مغربي يحول إعاقته لحافز غيّر حياته وحياة آخرين

العمل التطوعي لم يفارقه

الدار البيضاء (المغرب) - أصيب المغربي محمد الخضري بشلل الأطفال في الثانية من عمره ما اضطره إلى التحرك عبر آلة طبية للمشي، لكن بالعزيمة بات واحدا ممن يخففون الآلام عن ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولد محمد سنة 1967 سليما معافى ثم أصيب بشلل الأطفال ولم تنجح التدخلات الطبية خلال سنوات لاحقة في شفائه منه.

هكذا وجد الطفل المغربي نفسه قبل السابعة من عمره يستعمل آلة للمشي لا يمكنه التحرك من دونها.

معاناة وفرص

يتذكر محمد (50 عاما)، مقيم في مدينة الدار البيضاء (شمال)، كيف كان يذهب رفقة والديه إل المستشفى العمومي لأخذ القياسات وتعديل آلة المشي وتغييرها.

وقال: "كانت الحاجة تدفعني إلى التفكير والحلم أن أصبح صانعا لهذه الآلات، لتخفيف معاناة الأطفال وأمهاتهم.. كنت أدعو الله أن أكبر وأصنع مثل هذه الآلات".

لذلك تابع محمد تعليمه في مركز خاص بالمعاقين، تشرف عليه جمعية "العصبة الإنكليزية للمعاقين" (غير حكومية).

وتصادف تعليمه مع فرصة من الجمعية تعرض فيها على روادها تعليما مهنيا في صناعة الآلات، لينخرط فيها دون تردد، تاركا وراءه استكمال مساره بعد الباكالوريا (الثانوية العامة).

وكأنه يعيش ذلك اليوم مرى أخرى قال محمد بفرحة كبيرة: "جائتني فرصة التكوين (التعليم) والفرصة لا تتكرر.. كيف لا (اغتنمها) وباب حلمي قد انفتح وما علي سوى الولوج".

كان دائم البحث في مجال صنع آلات المشي، لذلك يعتبر أن "الأمر لا يتطلب تكنولوجيا عالية جدا، لكن يحتاج صبرا وإتقانا".

هكذا تعلم محمد بفضل حبه وتفانيه وطور خبرته، ثم سافر إلى فرنسا ليطور مهاراته أكثر.

وساعدته جميعة دولية مهتمة بالمعاقين على تحصيل تعليم نظري خارج المغرب مكمل لما يقوم به.

من ورشة إلى شركة

بدأ محمد عمله في ورشة صغيرة بمحل لأبيه، لكن سرعان ما اشترك مع زميل له في شركة صغيرة.

"محمد لا يعرف كلمة لا أستطيع".. هكذا وصفته مريم أبوري، وهي إعلامية من ذوي الاحتياجات الخاصة تقيم في فرنسا ولازالت تحتفظ بآلة مشي صنعها محمد لها.

واضافت مريم "منذ سنوات ركنت الآلة الفرنسية في الدولاب ولا زلت أستعمل آلة محمد، وبدون مبالغة فالعديد من الأصدقاء الذين هاجروا إلى أوروبا وأميركا لم يفرطوا مثلي في استعمال آلات من صنعه".

ولم يبعده اشتغاله في الشركة عن مسؤوليته الاجتماعية، فهو دوما على لاستعداد لإيجاد حلول تسهل حياة شخص في وضعية إعاقة.

وقالت مريم إن "ما يميز محمد أنه خلال مسيرته لم يتخل عن العمل التطوعي والخيري والاجتماعي تجاه الأشخاص في وضعية إعاقة، والذين ينتمي جلهم إلى الطبقة الفقيرة".

وأردفت "كان ينتقل إلى بيوتهم وإن كانت في مدن بعيدة لأخذ مقاييس الآلات ويوصلها إليهم كي لا يضطروا إلى التنقل".

ثقة بالنفس

واليوم يشتغل محمد مع مؤسسة التعاون الوطني (مؤسسة عامة مكلفة بذوي الاحتياجات الخاصة) بعد أن أصبح بإمكانه صنع آلة مشي كاملة مغربية مئة بالمئة.

وعن عمله قال "أنتقل عند المستفيدين، وآخذ المقاسات، واستثمر كل ما تعلمته لتقديم خدمة جيدة ولائقة".

ولفت إلى أن استعماله لآلة المشي جعله يقدر قيمتها في تعزيز الثقة بالنفس والاعتماد عليها، كما أن حساسيته تجعله يفهم المريض وحاجته.

وتابع: "السر يكمن في كوني معاقا وأستعمل آلة ويمكنني أن أحس بحاجة الفرد أولا.. عندما يشرح موضع الألم أحسه، أحاول في كل مرة أن أفهم المريض، وأكيف الآلة لتكون أكثر راحة له".

ولادة جديدة

يفتخر محمد بالكثير من الانجازات ولحظات السرور التي أدخلها على كثيرين.

واحدة من تلك اللحظات التي يتذكرها هي قصة سيدة من ذوي الاحتياجات الخاصة جاءت إليه من مدينة أكادير (جنوب).

كانت رجلاها مبتورتين، وتستعمل كرسيا متحركا.

تأثر محمد بوضعها، خاصة وأن لها طفلا لا تستطيع العناية به، فصنع لها خلال يومين ساقين اصطناعيتين.

وعن هذه السيد قال محمد "حالتها أثرت في بشدة.. وتأثرت أكثر حين جربت ساقيها الاصطناعيتين وبدأت تمشي بهما، كانت حكاية وقوفها حكاية ولادة جديدة".

وبتفاؤل الناجحين ختم محمد حديثه بتوجيه نصحية إلى الآباء "لا تقفلوا على أبنائكم الأبواب، اخرجوا وابحثوا عن المعلومة، توجد خدمات للمساعدة، لا تيأسوا، توجد حالات تتكفل بها الدولة، وتوجد آلات مشي تجعل الناس يقبلون على الحياة وتمكنهم من الانخراط والاندماج".