مفاوضات عبثية بلا دور عربي

"خطوات من جانب واحد ستواجه بخطوات من جانب واحد". هذه هي جملة رئيس حكومة اسرائيل بيبي نتنياهو في تبريره للطريق المسدود الذي وصلته المفاوضات مع الفلسطينيين.

نتنياهو كالعادة يبحث عن صياغات تبريرية للتهرب من الوصول الى اتفاق مع الفلسطينيين، لكن هذه المرة جملته كانت سيفا ذا حدين. يقول بعض المعلقين السياسيين في اسرائيل ان نتنياهو كان صادقا جدا ومقرا للحقيقة، بأن خطوات اسرائيل من جانب واحد، هي التي جرت خطوات فلسطينية من جانب واحد ردا على خطوات اسرائيل من جانب واحد، وذلك على العكس تماما مما كان يعني سيادته. أن وقف تحرير الأسرى الفلسطينيين والاعلان عن مناقصة بناء أكثر من 700 وحدة سكنية جديدة في المناطق الفلسطينية المحتلة، كانت الخطوة التي لا بد ان تواجه بموقف فلسطيني لم يتأخر، شكل صفعة سياسية وارباكا دبلوماسيا لنتنياهو وشطارته اللسانية لدرجة ان وزير خارجية الولايات المتحدة وصف الخطوة الاسرائيلية بـ "بوم" (أي انفجار) وهو تعبير أفضل من مليون كلمة عن الخطوات الاسرئيلية من جانب واحد.

هل كان نتنياهو يقصد تبرير الموقف الفلسطيني اذن؟

هذه المرة يبدو رئيس الحكومة نتنياهو فاقدا لشطارته اللغوية في تبرير تصرفات اسرائيل لدرجة ان الراعي الأميركي، الحاضن لكل النهج الاسرائيلي المخالف للشرعية الدولية، لم يستطع الا ان يطلق تعبيرا من البطن عندما وصف الخطوات الاسرائيلية من جانب واحد بـ "بوم". وصف سيدخل عالم الدبلوماسية الدولي، كاسلوب للتعبير عما يرفض اللسان ان يقوله بوضوح. وهو أبلغ من أي كلام!

طبعا فيما بعد عادت الدبلوماسية الأميركية لتلطف تعبير البطن الدبلوماسي، لكن القول الفصل قيل بوضوح وكل التبريرات الأخرى تبدو مثل اعطاء حبة اسبرين لمريض بالسرطان.

السؤال قيما اذا مُددت المفاوضات، هل سيقبل نتنياهو ببحث المواضيع الأساسية وعلى رأسها موضوع الحدود مثلا؟ الى جانب تحديد الهدف من المفاوضات عدا اللقاءات وطحن المواضيع بدون وجود سقف واضح للمفاوضات؟

يجب عدم البناء على دبلوماسية البطن التي أُفلتت من كيري بلحظة ضيق ويأس من التصرفات الإسرائيلية، لأن المرجعية الأميركية ستواصل المساواة مجددا بين المحتلة أرضه والمحروم من حقوقه منذ قرار التقسيم عام 1947، وبين المعتدي المحتل والمخالف لكل القوانين الدولية، بكل ما يتعلق بالاستيطان وحقوق الانسان تحت الاحتلال.

نتنياهو سيواصل طريق ابتزاز الادارة الأميركية. حاول ابتزاز السلطة الفلسطينية بوهم انها من اجل اطلاق سراح عشرات قليلة من الأسرى الفلسطينيين ستخضع لإبتزازه. كان الرد الفلسطيني صفعة لنتنياهو والراعي الأميركي الذي لم يستطع تبرير الموقف الأسرائيلي كعادته.

صحيح أن موضوع الأسرى الفلسطينيين هو موضوع ملح ومؤلم، لكن يجب ان لا يتحول الى بديل عن تحرير الوطن كله من الأسر الاسرائيلي.

ربما أخطأت السلطة الفلسطينية من الأساس بتراجعها عن مطلب وقف الاستيطان كشرط لتجديد المفاوضات. فها نحن نقف امام انتهاء مهلة المفاوضات كما حددها الراعي الأميركي دون الوصول لأي سقف يمكن اعتباره قاعدة للوصول الى اتفاق.

الموقف الأميركي سيواصل توفير الدعم المتنوع، السياسي والدبلوماسي والأمني لاسرائيل، ولن يعلن انه فشل في الوصول الى حل بسبب تعنت حكومة اسرائيل ورئيسها بيبي نتنياهو.

ان من يتوقع تحولا في الموقف الأميركي يعيش بوهم، و"بوم" كيري كان تعبيرا صادقا من البطن. تعبير لن نسمعه من الناطقين الرسميين لوزارة الخارجية او البيت الأبيض.

ان من ينتظر اقتراحات لحل من الولايات المتحدة او ان تكون الولايات المتحدة صادقة مع نفسها وتعلن عن فشل الحل بسبب تعنت اسرائيل سيصاب بخيبة أمل. المشكلة تبقى في غياب موقف عربي نشيط، مؤثر وضاغط على الولايات المتحدة، ودعم مادي واسع للسلطة الفلسطينية لتعزيز قدراتها على مواجهة الضغوط الأميركية والاسرائيلية، أي ان الحل سيبقى مؤجلا حتى يأخذ العالم العربي دوره السياسي ويضع وزنه بكل ما يملكه من طاقات من اجل انهاء المأساة الفلسطينية المتواصلة منذ أكثر من 65 عاما.

ان العودة لتحرير الأسرى مقابل تحرير الجاسوس بولارد، هي خطوة تجميلية لأزمة المفاوضات والمكسب سيكون مكسبا انتخابيا لبيبي نتنياهو!

ولا استبعد ان نشهد في الأسابيع القادمة أزمة حكومية في اسرائيل تقود الى اجراء انتخابات جديدة، خاصة وان استطلاعات الرأي تعطي الليكود ارتفاعا في قوته، وتعطي اليمين الاسرائيلي المتطرف قوة فوق قوته. ولكن انتبهوا، ليس قبل ان تنجح حكومة نتنياهو بتحرير الجاسوس بولارد حتى بثمن تنفيذ تحرير الدفعة الرابعة التي تشمل مواطنين عرب من داخل اسرائيل!

بعدها ستكون انتخابات وبالتالي لا اتفاقات قبل تشكيل حكومة جديدة. وبذلك تنتهي جولة المفاوضات تحت ستار انتخابات اسرائيلية!