مقاربة مصرية لرباعية الإسكندرية للورانس داريل

بقلم: مهدي بندق
داريل يهجر الماركسية إلى القابال

تعد الرواية المعاصرة في طليعة الألوان الأدبية بفضل ما تتضمنه من إمكانات ووسائل غير محدودة، حيث لا تقيدها أنظمة للعروض والقوافي كما في الشعر، ولا تقتصر أدواتها على خاصة الحوار وساعات العرض المحددة كما في المسرحية. لذا يمكننا القول إن الشعر عمل العاطفة، والمسرح لغة العقل، أما الرواية فهي فضاء النضوج. ولكن أي رواية؟ إنها العمل الذي يسعى لإضاءة طريق البشر في مسيرتهم لتحقيق غايات الحياة الكبرى: انتصار الحق، وتعميم الخير، وإشاعة الجمال.
ذلك ما دار بخلدي يوم أنهيت قراءتي للعمل الأشهر "رباعية الإسكندرية"، ساعتها قلت لنفسي – غير مرتهب من سيول المدائح الموجهة لها – أي حق، وأي خير، وأي جمال في هذا العمل؟! يقول رجال القانون إن نصف الحقيقة كذب كامل. وهذه الرواية لم تقدم عن الإسكندرية سوى ربع حقيقتها بالأكثر. صحيح أن كاتبها لورانس داريل أديب حاذق ملاك لأدواته الفنية بامتياز، ولكن حتى اللص عليه - كما يقول برنارد شو – أن يبتاع الطفاشة بنقوده.
ومن عجب أن الشاعرة الكبيرة الراحلة سلمى خضراء الجيوسي لم تفطن إلى مراد هذا الروائي تلميذ المدرسة الإستعمارية وعميل المخابرات، حين أقدمت ـ دون تعليق منها ـ على ترجمة الكتابين الأولين من الرباعية: جوستين، وبلتازار، على عكس ما فعله الصديق الأديب فخري لبيب الذي ترجم الأجزاء الأربعة قائلاً في أكثر من موضع "لقد قدم داريل المصريين في صورة كريهة ومتعصبة، وكتب عن الطبقة التي ينتمي إليها كطبقة براقة" ا. هـ.
من وجهة نظر مصرية (غير شوفينية) فإن كاتب هذا المقال إنما يشارك صديقه فخري لبيب رؤيته اليسارية الناضجة، وربما زاد عليها "قرصة أذن أدبية" لذلك الكاتب الجاهل بتاريخ المدينة في عصرها العربي الإسلامي المتوهج فكراً وأدباً، فأبو العباس المرسي – عنده – مجرد مسجد، وليس قطب زمانه الذي بعد أن تتلمذ على يدي العارف بالله أبي الحسن الشاذلي، راح يعلم الناس في الإسكندرية الفلسفة والمنطق والفقه ستاً وثلاثين سنةً دون مقابل، رافضاً بكل شمم عطايا الوالي!
ومثل أبي العباس عرفت الإسكندرية – ابتداء من القرن الخامس الهجري – أعلامًا من الأندلسيين انتقلوا إليها لينعشوا حياتها الفكرية والعلمية نذكر منهم الطرطوشي وسيدي جابر والقباري، والشاطبي، والحافظ السِلْـفي، جنباً إلي جنب المؤرخين الكبار كابن الحكم، والأطباء العظام كابن أبحر، ثم الزعماء الوطنيين وأبرزهم السيد كريّم شهيد المقاومة الباسلة بالضد على الحملة الفرنسية.
أضف إلى ذلك الجهل الفاضح بهؤلاء الأعلام التاريخيين تجاهله المتعمد لشخصيات سكندرية معاصرة له هو شخصياً، أثرت في المدينة، بل وفي مصر كلها إيجابًا مثل الفنانين: سيد درويش وناجي، أو سلباً مثل ريا وسكينةً.
إسكندرية داريل، المصريون فيها خدم وعاهرات وباعة متجولون بلا ملامح! والمقابل الأبطال فيها مجموعة من الأجانب المستوطنين للمدينة، معظمهم من اليهود، تشيع بينهم علاقات الزنا والممارسات الشاذة لواطاً وسحاقاً (يبررها المؤلف بل ويحبذها!) حيث تتمثل فيهم حضارة الغرب الآفلة روحياً، يمارسون القبائح والشرور فيما بينهم، وحتى الراوي المسمي دارلي (داريل نفسه) نراه يعترف فخوراً بقبوله العمل كجاسوس على أصدقائه، بحجة أنه متأكد من براءتهم!
والحق أن داريل هذا المؤلف الفاجر في اعترافه كان يعبر عن وضعه الذي صار إليه كموظف بالمخابرات البريطانية قبل وإثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، يوم أن تبرأ من الماركسية التي اعتنقها في شبابه، وما من شك في أن لكل إنسان الحق في رفض ما يشاء من الأفكار، ولكن شريطة بذل الجهد النقدي اللازم لذاك الرفض. بيد أن داريل لا يفعل ذلك إطلاقاً، وكأن الماركسية [التي قدمت نفسها للعالم بوصفها فلسفة تحرير وأداة تحليل للعلاقة الظالمة المختلة بين رأس المال والعمل الأجور] مجرد موضة يرتدي ثيابها المرءُ لعام ثم يملّها فيخلعها.
أما النخبة التي انتمى إليها دارلي الراوي فيعتنق معظم أفرادها فلسفة القابال، وهي مجموعة تعاليم من صنع أحبار يهود يزعمون أنهم وحدهم مالكون للحقيقة المطلقة التي تنبجس من ينابيع النفس لتضاعف قدرة الروح على إدراك النظام الفطري في الكون والذي يكمن تحت التحكم الواضح للظاهرة، وفي فقدانها لكيانها في آن.
والقابال بهذا المعنى أحد تجليات الغنوصية التي تختلط فيها مبادئ المنطق وحساب التفاضل والتكامل بالمعرفة الصوفية المباشرة. وهذه الغنوصية تعارض الأديان لأنها في نظرها لم تفعل شيئاً غير تكريس الحرمان عند البشر، وإضافة المزيد من المحرمات بغرض قمع اللذات والشهوات.
القابال يقول العكس: انغمس ولكن انتق. وهذا بالضبط ما حاول أبطال الرباعية أن يفعلوه طوال الوقت. هو فلسفة تحرير إذن، ولكن تحرير لمن؟ للنخب التي تعيش عالة على الشغيلة والكادحين وفقراء العالم المستلب نتاج عملهم.
هكذا يتبين لنا لماذا هجر داريل الماركسية إلى القابال؟ لقد فضل لنفسه الانغماس في ملذات النخب، بديلاً عن النضال بين الجموع الغارقة في الحرمان والآلام والعوز من المهد إلي اللحد.
إسكندرية داريل، هذه إذن ليست إسكندريتنا التي نعرفها نحن المصريين، والأدب الذي حسبناه – باتضاع منا – عالمياً يصورها، إنما هو محض أكاذيب وتخرصات، بل هو القئ تلقيه علينا حضارة شاخت ثقافتها وسقطت مروءتها.
وعلى العكس من ذلك يمكننا أن نرى ملامح الإسكندرية الجميلة الطيبة فيما كتبه أديبنا العالمي حقاً وصدقاً، والدنا العظيم نجيب محفوظ (ميرامار، السمان والخريف، اللص والكلاب) وغيرها من رواياته الإنسانية الباهرة.
كما نرى الإسكندرية في أصدق صورة لأبنائها الودعاء الطيبين بما كتبه أديبها الكبير الجميل محمد جبريل خصوصا في رباعية بحري ذات الألق المدهش، كذلك في أعمال المصري القبطي المسلم الثقافة إدوار خراط (ترابها زعفران) وأعمال الكاتب اليساري الوطني إبراهبم عبد المجيد (طيور العنبر، لا أحد ينام في الإسكندرية) والعمل البديع لعبدالفتاح رزق (الإسكندرية 47). ثم محمود عوض عبدالعال (سكر مر) وسعيد سالم (جلامبو، بوابة مرور) والراحل الأديب سعيد بكر (وكالة الليمون، السكة الحديد) ثم مصطفى نصر الذي كرس كل إبداعاته للإسكندرية وحدها (الجهيني، الهماميل، جبل ناعسة، سينما الدورادو) علاوة على أعمال الأديب – الزاهد في الشهرة والأضواء محمد الصاوي، فضلا عن ناقدي الإسكندرية: شوقي بدر يوسف، وعبدالله هاشم. فلهؤلاء الأدباء والنقاد النبلاء يكون الوقوف احتراماً وحباً، وكيف لا وقد تحققت في كتاباتهم أهداف الأدب العظيم: الانتصار للحق، وتعميم الخير بين الناس، وإشاعة الجمال في كل موطن ومكان؟ مهدي بندق ـ الإسكندرية
رئيس تحرير مجلة 'تحديات ثقافية'