مفكرون يؤكدون أن انفجار العنف مؤشر للخلل الذي يصيب النظام الثقافي

الإعلام ودوره في مواجهة التطرف

شهدت جلسات اليوم الثاني من المؤتمر السنوي الرابع لمواجهة التطرف الذي تنظمه مكتبة الإسكندرية تحت عنوان "الأدب والفن في مواجهة التطرف" نقاشا صاخبا حول دور الإعلام والقانون والأمن والمسارح والمتاحف في مجابهة التطرف والإرهاب، بدأت بالعلاقة بين الثقافة والتقدم في العالم العربي، والتي أداراها د. جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق، وتحدث فيها كل من يوسف شقرة، رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين، والأديب العراقي نجم والي، ود. نيفين مسعد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والمفكر المغربي عبدالسلام الطويل، ود. دانيال الحويك المحامية اللبنانية والناشطة الحقوقية، حيث أكد شقرة أن الجدلية بين الثقافة والتقدم تشير إلى أن كلا منهما يصنع الآخر ويكمله، خاصة في المجتمعات المتقدمة التي تنطلق من تكوين النشء وتربيته على اكتساب مقومات الأصالة والثقافة لبناء المجتمع. وطالب بتوجيه الاهتمام إلى النشء وتحصينه ثقافيا وفكريا وفنيا من خطابات التطرف، وذلك من خلال مناهج تعليمية تقوم على فكرة الحرية وقبول الآخر المختلف ودعم الذائقة الجمالية وقيمها الفنية.

وأشار نجم والي إلى ثلاثة أنواع من الثقافة تسود المجتمعات الآن وهي ثقافة الغنيمة وثقافة الكذب وثقافة العنف، وقال "تأتي ثقافة الغنيمة من عدم إخلاص المثقفين لأنفسهم وتلونهم الدائم مع الأنظمة السياسية المختلفة، أما ثقافة الكذب فتأتي من ازدواجية المثقفين تجاه قضايا معينة مثل المجتمعات الذكورية التي تدافع عن حقوق المرأة، بينما تنبع ثقافة العنف من استخدام بعض الأنظمة السياسية لنفس لغة الإرهاب عند معالجة قضايا التطرف".

ورأى والي أن السلام هو موقف إنساني وسلوك ثقافي، وأن المثقفين يجب أن يحافظوا على إنسانيتهم وأن يعترفوا بالسلام، فانتصارنا على الإرهاب والتطرف سيكون بالحوار.

أما د. نيفين مسعد فتطرقت في حديثها إلى الإرادة السياسية وعلاقة التأثير المتبادل بين الثقافة والتقدم من خلال المشروعات التنويرية عبر التاريخ المصري الطويل والتي كان لها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية. وقالت إن محمد علي باشا مؤسس الدولة الحديثة كان شديد الاهتمام بإيفاد المصريين للخارج لتعلم العلوم والحرف والصناعات وإعادتهم للداخل لتفعيل ما تعلموه، كما اهتم بحركة الترجمة والانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى وما وصلت إليه من تقدم، مما أدى إلى الاهتمام بالمنتج الثقافي المصري.

وأسفت مسعد على ما آلت إليه الحركة الثقافية في مصر في الوقت الراهن من تراجع. وقالت "بينما تعمل السعودية حاليًا على إنشاء 2000 دور عرض سينمائي بحلول عام 2030، يتقلص عدد دور العرض في مصر إلى 82 دور عرض فقط، وهذا يعود إلى أن ميزانية وزارة الثقافة تذهب لدفع رواتب الموظفين فقط، وأنه لم يعد هناك اهتمام بالحركة الفنية والثقافية داخل المجتمع.

وشددت في نهاية كلمتها على أن الدولة والمجتمع قادران على التغيير، فالتعليم والثقافة هما الرافعتان الأساسيتان لنهضة أي دولة.

وأكد د. عبدالسلام الطويل على فرضيتين أساسيتين، الأولى هي أن العنف والتطرف والإرهاب والتشرد هو نتيجة مباشرة لفشل مشروع الثقافة، والثانية أن مظاهر العنف والتطرف هي نتيجة لفشل مشروعات الإصلاح والتجديد على مدار عقود ما بعد الاستقلال، فمشروعات الإصلاح والتجديد هي التي شكلت مسار الحداثة الأصلي الذي يقوم على السياسة التاريخية لتحرر الإنسان بحيث يكون مسئولًا وفاعلًا في تاريخه.

وأشار إلى أن ظاهرة انفجار العنف هي مؤشر للخلل الذي أصاب النظام الثقافي داخل المجتمعات، وأنه كلما زادت القدرة على السيطرة وتوجيه العنف ازدادت قيمة وأثر الثقافة لدى أفراد المجتمع وتراجعت مظاهر العصبية والنفاق والضغينة وازدادت فكرة التسامح والتقدم.

• القوة الناعمة والأمن

وفي جلسة أخرى حول "جدليات القوة الناعمة والأمن" أكد د. محمد مجاهد الزيات؛ مستشار المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، إن القوة الناعمة هي عملية توظيف القدرات الثقافية والسياسية للتأثير في الإدراك لدى الأشخاص تمهيدًا لتغيير سلوكهم، ولا يتوقف استخدامها من قبل الدول على المستوى الخارجي فقط، بل تستخدمه الأنظمة لتغيير سلوك واتجاهات مواطنيها.

وأضاف أن أغلب الباحثين والمختصين يطرحون مفهوم القوة الناعمة باعتبارها أحد أدوات الدولة لمواجهة الإرهاب، متغافلين أن لها وجها سيئا تستخدمه التنظيمات الإرهابية والقوى المتطرفة لفرض سيطرتها وكسب أتباع جدد، مشيرًا إلى أن هذه القوة من أهم أدوات حروب الأجيال الجديدة التي تعتمد على أساليب جديدة في إسقاط الدول.

ورأى الزيات أن مصر تتعرض لمؤامرات وهناك دول تسعى إلى هدمها، محذرًا من تعرضها لخطر قادم من ليبيا، نتيجة انتقال قيادات داعش والتنظيمات الإرهابية من سوريا والعراق إليها، والتي أصبحت مركزًا للإرهاب تصدره للدول الإفريقية التي تتشارك معها في الحدود، قائلاً إن هناك ثلاثة عشر قائدًا من تنظيم داعش لا يعرف أحد مكانهم حتى الآن.

وأشار الزيات إلى أن مفهوم القوة الناعمة الذي طرح عقب انتهاء الحرب الباردة من قبل أستاذ العلوم السياسية الأميركي، جوزيف نايل، والذي كان يعمل مستشارًا لوزير الدفاع الأميركي في ذلك وقت، سعت الولايات المتحدة من خلاله الاستمرار في فرض سيطرتها وهيمنتها على العالم.

وحذر اللواء محمد إبراهيم، وكيل جهاز المخابرات العامة السابق، من نشاط العمليات الإرهابية في مصر مع قرب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية، لممارسة ضغوط على الدولة، داعيًا أجهزة الدولة المختلفة إلى اليقظة والاستمرار في مواجهته باستخدام مختلف القوى، مؤكدًا أن الإرهاب ليس هو التحدي الوحيد الذي يواجه مصر.

وأشار إلى التحديات الداخلية التي تتعرض لها مصر، والتي تتضمن التحدي الأمني الذي يتعلق بالعمليات الإرهابية التي تؤثر على استقرار الدولة ووضعها الإقليمي والدولي، والتحدي الاقتصادي ومدى قدرة مصر على مواصلة خارطة الإصلاح، أما التحدي الثالث فهو مدى قدرة الدولة على دمج الشباب في منظومة الدولة ككل وأن يكون عنصرًا فعالاً في دفع عجلة التقدم، وأخيرًا تحدي الإعلام فلا بد أن يكون مساعدًا لتنفيذ استراتيجية الدولة.

وأوضح إبراهيم أن الجانب الآخر من التحديات التي تواجهها مصر هي الخارجية، والتي تتمثل في السياسات المعادية التي تقوم بها بعض الدول ضد مصر للتأثير عليها وعلى دورها الإقليمي من بينهم قطر وإيران وتركيا، بالإضافة إلى الصراعات القائمة في المنطقة وتحديدًا في سوريا وليبيا، أما التحدي الثالث فيتمثل في القضية الفلسطينية، فعدم حلها يؤثر على الأمن القومي العربي والمصري، وأخيرًا مدى تأثر الأمن القومي المصري المائي.

وكشف أن الدولة المصرية نجحت إلى حد كبير في القضاء على جزء كبير من الإرهاب، وخلال شهور قليلة سوف تعلن سيناء خالية من الإرهاب في ضوء توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، داعيًا إلى استخدام الأمن يده الباطشة في مواجهة الإرهاب والإرهابيين، والاهتمام بالتنمية الاقتصادية وخاصة في المناطق التي تعاني الفقر.

وحول سد النهضة، قال إبراهيم إن القيادة السياسية والدبلوماسية المصرية تتحرك في هذا الموضوع، حيث تفضل محور الحوار والجانب الحضاري بدلاً من التصادم، وهناك اتجاه إلى تنمية العلاقات الثنائية مع إثيوبيا، بدلاً من الدخول في صراعات نحن في غنى عنها.

ولفت علي جلال معوض، مدرس العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، إلى أن مفهوم القوة الناعمة توسع على المستوى العالمي، وشهد اهتماما متزايدا، وأصبح لا يتوقف على العلاقات الدولية فقط ولكن أصبح يستخدم داخل الدولة نفسها.

وأضاف معوض أن القوة الناعمة تشعبت وأصبحت قوة تاريخية ودينية متمثلة في عدد من النماذج مها السعودية والفاتيكان، وأخرى سياسية تعبر عن نظم ديمقراطية غربية كنموذج يشير إلى النجاح، والدبلوماسية، من خلال نجاح الدول في الدوائر السياسية العالمية المتعددة، والقوة الاقتصادية التي تقدمه عدد من الدول الآسيوية، والقوة العسكرية متمثلة في أنشطة التعاون والتدريب العسكري التي تعمل على نقل خبرات وقيم دول إلى قيادات دول أخرى.

أما العميد خالد عكاشة، رئيس المركز الوطني للدراسات الأمنية، فرأى أن الحدود الغربية المصرية هي الساحة الأكثر خطورة والعنوان الحقيقي للتهديد المستقبلي ليس على مصر فقط ولكن الشمال الإفريقي بصفة عامة، مشيرًا إلى أنه ومع بداية الثورات العربية تم استهداف ليبيا باعتبارها الحلقة الأضعف بالمقارنة مع الدول المجاورة لها في المحيط الإقليمي.

وأضاف عكاشة أنه خلال تلك الفترة تم وضع بذور الفوضى في ليبيا لاستقبال أعداد من الإرهابيين وتكون بمثابة محطة لتدريبهم، ولاستثمارهم في مرحلة مقبلة، موضحًا أن ما يحدث الآن من تضيق في المساحات أمام المنظمات الكبرى في العراق وسوريا لا يوازيه في ليبيا، ولكن على العكس فهناك تعميق للصراعات بشكل متعمد والأطراف الدولية حاضرة بقوة لفرض مصالحها.

وأشار إلى أن الأزمة السياسية الليبية معقدة والانشقاق متزايد، كما يتم محاصرة الجيش الوطني الليبي من قبل أطراف دولية حتى لا يتمكن من استعادة قوته، يأتي هذا في ظل انشغال الدول في قضايا سياسية داخلية ومشاكل اقتصادية.

وحذرت الباحثة التونسية د. بدرة قعلول، رئيس المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والعسكرية ومدرس بالأكاديمية العسكرية في تونس، من أن الوطن العربي أصبح يعاني الآن من ظاهرة العنف الإيديولوجي، ويرجع السبب في ذلك إلى أنها مبنية في الأساس على إيديولوجيات متنوعة، فأصبح الكل يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، ويحاول فرض سيطرته ورأيه على الجميع.

وأضافت قعلول أن العنف ظهر على السطح عبر الثورات العربية، وأصبح الجميع يمارسه باسم الحرية وحرية التعبير والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما يمهد للتطرف والإرهاب، متابعة "وهذا أمر خطير، فأنا لا أنزعج من الإرهاب لأنه يمكن مواجهته بالحرب المباشرة، ولكن الخطر الحقيقي في ما يمهد له الأرضية وهو العنف".

وأوضحت أن العنف أخذ أشكالا مختلفة مثل العنف اللفظي، وأصبح هناك خطر على الهوية العربية في ظل الفترة الحساسة التي تشهدها المنطقة تكاد تكون أسوأ فترة يشهدها العرب عبر التاريخ، منتقدة عدم وجود علماء اجتماع مؤثرين يدرسون بشكل أكاديمي الظاهرة ووضع المجتمعات العربية لمعرفة موضع الخلل.

وأشارت قعلول إلى أن الوضع في تونس أخذ منحنى خطيرًا وهذا ما ظهر في تنفيذ عمليات اغتيالات سياسية بتحريض خرج من المساجد، وهو ما ينذر بتغير شكل الحرب.

وأكد الباحث الجزائري المختص في الحركات الإسلامية الطاهر سعود على وجود بعد ثقافي لمواجهة خطر الإرهاب والتطرف، فمن الضروري هدم الإرث الثقافي السابق وبناء وإعداد نسق ثقافي متجدد يحمل خيارات للخروج من وضعيه التخلف ومواجهة الانتشار الواسع للعنف.

الإعلام ودوره

وكان الإعلام ودوه في مواجهة التطرف محور جلسة أخرى شارك فيها د. وسام باسندوه الناشطة اليمنية والباحثة في العلوم السياسية، الكاتب والإعلامي الأردني مفلح العدوان، ود. لوري فيليبس؛ أستاذ العلوم السياسية بالجامعة البريطانية بالقاهرة، والإعلامية الجزائرية د. لبنى شطاب، ورئيس تحرير الأهرام ويكلي الكاتب عزت إبراهيم. وأدارها الإعلامي عمرو خفاجي، حيث تحدث فيليبس عن خطاب التطرف البصري، وكيف يشكل الإعلام عقولنا ومعتقداتنا من خلال الصورة، مؤكدًا أن الصورة تلعب دورًا بالغ الأهمية في التأثير في عقول المتلقين، وبالتالي اعتمدت عليها الجماعات المتطرفة لتوصيل أفكارها وتحقيق أهدافها.

وعقد فيليبس مقارنة بين استخدام الولايات المتحدة الأميركية للصور في الإعلام خلال الحرب على العراق، وبين استخدام إعلام داعش للصورة لتحقيق أهدافه. وأوضح أن الولايات المتحدة الأميركية سعت لتقديم صور تعتمد على مشاهد معينة، تبرز فيها انضباط الجنود، والأسلحة المتقدمة، ومشاهد قليلة جدًا تحتوي على العنف. بينما سعت داعش لتحقيق أهدافها من خلال الصورة بإبراز صور أكثر واقعية مبينة جوانب القوة والعنف، ومستخدمة شعارات دينية جعلتها تنجح في استقطاب عدد أكبر من الشباب.

وقدمت لبنى شطاب توصيفًا لحالة الإعلام العربي، مبينة أنه يفتقر للتوازن، ولا يتميز ببعد أخلاقي ولا رسالة واضحة، يعتمد على المغالاة في الكراهية ويقدم خطابًا لا يحترم العقول ويحط من قيمة المتلقي، خاصة الشباب. وقالت إن داعش، من ناحية أخرى، استطاعت أن تستخدم كل الوسائل التقليدية والحديثة لاستقطاب هذا الشباب، معتمدة على العديد من الأدوات كاللغة والخطابات الحماسية والآيات القرآنية والوعد بالجنة.

وأكدت شطاب أنه لا يوجد استراتيجية إعلامية عربية لمواجهة الإرهاب، بل أن الإعلام العربي ارتكب عدة أخطاء في تعامله مع قضية التطرف؛ وهي فتح منابر إعلامية للإرهابيين، والتهويل المبالغ فيه، مما قدم للجماعات الإرهابية نوعا من الدعاية. ورأت أهمية العمل على إنتاج استراتيجية إعلامية عربية لمواجهة داعش عبر الوسائط المختلفة، والتعامل مع المعلومات الأمنية بحرفية.

ولفتت وسام باسندوه على أهمية التفرقة بين التطرف والعنف، فالتطرف فكر والعنف سلوك. وقالت إن الإعلام العربي يجب أن يفكر خارج الصندوق ويبدأ في التعامل مع ظاهرة التطرف بشكل غير مباشر بدلاً من الأسلوب المباشر الذي أثبت عدم جدواه. وشدد على أهمية وجود استراتيجية لمواجهة الجيوش التي تقف وراء الإعلام المتطرف، خاصة من خلال الوسائط غير التقليدية.

وقال مفلح العدوان إن المواجهة الحقيقية للتطرف يجب أن تبدأ بالأطفال، فالمحتوى الذي يعرض للأطفال الآن سواء في القنوات التقليدية أو الحديثة معظمه يشجع على العنف ويرسخ ثقافة الاختلاف، وأن هناك تواطؤا يؤدي لصناعة المتطرف. وأكد على أهمية الاهتمام بالمحتوى المقدم للأطفال بالتركيز على الموسيقى والفن والأدب وتقبل الآخر.

تحدث عزت إبراهيم عن إشكاليات التغطية الإعلامية لقضايا التطرف على المستويين المحلي والدولي. وأوضح أن التعامل مع مصطلح الإرهاب على المستوى الدولي يتسم بالارتباك الشديد، فلا يوجد حتى الآن توافق دولي حوله، نظرًا لاختلاف السياقات الدينية والثقافية. وأشار إلى وجود تعدد في المرجعيات على المستويين المحلي والدولي عند التعامل مع قضايا التطرف؛ ومنها مرجعية المؤسسة الدينية، المجموعات الافتراضية، ووسائل الإعلام التقليدية، وهي مرجعيات تؤدي إلى تكوين أطر معرفية مختلفة.

• الوعي القانوني

وأدارت المستشارة تهاني الجبالي؛ نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق جلسة "الوعي القانوني لمواجهة الإرهاب"، بحضور د. حافظ أبو سعدة؛ عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، ود. سليمان عبدالمنعم؛ أستاذ القانون الجنائي، وعصام شيحة؛ المحامي بالنقض، ود. جهاد الحرازين، أستاذ القانون الدولي والقيادي بحركة فتح الفلسطينية. حيث أكدت أن التطرف والإرهاب ليس مجرد حمل السلاح فقط ولكنه قد يكون تطرفا فكريا أو اقتصاديا أو معنويا، لافتة إلى أن تطبيق القانون يكون رهن ثقافة المجتمع، فثقافة المجتمع تؤثر على تطبيق القانون بشكل كبير. وأن هناك أهمية لإدراك وفهم طبيعة البنيان القانوني، فهناك قوانين وجدت للحظات تاريخية ولفترة زمنية محددة، وهناك أيضا قوانين معطلة وحين يكون القانون فاسدا وغير ملبي لحاجات المجتمع هنا تحدث المشكلة.

وطرح سليمان عبدالمنعم ثلاثة أفكار تتعلق بالوعي القانوني، وهي: وضع المواجهة القانونية للتطرف والإرهاب في إطارها الصحيح، فضلاً عن مسارات المواجهة القانونية، بالإضافة إلى بعض المحاذير خلال المواجهة القانونية للتطرف والإرهاب.

وأوضح أن ظاهرة الإرهاب والتطرف هي ظاهرة اجتماعية وبالتالي فإن المواجهة القانونية يجب أن تكون آخر أداة يجب استخدامها في مواجهة هذه الظاهرة، لافتًا إلى أن البداية تكون في وضع التطرف والإرهاب في إطارها العام والأشمل، فالجريمة هي إفراز طبيعي لأي مجتمع وهي ابنة المجتمع وعليه فإن المواجهة تكون من خلال التربية أولا.

وفيما يخص الفكرة الثانية المتعلقة بمسارات المواجهة القانونية قال عبدالمنعم "إننا لدينا ما يكفي من التشريعات التي تجرم شتى صور العنف والتحريض علي الكراهية ولكن هذا مسار تقليدي"، مشيرًا إلى أهمية النظر إلى بعض المسارات الأخرى التي تستخدمها الكثير من دول العالم والتي تتعلق بفكرة التصالحية والصفقات القضائية التي تعطي تحفيزات للمنظمات الإرهابية في مقابل الاعتراف بالجرائم والتراجع عنها.

أما الفكرة الثالثة المتعلقة بالمحاذير، فأشار إلى ضرورة وضع خمسة محاذير في الاعتبار عندما نواجه أفكار التطرف والإرهاب وهي احترام حقوق الانسان، التجريم على الأفعال لا الشبهات والنوايا، مواجهة مخاطر الفضاء الإلكتروني، مواجهة التحريض على الكراهية، فضلاً عن مواجهة التطرف على كل الضفاف سواء كان تطرفا اقتصاديا أو فكريا أو معنويا.

وقال حافظ أبو سعدة إن الأقباط هم أكثر من دفعوا ثمن مواجهة الإرهاب في مصر خلال السنوات الماضية. وأضاف أنه على الرغم من موجة العنف والإرهاب التي تشهدها مصر خلال السنوات الماضية إلا أن الدستور المصري عزز من مبادئ حقوق الإنسان في دستور 2014، مشيرًا إلى أنه من أهم الدساتير المصرية التي عززت مبادئ حقوق الإنسان وزادت عليه ما هو مستحدث في العالم.

ورأى أن هناك بعض المحاولات لوضع القيود للحقوق الممنوحة في الدستور من خلال مشروعات قانون مقدمة للبرلمان بحجة مواجهة الإرهاب، فضلا عن مشروع تجريم الإلحاد، وهو ما يخالف نصوص الدستور بالإضافة إلى مخالفته للمواثيق العالمية التي تكفل حرية الفكر والاعتقاد.

وفيما يتعلق بمشروع قانون تنظيم الدخول على مواقع التواصل الاجتماعي، قال أبو سعدة إن هذا المشروع سيكون من الصعب تطبيقه والحل هو مزيد من الحرية وإضافة محتوى موازي للرد على الأفكار المتطرفة الموجودة على هذه المواقع. وقال إن المواثيق الدولية تشكل مرجعية مع الدستور المصري وأن أي تشريعات تخالف ذلك تسمى انتهاك للقانون والدستور.

وأضاف أن هناك أشكالا من التطرف في كل العالم وبالتالي التطرف بشكل عام ليس مجرما أو محظورا ولكن المحظور هو التطرف العنيف وهذا يجب أن يؤخذ في الاعتبار خلال وضع التشريعات في مصر، لافتا إلى أن التشريعات الموجودة في مصر كافية ويوجد بها نصوص كافية لمواجهة هذه الظاهرة. وأكد على ضرورة التمسك بسيادة القانون فيما يتعلق بالمتهمين بالقضايا التي تتعلق بالإرهاب، مشيرا إلى أن الإجراءات الاستثنائية مخالفة للمواثيق والدساتير.

وتطرق جهاد الحرازين إلى الشرعية الدولية والقوانين الدولية موضحا "أن الشرعية الدولية تمارس فقط على الدول النامية دون النظر إلى ما يمارس في حق الشعب الفلسطيني من احتلال استمر لمدة 60 عاما وكذلك المواقف التي تتخذها أميركا بشأن القدس دون أن يتحرك العالم، كذلك الجرائم التي ترتكب من دولة الاحتلال وتبني جدار فصل عنصري في مخالفة لقانون محكمة العدل الدولية. ورأى الحزازين أن القانون الدولي في خطر ما لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه الانتهاكات التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أميركا ضد الفلسطينيين.

وفيما يتعلق بالإرهاب قال إن هناك مؤثرات خارجية تدفع الأفراد إلى التطرف مثل قضايا الفقر والجهل. وأوضح الحزازين أن معالجة الفكر الإرهابي يجب أن يأخذ شقين منها الشق التربوي والذي يعتمد على تنشئة أجيال مؤمنة بالوطن والدولة وليس لجماعات وأحزاب في حين يتعلق الشق الثاني بالبعد الدولي من خلال مبادرات دولية والنظر إلى شركات غسيل الأموال وبالإضافة إلى الفضاء الإلكتروني الذي يشكل خطورة بالغة في الوقت الراهن.

من جانبه قال عصام شيحة؛ المحامي بالنقض، إن لدينا من التشريعات ما يكفي لتجريم أي جريمة في المجتمع، لافتا إلى أن العاملين بالقانون يتمنون تنقية القوانين التي تخالف الاتفاقيات الدولية والدستور.

وأكد على ضرورة أن يكون هناك توزان فيما يتعلق بإجراءات التقاضي وألا يكون عرضة لضغوط الرأي العام. وطالب بضرورة وضع استراتيجية في وضع القانون وأن يكون القائمون على إصدار القوانين محترفين وليس هواة.