مفارقات إسلاميّة وعربية، حول الانتخابات الأميركيّة!

أميركا (وربّما الغرب عموماً) مثل السمك عند العربي، مأكول مذموم!

لا أحد يستطيع أن يحيا دون المنتجات الأميركيّة ومساعداتها للجميع.

بدءًا من بنطال الجينز ومروراً بالسلاح الأميركي وإنتهاءً بالكومبيوتر الذي بين أيدينا وفضاء النت الذي وفرتهُ المواقع الأميركيّة لجميع البشر بلا تفرقة مذكورة رغم علمهم بالإستخدام السلبي السيّئ من ذوي النفوس الشريرة، وصعاليك السياسة والكتابة.

وبالعراقي "خُلف الله" على أميركا التي يسرّت لطالبي الشهرة (ولو بفضيحة)، ليصبحوا كتاباً أو أشباه كُتّاب.

حتى المشايخ (الطيبين أوي)، وهم أكثر اللاعنين لها بعد اليساريين التقدميين اللاجئين إليها كأمٍ حنون تنقذهم من قهرهم الذي لاقوه في بلادهم الاصليّة.

حتى هؤلاء، يأكلون ويلبسون ويركبون "أشياء" أميركيّة بإمتياز.

فما سرّ هذهِ المفارقة الأولى العجيبة؟ التي صارت حالة طبيعيّة جداً.

لاحظوا معي، حتى ثوّار الربيع العربي (وتذكروا الحالة الليبية بالأمس والحالة السورية اليوم)، يلعنون أميركا ويعتبرونها الشيطان الأكبر والمُخطّط المسيطر على العالم.

وجلّ اللهُ في عُلاه، مَن غير أميركا سيُسقط نظام بشار الأسد لو شاءت أقدارها هي، وليس غيرها؟

ونسي أغلب أعضاء المجلس الوطني السوري (ربّما يسميه البعض مجلس إسطنبول)،أنّهم رفضوا علناً في بداية الثورة السورية أيّ تدخل غربي، وخصوصاً أميركي.

وعندما إنشغلوا بتقاسم المساعدات الغربية والخليجيّة (كصورة مُكرّرة لما حصلَ مع المعارضة العراقيّة ضدّ صدام قبل عقد من الزمان)، صحوا فجأةً على هدير المدافع وضجيج "براميل" القنابل الأسدية على شعبهم المسكين.

فماذا يفعلون؟ سوى أن يلعنوا أميركا والغرب الذي لم يُحرّك ساكناً على حدِّ قولهم.

طيّب هل نسيتم الموقف (الفيتو) الروسي والصيني؟

وهل نسيتم إيران ونصر الله ومقتدى الصدر وباقي أنواع الشبيحة؟

***

تعددّت الأسباب والعدو واحد!

في إستفتاء أجراه موقع البي بي سي قبل شهر تقريباً حول مَن تعتقد أنّهُ العدو الأوّل للعرب والمسلمين في هذا العالم؟

جاءت غالبية الإجابات كما هو متوقع: إسرائيل وأميركا.

كان الخيار قبل الأخير حسبما أتذكر: العرب أنفسهم.

ولكم أن تتخيلوا إجابتي الشخصيّة.

نعم الجاهل عدو نفسهِ أولاً، وعدو مُحيطهِ والناس ثانياً، وعدو الحياة والمحبّة والسلام أخيراً.

على كلٍ، قد يتفهّم المرء تلك العداوة والكراهيّة في نفوس العامة التي زرعها الحكام الطغاة والمشايخ البغاة لترويج بضاعتهم.

لكن ما لا نفهمهُ بيُسر، استقتال الكثير من الناس، ربّما الى حدّ المجازفة أو التضحيّة بالنفس، للوصول الى البّر الأميركي أو الغربي.

وما أن يستقروا هناك ويحصلوا على وطن يوّفر لهم الحريّة والكرامة المفقودة في أوطانهم، حتى ينهالوا لاعنين مُعادين لكل قيم الغرب ومبادئهِ في الحريّة والديمقراطيّة والمساواة.

فأيّ مفارقة أعجب من هذهِ الثانية؟

***

الانتخابات الرئاسية الأميركية

بين أوباما ورومني، سأتقمّص الأدوار؛ أدوار شعبية وحزبية ورسمية عربية وإسلاميّة.

مواقفهم من شخص الرئيس الاميركي القادم، وبرامجهِ وسياساتهِ التي يتبناها.

أعني مَنْ هو الرئيس الأميركي المُفضّل، عند العربي أو المسلم، في هذا القطر أو ذاك؟

وفي حالة إعتراضكم بالقول "كلاهما شرٌّ مستطير"، سأضطر عندها لتغيير سؤالي الى "حسناً، أيّهما أهون الشرّين؟"

لأنّهُ عاجلاً أو آجلاً علينا أن نتعلم الإستفادة والتفاهم، من ومع الخصوم.

بل حتى مع الأعداء!

لأنّ العداوة والكراهيّة مهما إستمرّت، لا تبني أوطانا ولا إنسانا.

وصدّقوا أو لا تُصدّقوا، فالأميركان والغربيون لا يعتبروننا أعداء.

إنّهم يُرحبون بالمهاجرين المُسلمين إليهم بالملايين سنوياً. ما يعني أنّهم يفرقون بين البشر المُضطهد من جهة والحاكم أو رجل الدين الفاسد من جهة ثانية.

***

عناوين الإنتخابات الأميركية

في الأيام السابقة، قرأنا العناوين التالية، حول الإنتخابات الرئاسية الأميركية بين الرئيس الحالي (المُنتهيّة ولايتهِ) باراك أوباما، والمُرشح الجمهوري حاكم ولاية ماساشوستس ميت رومني.

عنوان 1

رومني يتقدّم على أوباما بعد المناظرة الأولى بينهم التي تناولت الموضوع الإقتصادي ومشاكلهِ.

عنوان 2

أوباما يستعيد زخمه في السباق الرئاسي بعد أداء هجومي في مناظرته الثانية مع خصمه الجمهوري ميت رومني.

(تبادل المرشحان الإتهامات حول قضايا داخلية، مثل الضرائب والعمالة ومصادر الطاقة، وأجابوا على أسئلة 80 شخصا من الذين لم يحسموا أمرهم في شخص الرئيس المُنتخب).

عنوان 3

تساوي النسب بين أوباما ورومني قُبيلَ المناظرة الثالثة بينهما.

عنوان 4

البيسبول تفوق مناظرة أوباما ورومني الأخيرة، وتراجع في عدد الأميركيين المهتمين "بالسياسة الخارجيّة" كما هو متوقع.

عنوان 5

أوباما يُهاجم خيارات رومني الخارجيّة، ويتفوق عليه في المناظرة الأخيرة.

ملاحظة / أغلب هذه العناوين نقلتها عن السكاي نيوز العربية، وهي تعطي فكرة عامة للقارئ، عن سير حملة الإنتخابات الاميركية التي يتقارب فيها المرشحان، كثيراً.

***

والآن سأضع نفسي مكان الطرف الآخر (المواطن العربي أو المسلم) لأستشعر طريقتهِ في التفكير، وأين تكمن مصلحتهِ.

أولاً: كـ سوري

http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2012/10/121022_syria_obama_romney_debate.shtml

في الرابط أعلاه من الـ BBC ستجدون الخبر التالي:

أوباما يرفض ورومني يؤيد، تزويد المعارضة السورية بالسلاح لإسقاط الأسد!

وفي متن الخبر ستقرأؤن ما يلي:

{.. وقال أوباما "ما لا يمكننا القيام به هو أن نُلمح مثلما فعل الحاكم رومني في بعض الأحيان، الى أنّ إمداد المعارضة السورية بأسلحة ثقيلة على سبيل المثال، هو إقتراح قد يجعلنا أكثر أمانا على المدى البعيد" } إنتهى

أعلم أن خشية أوباما وإدارتهِ من السلاح الثقيل هي وقوعهِ لاحقاً بأيدي معادية لأميركا واصدقائها في المنطقة.

لكن عزيزي القارئ لو كنتَ واحداً من أبناء الشعب السوري البطل، الثائر على الطاغوت البعثي الأسدي، وخيّروكَ بين الرجلين، ماذا ستختار؟

وهل يكفي قول أوباما "إنّ أيام الأسد قد ولّت" ليتوقف نزيف الشعب السوري؟

لاحظوا أنّ بعض زعماء المعارضة السوريين يعتبرون قول أوباما للأسد عن "كون الأسلحة الكيمياوية خط أحمر"، قد يعني إطلاق يدهِ في باقي الأسلحة الفتاكة بالشعب السوري.

ولاحظوا أنّ ميت رومني يُعلن جهاراً، ضرورة تزويد الثوّار بالسلاح للتسريع في نهاية الأسد ونظامهِ.

****

ثانياً: كـ إخوان مُسلمين

إدارة أوباما تتعاون سراً وعلناً مع الإخوان المسلمين في بلدان الربيع العربي، من تونس الى ليبيا الى مصر.

والغالبية متفقة تقريباً (خصوصاً الليبراليين المصريين) على برغماتية بل نفاق الإخوان في هذا المجال رغم شعاراتهم المنتفخة الملتهبة غالباً.

أمّا بالنسبة لحادث الهجوم الإرهابي على القنصليّة الأميركية في بنغازي - ليبيا، في 11 سبتمبر الماضي. فقال أوباما أنّ إدارتهِ مازالت في طور جمع الأدلّة، ولم يكن بوسعهِ أن يُقدّم أكثر من وعد بتعزيز الأمن خارج أراضي الولايات المتحدة.

أمّا بالنسبة لقضيّة غوانتينامو، فقد أعرب أوباما في أكثر من مناسبة عن أمله في غلق سجن قاعدة غوانتانامو البحرية في كوبا.

وكان ذلك وعداً في فترة رئاستهِ الأولى، تعرض جرّاء عدم تنفيذه للنقد رغم المصاعب التي واجهتهُ من الكونغرس.

فبأي رئيس أفضل من أوباما يحلم الإسلاميّون عموماً؟

بالتأكيد سيكون ميت رومني (عندهم) شيطانا مقارنةً بأوباما، أليس كذلك؟

بينما رومني قالَ علناً في مناظرتهِ الأخيرة: علينا التصدي للتطرف الإسلامي.وعلى العالم الإسلامي نفسهُ أن يرفض التطرّف!

ماذا يعني ذلك لكم؟

لاحظوا طريقة ميت رومني: من جهة يؤيّد تزويد المعارضة السورية بالسلاح، لكن من جهة اخرى لا يتساهل مع الإسلام السياسي.

***

ثالثاً: كـ إيراني

ماذا نتوقع كموقف من الشعب الإيراني المغلوب على أمرهِ وتحت سلطة الملالي الظلاميّة الغاشمة.

ماذا فعل أوباما وإدارتهِ مع الإحتجاجات الشعبية المليونيّة الإيرانية أعقاب الإنتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2009، وسادها التزوير بشكلٍ صارخ. وسُميّت الإحتجاجات يومها بالثورة الخضراء.

هل وقفَ أوباما وإدارتهِ، الى جانب الشعب الإيراني؟

وحتى بالنسبة للموضوع النووي، ماذا فعلَ أكثر من العقوبات الإقتصادية؟ وهي معروفة للجميع تؤثر في الشعب ولا تؤثر في الحاكم.

ثمّ لاحظوا الخبر التالي بشأن كلام أوباما الأخير.

{قالت وكالة الجمهورية الاسلامية الايرانية يوم الخميس إن الزعيم الايراني الاعلى اية الله علي خامنئي رحب بتصريحات للرئيس الاميركي باراك أوباما بشأن الحد من الحديث عن عمليات عسكرية ضد ايران بسبب برنامجها النووي.

ونقلت الوكالة عن خامنئي قوله "سمعنا قبل يومين ان الرئيس الاميركي قال انّهم لا يفكرون في الحرب مع ايران. هذه الكلمات طيبة وهي خروج من إطار الوهم"} إنتهى

http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2012/03/120308_iran_us_khamenei.shtml

حسناً، هل يحلم حُكّام وملالي إيران برئيس أميركي أضعف من أوباما؟

***

الخلاصة

وددتُ هنا وبمناسبة الإنتخابات الرئاسية الأميركية، جلب الإنتباه الى ضرورة التعامل مع الواقع والإستفادة حتى من الخصوم والأعداء لصالح تحسين أحوالنا البائسة.

ليس بالطبع على حساب الكرامة والمبادئ الإنسانية المقبولة.

لكن كما يقول المثل وصديقنا يعقوب إبراهامي إذا لم تستطع التغلّب عليهم، فإنضّم إليهم!

المفارقة الأغرب في ظنّي أنّ الذي إنضّم ولجأ إليهم لينقذوه، قامَ سريعاً ليلعنهم رغم كلّ ما حصلَ عليه البعض.

أما موقفي الشخصي الإنساني أولاً، وكعضو في الحزب الإشتراكي الديمقراطي السويدي ثانياً، فأنا أميل الى باراك أوباما الديمقراطي، وليس لميت رومني الجمهوري.

أوباما ضد الحروب ومع تنشيط الإقتصاد وزيادة فرص العمل وتقليل الفجوة بين الاغنياء والفقراء، عن طريق زيادة الضرائب على الأغنياء. (طبعاً فقراء أميركا ليسوا فقراء بمعنى كلمتنا العربية.)

ومأخذي الوحيد عليهِ، أنّ إدارتهِ تتصرف بضعف واضح تجاه الأشرار في العالم، أليس كذلك؟

لكن ميت رومني كباقي الرؤوساء الجمهوريين.

هو حاسم في المواضيع الخارجية. فلو وصلَ الحكم فسوف يعمل على إسقاط الأسد أولاً، كما فعلَ آخر الرؤساء الجمهوريين مع طاغية العراق البائد.

ولن يتهاون مع الإخوان المسلمين في بلدان الربيع العربي عندما يغتالون الديمقراطيّة (والسفير في ليبيا) التي أوصلتهم الى الحكم.

الخدمة العالمية للـ BBC قامت بإستفتاء عالمي (في 17 دولة) حول الرئيس القادم لأميركا.

الغالبية من الناس في جميع الدول (ما عدا واحدة) قالوا: نُفضّل باراك أوباما.

دولة واحدة شعبها لا يُريده هي باكستان!

وهي دولة إسلامية بإمتياز، والسبب غالباً قضية مقتل بن لادن.

وأنا بلا فذلكة وحذلقة وبعيداً عن الديماغوجية،أسألكم مباشرةً: مَن ستختارون أنتم، لو كان ذلك ممكناً ومفيداً في تغيير العالم؟

حيرة أليس كذلك؟

أنا أقول، لكل إنسان طريقة تفكيره، وعلينا إحترام الرأي الآخر.

لكن ما قيمة كتاباتنا إذا لم نحاول أقلّهُ تذكير وتوجيه الناس نحو الأفضل؟

لماذا أكتب؟ يقول ميخائيل نعيمة، ثمّ يُجيب:

لترى نفسكَ فيّ وأرى نفسي فيك!

رعد الحافظ