مفاجأة التقاعد تزج بحكومة المغرب في قلب عاصفة نقابية

مراقبون: أين القرار من التوجيهات الملكية؟

دشن رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران الموسم السياسي لهذه السنة بقرار اعتبره الكثير من المراقبين "انقلابا" على النقابات، وذلك عندما أعلنت حكومته رفع سن الإحالة على التقاعد في الوظيفة العمومية إلى 62 سنة ابتداء من اول يوليو/تموز 2015، بدلا من عمر الـ60 المعمول به حاليا، على أن يُرفع هذا السن تدريجيا بـ6 أشهر كل سنة ابتداء من 2016، ليبلغ 65 سنة في 2021.

خطة أرتأتها حكومة بنكيران ضرورية لإصلاح أنظمة التقاعد مع وجوب "مراجعة النسبة السنوية لاحتساب المعاش من 2,5 إلى 2% فيما يخص الحقوق المكتسبة ابتداء من تاريخ الإصلاح مع الحفاظ على نسبة 2,5٪ بالنسبة لجميع الحقوق المكتسبة حتى تاريخ الإصلاح".

وفي بيان صادر عن المركزيات الثلاث الكبرى بالمغرب، الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والفدرالية الديمقراطية للشغل، قالت فيه بأنها "تفاجأت" للسرعة التي أقدمت بها الحكومة على إصدار مرسوم قانون قالت بأنه "يقضي ـ بطريقة ملتوية وتحايلية ـ برفع سن التقاعد بالنسبة للموظفين الخاضعين للنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية".

وحسب نفس البيان فإن القرار هو "خطوة استفزازية غير مسبوقة للحكومة وتحد سافر لكل الأعراف والقوانين والمؤسسات، في الوقت الذي كانت المركزيات النقابية الثلاث تنتظر تجاوب الحكومة مع المذكرة المشتركة التي رفعتها لرئاسة الحكومة بتاريخ 16 يوليو/تموز 2014، وفتح مفاوضات جماعية جادة ومسؤولة حول المطالب الملحة للطبقة العاملة المغربية".

قرار الحكومة اعتبرته النقابات يتسم "بالانفرادية الجائرة التي تضرب في العمق المكتسبات الاجتماعية وتهدد الاستقرار والتماسك الاجتماعي".

وللعلم فإن مرسوم القرار الصادر عن الحكومة، صدر بالجريدة الرسمية في أول سبتمبر/ايلول، ويقول بـ"أجرأة وتقنين قرار التمديد الإجباري لعمل الأساتذة الباحثين والموظفين الخاضعين للنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية إلى غاية متم (نهاية) السنة الدراسية أو الجامعية رغم بلوغهم حد سن التقاعد"، وهو القرار الذي رفضته النقابات "مبدئيا وتفصيليا"، ودعت الحكومة إلى إلغائه فورا.

في المقابل صرح وزر الوظيفة العمومية محمد مبديع أن هذا الإجراء يهدف الى "تفادي الارتباك الذي قد ينتج عن مغادرة هؤلاء الموظفين المتقاعدين لعملهم وسط السنة الدراسية والجامعية" مضيفا أن الأشخاص المعنيين بهذا الإجراء "سيحتفظون بجميع حقوقهم خاصة ما يتعلق بالترقية والتغطية الصحية". وأضاف موضحا أنه في السابق "كانت الإدارة تعتمد آليات لحل هذه الإشكالية مثلا عبر التعاقد أو التوظيف المباشر لأصحاب الشهادات العليا إلا أن هذه الإمكانيات لم تعد متاحة اليوم".

وحسب البلاغ الصادر عن النقابات الثلاث الكبرى، فقد أرجعت المركزيات قرار الحكومة الأخير إلى ما سمته "بالمقاربة الحكومية الأحادية في التعاطي مع الملفات الاجتماعية من خلال تجميد المفاوضات الجماعية وتهريب النقاش حول هذه الملفات إلى مؤسسات ذات طابع استشاري"، وذلك نظرا الى ان حكومة بنكيران أحالت ملف إصلاح أنظمة التقاعد على المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي.

وقال الكاتب العام الوطني للفيدرالية الديمقراطية للشغل عبد الرحمن العزوزي بهذا الخصوص أن "المجلس الاقتصادي والاجتماعي لا ينوب عن النقابات". وأضاف موضحا "ليس من الصواب أن تقصي الحكومة النقابات على مشارف دورة سبتمبر (أيلول) من الحوار الاجتماعي المفروض أن يكون بين الحكومة والنقابات حول ملف التقاعد".

وطالبت النقابات الثلاث الكبرى، الحكومة حسب البيان الذي أصدرته بعد اجتماعها يوم الأربعاء الماضي، "بالعودة إلى جادة الصواب والتراجع عن قراراتها اللاشعبية باستهدافها المرفق العام وضرب القدرة الشرائية، والإجهاز على الحقوق والحريات النقابية".

وقد استنكرت النقابات ما اعتبرته "إصرار الحكومة على تجميد المفاوضات الجماعية والإجهاز على المكتسبات".

واعتبر الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في بيان، أن هذا المرسوم الحكومي بالتمديد "القهري والقسري" لمدة العمل القانونية المخولة للإحالة على التقاعد المتعلق بالموظفين الخاضعين للنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية. يعتبر "تحديا سافرا للمطالب والقضايا والحقوق الاساسية للشغيلة المغربية".

واعتبر البلاغ الصادر الخميس 4 سبتمبر، أن مثل هذه "الإجراءات الحكومية وحيدة الرأي والاتجاه المنذرة بالمزيد من صناعة بؤر التوتر الاجتماعي". وقد اعلنت اللجنة الادارية للمركزية النقابة، رفضها التام والمطلق لما أجرأته الحكومة في موضوع الزيادة والتمرير بواسطة مرسوم قانون.

واضاف البيان الذي جاء بموازاة مع ما اصدرته النقابات الاخرى المتحالفة، أن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب "يذكر الحكومة بان الحوار والتشاور حول المطالب، كل المطالب والقضايا المتعلقة بالشغل والشغالين والاستجابة لها امر لا يمكن القفز عليه او تجاوزه او تغييبه او التحايل عليه بأي اسلوب من الاساليب".

وأكد البيان أن الحكومة مطالبة "بتطبيق مقتضيات الحوار الاجتماعي وإفعاله في روح المأسسة الواجبة والضرورية وفق تنصيص الدستور واعتبارا ساميا مقدرا للقيمة التي اولاها صاحب الجلالة نصره الله للنقابة والعمل النقابي الجاد في خطابه الاخير".

في سياق متصل صرح لميدل ايست اونلاين محمد العربي القباج الكاتب الوطني للعلاقات الخارجية، وعضو المكتب التنفيذي بالمركزية النقابية، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، حول قرار رئيس الحكومة عبدالاله بنكيران، قائلا انه "من المؤسف في الوقت الذي كان الكل ينتظر من رئيس الحكومة ان يفتح حوارا مع المركزيات النقابية لأجل دراسة عدد من الملفات المطلبية، والى التجاوب مع المذكرات التي قدمناها للسيد عبد الاله بنكيران فيما يخص سن التقاعد، تفاجأنا برئيس الحكومة يوقع على مرسوم قانون نعتبره جائرا تجاه رجال التعليم".

وحول قراءة نقابته لقرار رئيس الحكومة برفع سن التقاعد بالمغرب، قال العربي القباج ان "هذا المرسوم قرار أحادي منفرد لم يأخذ فيه بنكيران برأي النقابات ولم يستمع لمقترحاتنا. حيث جاء بقرار نعتبره تعسفيا، ولا يحترم شروط التعامل بين الفرقاء الاجتماعيين".

وأضاف العربي القباج "كون رئيس الحكومة يسمح لنفسه بالاحتفاظ برجال التعليم الذين سيحالون على التعاقد قبل شهر يونيو/حزيران. ونعتبر انه برفضه إعطاءهم تقاعدهم وقرر الاحتفاظ بهم إلى نهاية السنة فهذا غير مقبول ومرفوض".

وحول المعنى من هكذا قرار والجدوى منه، أضاف عضو المكتب التنفيدي، "بطبيعة الحال هذا يدخل ضمن قرارات الحكومة غير المجدية. فمن المنظور المالي، الحكومة في هذا الإطار ستخسر، لان الأستاذة الذين سيتقاعدون في أكتوبر ونحتفظ بهم إلى يونيو، سوف تخسر الدولة ستة أشهر إضافية".

وقال مؤكدا أن "الحكومة تتذرع بأنها تحتفظ برجال التعليم حتى لا تبقى الأقسام فارغة، لكن هناك أساتذة ومعلمين عرضيين يسدون فراغ الأساتذة الذين يتقاعدون او المرضى. في هذا الإطار الدولة ستربح ثلثين من رجال التعليم في حالة توظيف الأساتذة العرضيين".

وعن تداعيات مثل هذا القرار على الجسم التعليمي بالمغرب، صرح العربي القباج أن "هذا القرار غير مبني على أي منطق، ترفضه القاعدة التعليمية كلها، وأن هذه السنة سوف تكون سنة عدم رضا وعام سخط بامتياز".

واسترسل الكاتب الوطني للعلاقات الخارجية بالاتحاد العام للشغالين بالمغرب منتقدا قرار عبد الإله بن كيران بأنه "في الوقت الذي كان خطاب الملك محمد السادس بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، عندما أشاد برجل التعليم ويدعو إلى الاهتمام بهم ومشاكلهم، نلاحظ أن رئيس الحكومة يذهب في الاتجاه المعاكس".