت في الشكل الفني الذي تكتب فيه.

والسؤال الذي يطرح نفسه ويحتاج إلى إجابة .. هل قدمت همت لاشين في هذا الكتاب سيرتها الذاتية أو مقاطع منها من منطلق الكتابة الفنية الحاذقة لأدب السيرة الذاتية؟

الحقيقة أن الكاتبة قدمت عبر صفحات هذا الكتاب مقاطع مصورة تتخللها كتابة ومعلومات تتكئ في ذلك على موروثات شكلت ثقافتها من خلال دراستها للثقافة الصينية وفي نفس الوقت فهي تحمل جينات ثقافتنا العربية بالفطرة كونها مواطنة مصرية عربية. يظهر ذلك جليا في دعوتها للسلام والوئام والتعارف بين شعوب العالم انطلاقا من النص القرآني "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" وهنا يوضح أيضا تمسك الكاتبة بجذورها وتراثها الإسلامي. وكأنها تضع أمام المتلقي منذ البداية تعريفا ضمنيا لعقيدتها وقناعتها الدينية حتى تسد أبواب التخيل في هذا النطاق.

وقد عاشت الكاتبة غربة بمعنى الكلمة ودعوني أستعير تعريفا جميلا للغربة قاله الدكتور نادر عبدالخالق عندما أعد دراسة عن الغربة عند الشعراء: "والغربة كما هي شعور فهي أيضا معنى وحقيقة تتعلق بالمكان وحضوره، وتتعلق بالشخصية وزمانها وصورتها الخارجية وإمكانية البحث عن الذات في ظل اجتياح التغريب وتلاشي الحقيقة الإنسانية".

ربما نلحظ هذا الأثر من خلال الصورة التي تحمل الكثير من الدلالات حول هذا المعنى والمعنونة بـ "عملية الزائدة الدودية" حيث من الطبيعي أن تلجأ السيدات دائما إلى البحث عن الصورة التي تعبر عن لقطة جمالية تقدمها للمتلقى خاصة وأن طبيعة هذا الكتاب تقوم على منح الصورة الفوتوغرافية الحضور الكبير عبر حركة الزمن على الشخصية من خلال تعددية مكانية، فالكاتبة هنا لجأت إلى تقديم الحقيقة دون تجميل، الصورة تمنحنا لحظة نفسية مرت بها الكاتبة وهي فى غربتها ولنلحظ ذلك الحوار الذي دار بينها وبين الطبيب فتقول: "فقلت له ضاحكة: نفسي آكل مخ القرد. وهي من الأكلات النادرة لأثرياء الصين وأباطرتها قديما .. فضحك وقال لي: لقد احتفظنا بزائدتك الدودية في المستشفى باعتبارها أول زائدة في المستشفى لغير صينية، ثم قال متبسما: ستزورين الصين كثيرا لأنك تركت جزءا من جسدك هنا".

وبالعودة قليلا عدة صفحات نجد دوافعها الكبيرة للتغلب على غربتها من خلال إيمانها بضرورة الولوج لهذا العالم الكبير "عالم الإنسان الصيني" من بوابة اللغة والتعامل الحي والمحب لتلك اللغة، وهي وجهة نظر دون شك تحمل وجاهة كبيرة. وربما يدفعنا ذلك للقراءة فيما تركه علماء السيموطيقا وعلماء الإشارات في هذا الصدد، أمثال دي سوسير، تشارلز بيرس، رغم أن الكاتبة من خلال توجهها باعتبار اللغة هي الأصل متفقة مع رولان بارت أو منطلقة في فهمها هذا مع ما قاله "بارت" حيث يرى أن الصورة الفوتوغرافية كرسالة تتكون من ثلاثة عناصر أساسية: مصدر الرسالة, القناة التي تمر عبرها الرسالة والمتلقي. يمثل جانب المصدر المصورون الفوتوغرافيون أو من يختار الصور ويضع عناوينها أو التعليقات المصاحبة لها. أما القناة فهي الوسيلة الاعلامية سواء كانت مطبوعة أو مرئية أو اليكترونية التي يتم عن طريقها نقل هذه الرسالة المصورة الى المتلقي.

المهم في الأمر أن التركيب التتابعي أو تنظيم إدراج الصورة داخل متن الكتاب يدل على وعي كبير وفهم عميق للصورة وتتابعها وكيفية الخروج من حالة لأخرى حيث جاء إدراج بعنوان "سرقة معطف في عز البرد" ليزيد من إحساسها بالغربة، ولو دققنا في الصورة لشعرنا بشيء من الانكسار داخلها، وربما تحولت الغربة إلى ما يسمى بالاغتراب النفسي، سرعان ما خرجت من ذلك كله مانحة لنفسها الدفء والطمأنينة في آن عندما أدرجت في ذات الصفحة: شهر رمضان في الصين "تتحدث فيه عن بني جلدتها من العرب لتتغلب على ما لحقها من شعور بالحزن والانكسار وتواصل الرحلة متسلحة بالطموح والمثابرة والعزيمة".

نعود إلى المدخل لعالم الكاتبة والكتاب عبر بوابة كونفوشيوس أبو الفلاسفة وتوافقها إلى حد كبير مع فكر الشعب الصيني متمثلة في الحب وحسن معاملة الأشخاص والأدب في الخطاب وأهمية الطاعة والتقدير للأكبر سنا ومقاما، من باب أنزلوا للناس منازلهم .. واحترام الحاكم، وكره الظلم والطغيان. ثم منطلقة لبوابة أخرى خاصة بالزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" حينما قال: "سوف نخلق حضارة تهتز لها الأمم من حولنا" وها هي المقولة تتحقق وتصبح واقعا أمام أعين العالم.

ولنقرأ إقرار الكاتبة بتأثير هاتين الشخصيتين عليها شخصيا حينما قالت: بدأت أنهل من معين الحكم والأمثال الصينية على أيدي أحفاد هذين العلمين، شعرت حقا بأن شخصيتي بدأت منذ ذلك الوقت تستكمل مداركها وتوسع آفاق حكمتها.

ولا يمكن أن يؤثر مقال أحمد صبري عمار عليها إلا بما يرفع من معنوياتها ويقلل من حدة شعورها بالغربة والاغتراب على حد سواء.

الكتاب يقدم العادات والمناسبات الصينية للمتلقي العربي في الفصل السابع بشكل بسيط مستدعية العيد الوطني وعيد الربيع أو السنة الصينية الجديدة، عيد منتصف الخريف، عيد قوارب التنين، العلاقات الزوجية في الصين، ثم الزواج عندهم وطقوسهم في هذا الصدد، لنقف على تشابه كبير بيننا وبينهم. وغيرها من الإدراجات التي تقدم لنا المجتمع الصيني على مائدة من ذهب .. لنقترب منه ونفهم بعض أغواره.

لتبدأ عبر صفحات الكتاب وصوره مراحل أخرى في حياة الكاتبة تتعلق بالجانب العملي وتوطيد أواصر الترابط بين ثقافتين عبر علاقات أسرية وانطلاق الكاتبة للعمل العام من خلال العمل التطوعي الاجتماعي وتسطر صفحة مهمة في تاريخ المرأة الشرقية التي تتسلح بالطموح وبالثقافة التي تمكنها من رسم صورة حضارية للمرأة العربية.