مفارقات ثقافية في كرة القدم

بقلم: زياد العيساوي
حوار رياضي

بملء رئتيه، أطلق الحكم صفير صافرته، إيذاناً منه، ببدء النصف الثاني من زمن المباراة، التي أسفر شوطها الأول عن تقدُّم الفريق (س) الذي يرتدي لاعبوه الغلالة المُلطَخة بلون الدم في شكل خطوط طولية، على غريمه (ص) الذي يرتدي أعضاؤه القُمصان البيضاء ذوات اللون الأبيض المُتَّشح بالسواد، على هيأة خطوط عرضية، بفارق هدفٍ يتيم، ما جعل مُناصري الثاني، يُطالبون لاعبيه بتعديل النتيجة أولاً، ومن ثَم قلبها إلى صالحهم كمطلب ثانٍ.
في حين، كان مشجعو الأول يطمحون إلى تسجيل هدفٍ آخرٍ، يكون بمنزلة الأخ الذي يؤنس وحدة الأول، فيما تبقى من زمن اللقاء، ولكي يجعلهم بمأمنٍ ومنأىً مما يبتغيه الأولون، فلكُلِّ منهم شأنٌ يتمناه في هذه المباراة الحاسمة، خصوصاً وأنّ الساعة الإلكترونية الماثلة أمام الجميع، تشير بأرقامها علانيةً، إلى أنّ هناك متسعاً من الوقت، ما يزال مُتبقياً من زمنها القانوني أمام كلتا الفرقتين.
وفيما كانت أعصاب اللاعبين متوتِرةً، كانت أنظار المُتجمهرين مشدوهةً إلى المستديرة، فإذا أعلمتكم بأنّ عددَ المُتفرِجين، كان يربو على أربعين ألف مُتفرِج، فسوف تخلصون بأجراء عمليةٍ حسابيةٍ يسيرةٍ، وهيّ استخدام جدول الرقم اثنين لعملية الضرب، إلى أنّ ثمة ما لا يقل عن ثمانين ألف عين، كانت تُسلط الإشعاعات النافذة منها، لتتلاقى جميعها وفي لحظةٍ واحدةٍ على سطح الكرة الصغير الحجم، أينما نطَّت وحيثما حطَّت، كما ترصدها كلما مُرِّرت من لاعبٍ إلى آخر، حتى أنها لا تكاد أن ترتاح من مراقبة هذه الأعين لها، إلا في حالاتٍ نادرةٍ جداً، وأحايين قليلة، حينما يلتقطها حارس المرمى، ويُريحها بين راحتي يديه مثلاً، أو عندما تخرج خارج خطوط الملعب المستطيل الهيئة، فنجدهم وهيّ في سبيلها لمغادرته، يحثون أقرب لاعبٍ منها للإمساك بها، وذلك بالإيعاز والتشجيع، إلا أنّ سرعتها قد تفوق سرعته، فتخرج الكرة رغماً عن قدميه، ورغماً عن أنوفهم وأعينهم كذلك، فيصفونه حينئذٍ باللاعب البطيء، وفي حالةٍ ثالثةٍ، لما تزغرد صافرةُ الحكم بصرامةٍ ما بعدها ولا قبلها صرامة، عن حدوث خطأٍ ما، يستوجب إيقاف اللعب.
وعلى خلفية هذه المشهدية، التي خيَّمت بظلالها على أجواء هذا المحفل الرياضي، دعوني الآن، أروي لكم مجريات أحداثه مُفصلةً، فبعد أن التقى الجمعان، وصار التنافس بينهما على أشده، وقد بدأ العد التنازلي للزمن يأخذ في النقصان رويداً رويداً، وفي غير صالح الفريق الأول على وجه التحديد، إلى ذلك، أرسل حارس مرماه كُرةً طويلة، علت رؤوس كُلَّ من هم في الملعب، فلم تطلها.
ومنذ انطلاقتها، كانت الثمانون ألف عين، ترصد حركتها، لتعرف أين ستستقر بها الحال، ولم يدُم تربصها طويلاً، فها هي، قد قطعت شوطاً لا بأس به، حتى وصلت إلى عُمقِ ملعب الندِّ، وانتهت بين قدمي قلب الهجوم المُتقدِم، الذي كان يتخذ لنفسه موقعاً أمامياً، ويتحيَّن الفرصة في غفلةٍ من الجميع، فتلقفها ومضى بها راكضاً صوب المرمى، وهوّ يُسابق الريح عدواً، وكانت الطريق مُمهَدةً أمامه، ومُستغِلاً النقص العددي في صفوف مُدافعي الخصم، ليبدأ بدوره في بناء هجمةٍ مُرتَدةٍ وخاطفةٍ، على أنقاض هجمةٍ فاشلةٍ للأولين، لولا أنّ قلب الدفاع كان له بالمرصاد، ويحسب عليه حركاته وأنفاسه، ويلازمه مثل ظلِّه تماماً، فتقدَّم نحوه بخُطىً حثيثةً، مُحاوٍلاً تضييق الخناق عليه.
وبعد أن أخذت المسافة بينهما تقترب شيئاً فشيئاً حتى كادا أن يتصادما، جرى حوارٌ رياضي بينهما، بواسطة الأرجل والجسدين، أمام لهفةِ وترقُّب الحضور، لمعرفة ما سوف تُثمرُُُُّ عنه هذه المحاورة الحركية، التي أفضت في نهاية المطاف، إلى نجاح المُهاجِم ببراعةٍ، في مراوغة وتمويه المُدافِع، الذي غدا في موقف ٍ مُحرِجٍ، بعد أن مرًّر الأول الكرة بين رجليه، حتى فقد توازنه فسقط أرضاً، وقتئذ ٍ تحركت كُلُّ الرؤوس التي تحمل تلكم العيون باتجاه الحكم الصارم، لاستقراء القرار الحازم والحاسم الذي سيعتمده
في تلك اللحظة كان الحكم يحمل الصافرة بين شفتيه، وإذا به يبسط كلتا يديه في إشارة منه لاستمرارية اللعب، فليس ثمة ما يدعوه لإيقافه، واحتساب أيَّ خطأٍ على المُهاجِم، لكون سقوط المدافع، كان الدافع من ورائه، اندفاعه وسوء تقديره للأمور، فيما يبدو له، إذ ذاك صاح مناصرو الفريق (ص) صيحةً مدويَّةٍ، سُمِع دويها على بعد بضعة أميال من ميدان اللعب، من فرط إعجابهم بصنيع مُهاجِمه، ولقبوه باللاعب الماهر، في حين، أطلق مشجعو الأول زفراتٍ في لحظةٍ واحدةٍ وبشكلٍ متناغم، أنتجت زفرةً موحّدةً، مُعرِبين بها عن استيائهم من قرار الحكم، ومُعبرِين بها عن غضبهم من المدافع الأضحوكة، كما نعتوه.
كان لوقع هاتين الحركتين الصوتيتين، إلقاء الإرباك وبثُُّ الرعب في نفس حارس المرمى، الذي كان يقف بين قائميه، وعلى قدميه المرتعشتين لا حيلة له، فأضحى بعدما انفرد به المُهاجِم في وضعٍ لا يُحسد عليه، وقد استأسدت به الاحتمالات، بشأن أية زاوية من مرماه التي سيُلقي بثقل جسده إليها، فيحالفه الحظُّ، إذا كانت هي ذاتها التي وقع عليها اختيار المهاجم، ليسددَ رميته إليها، وكثيراً ما يُجانب التوفيق كلَّ من هو في مثل موقفه، غير أنّ شيئاً من هذا التكهن لم يحدُث، حيث إنّ المهاجم بعد أن خلت الساحة أمامه، كان له رأيٌ آخرٌ، خالف كُلَّ التوقعات.
اختار المهاجم أن يدور حول ذاته، بزاوية قدرها ربع دائرة، أي ما يساوي بلغة الأرقام، تسعين درجة، مُسدِداً المستديرة خارج خطوط التماس، كي يوّقف اللعب، قسراً عن أنف الحكم، الذي أعطاه أسبقية اللعب سابقاً، وقسراً عن أنوف مؤيديه، الذين وقفوا يسبقون الحدث، وينظرون إلى المرمى، حتى لا يفوتهم جمال مشهد الكرة، وهيّ تعانق الشباك، كل ذلك لا لشيء، إلا ليتيح للاعب المطروح على الأرض، والذي لم يكترث به أحدٌ، فرصةً لا تُقدر بثمن للتداوي، وتلقي العلاج، لاسيما أنه كان يسيل دماً، مُضيعاً على فريقه وجمهوره تالياً، فرصةً ثمينةً ولا تُعوَّض، لإحراز هدف التعديل.
وإزاء ما قام به، طرأت بعضُ المفارقات التي أودُّ أن أُجملها لكم.
فبُعيد توقف المباراة للحظات، هرع الطبيب لإسعاف اللاعب المُصاب، الذي تحلَّق حوله كُلُّ من هُم في الملعب، بما فيهم مراقبا الخطِّ وحكم المباراة، الذي أخذ يحتسب زمن بدل الضائع، وبعد أن أُجريت له الإسعافات الأوليِّة اللازمة، وما إن نهض، حتى تقدِّم نحوه سيد الملعب (الحكم) وأشهر البطاقة الصفراء في وجهه، عقاباً له على فعلته المُحرَّمة، لحدسه بأنه ابتغى التحايل عليه بتعرضه لإصابةٍ واهيةٍ، فكما تعلمون، بات من حقِّ الحكم مُعاقبة أيِّ لاعبٍ، بمجرد أن يحدس بما في طويته، وقبل حتى أن يهمَّ باقتراف كلِّ فعلٍ مخالفٍ للقانون، استناداً إلى القوانين التي سُنت مؤخراً بخصوص هذه اللعبة.
وفي المُقابِل، استشاط مؤيدو الفريق الثاني غضباً من مُهاجِمه الغبي، كما لقبوه، بعد أن خلعوا عنه لقبه السابق، لأنه لم يُحسن التصرف، وطفقوا يطلبون إلى المدرب إخراجه، واستبداله بآخرٍ من ضمن قائمة البُدلاء، بعد أن أُخذوا قبلاً بمهارته.
وهنا أجد أنه من الضرورة بمكان، أن أستوقفكم لحظة لأُذكّركم بأمرٍ، أنتم ولا شكّ تعرفونه، ويتمثل فيما نصطلح على تسميته، بالروح الرياضية، فهي من حملت المُهاجِم على القيام بما فعل، غير عابئٍ برأي أحدٍ، ولا حافل بأيِّ تعليق، كما لو كان، غير مُبالٍ بنتيجة اللقاء، حتى أنه لم يلقَ أية إشادةٍ ولا تثمين، حيال تصرفه النبيل، اللهم إلا من أحد لاعبي الفريق الآخر، حينما نفذ رمية الجانبية، وأعاد الكرة إليه، عرفاناً بالجميل من قِبله؛ ومن هناك، كان حملة اللافتات والطبول (جمهوره) لا يزالون يغلون غيظاً وسُخطاً، لسوء تصرفه، الذي سوف لن يُغفر له.
فانظروا معي، كم هو البون شاسع، بين الروح التي كانت تسود اللقاء، والأخرى الجالسة على الكراسي، فعلى الرغم من أنّ الأولى، كانت تسكن أجساد اللاعبين الذين يعانون شيئاً من الإجهاد العضلي، والضغط النفساني، إلا أنها كانت أكثر إيقاداً وشعوراً إنسانياً من الأخرى، التي تملأ أجساد المُستريحين على المدرجات، فالأولى لا تعرف انتهاز الفُرص الذهبية، ولا حتى الفضيَّة والبرونزية منها، كما أنها، تنأى بعيداً عن حسابات الربح والخسارة، التي يُقيم لها الجانب الآخر، شأناً عظيماً، وعلى حساب المشاعر الإنسانية.
مما جرى في هذه المباراة خرجت بسؤالٍ، وهوّ: لِم في حياتنا اليومية، كلما تجاوز أحدُهم عن حقِّه في القصاص ممّن أساء له، يُقال حينه "لقد قابله بروحٍ رياضية."؟
فهل ماتت هذه الروح في أجساد العامة، وصارت تحيا في أجساد الرياضيين وكفى؟
سأقصُّ عليكم هذه الحادثة: بكُلِّ ما أُوتي من نفسٍ طويلٍ، مُحتجَزاً داخل قفصه الصدري، أطلق شرطي المرور صافرته، إثر تصادم مركبتين آليتين، واضعاً الوزر على أحدِ السائقين، ثم جاء ليقتصَّ منه للمُتضرِّر، لكنّ الأخيرَ غضَّ النظر عن حقِّه، وحمد الله، أن خرج وإياه سالمين من هذا الحادث، أمام دهشة شهود العيان، الذين توقعوا أن يخرج إليه مُمسكاً بهراوته لينهال عليه بالضرب، فما كان منهم، إلا أن صرًّحوا قائلين "إنّ الروح الرياضية، هي من حسمت الموقف."
وهذه هي المُفارقة الكُبرى، بيد أنهم، نسبوا هذه الروح التي سادت الموقف إلى الروح الرياضية، في الوقت الذي هي فيه، روحٌ اجتماعية، الأحرى بنا، أن نتحلَّى بها في المحافل الرياضية والاجتماعية ككل. زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com