مع هيكل في أيام يوليو: الملك المقامر والضابط الثائر

تقدم لنا حلقات "أيام يوليو" للأستاذ محمد حسنين هيكل بفضائية الجزيرة قطعة حية تنبض بإحدى أهم فترات التاريخ المصري – والعربي – المعاصر، فترة قيام الضباط الأحرار بـ "الحركة المباركة" كما سميت والتي عرفت فيما بعد بثورة يوليو أو الثورة المصرية، ولا شك أن فضائية “ الجزيرة “ قد أحرزت بهذا التسجيل المثير غير المسبوق لأدق أسرار الثورة المصرية من واقع وثائق وجرائد تنطق بما حدث ومعاينات لشخصيات رحل بعضها وما زال بعضها حياً يرزق قد احرزت سبقاً إعلامياً وتاريخياً هائلاً بعد أكثر من نصف قرن من أحداث يوليو المثيرة.
إنني كمثقف مصري عربي الثقافة والتاريخ أجد نفسي أجلس مسمراً مشدوداً كل أسبوع لأتابع أستاذنا هيكل يزيل أمام أعيننا الستائر ويحلل الأحداث ويقدم وثائق الوقائع فإذا بالتاريخ ينفض عن جسده غبار السنوات وينتفض قائماً ليسير ويتحرك ويتكلم ويتألم ويبكى ويندهش وينفعل أمامنا كأنه يحدث في التو واللحظة. وذلك بفضل الأسلوب التلقائي الحميم الذي اتبعه هيكل في تقديم الحدث والذي وظف فيه ثلاثة مصادر أساسية، هي الجرائد اليومية الرئيسية الثلاثة التي كانت تصدر في مصر وقتها وهى الأهرام والأخبار والمصري، ثم الوثائق الرسمية البريطانية والأمريكية والمصرية سواء كانت برقيات أو مراسلات أو وقائع جلسات أو أوراق رسمية أو مذكرات، ثم يمنح هذا كله حيوية إنسانية حميمة حين يضخ فيها وحولها كلها مشاهداته وذكرياته وتجربته الشخصية سواء في معايشته لهذه الأحداث في وقتها ساعة بساعة بل دقيقة بدقيقة -يقول لنا مثلاً أنه وصل إلى منزل اللواء محمد نجيب في الساعة كذا مساء يوم كذا، ثم يستدرك مباشرة قائلاً.. لأ الساعة كانت كذا إلا عشر دقائق!! أو في إدراكه للإحداث التي لم يعايشها عن طريق الاستفسار عنها من شخصيات يقابلها بعد ذلك وكانت معايشة لها. والمثال المدهش لذلك هو ما رواه مؤخراً من أنه عندما قابل زعيم الوفد فؤاد سراج الدين باشا في السجن حينما سجنهما السادات مع حوالى خمسمائة من الكتاب ورجال السياسة ورجال الدين قبل شهر واحد من اغتياله استفسر عن إحداث بدت غامضة له قبل وبعد قيام ثورة يوليو مباشرة.. أى قبل حوالى ثلاثين عاماً من وقت المقابلة في السجن. فالرجل إذن هو موسوعة معلومات تاريخية سياسية وثقافية متنقلة ودائمة التجدد تبحث في كل لحظة عما تستكمل به ما نقص من معلومات وتفسيرات في صفحاتها الهائلة الضخامة.
والذي يمنح كل هذا قدراً فريداً من الأهمية مقارنة بأية كتب أو مقالات أو مقابلات تليفزيونية أخرى هو عدد من الخصائص التي ينفرد بها هيكل عن بقية الكتاب والمحللين والصحافيين والسياسيين العرب بحيث يمكن أن نقول أنه نسيج وحده لا يشبه ولا يشبهه صحافي أو مثقف عربي أخر في نصف الفرن الأخيرة.. هذه الخصائص هي: ذاكرة فوتوغرافية لا شك أن قدرة الأستاذ هيكل على تذكر الأحداث بتفاصيلها الدقيقة بالتاريخ والساعة والموقع هي قدرة مدهشة حقاً فهو يتذكر مثلاً ماذا كان يرتدى اللواء محمد نجيب عندما زاره هيكل في بيته ليلة الثورة، وماذا قال له، ومن كلمه تليفونياً وكم مرة، ثم نوع السيارة التي استقلها محمد نجيب متحركاً نحو مكان لقاء الضباط الأحرار. وفى أي شارع كان اللقاء في محطة بنزين هي الآن الموقع الفلاني، وهذه كلها أحداث وقعت منذ أكثر من نصف قرن! هذه القدرة الفائقة على اختزان التفاصيل عن الشخصيات والأماكن ودقائق حدوثها تمنح شهادته مصداقية كبيرة وتمنحنا نحن فرصة نادرة لمشاهدة الحدث عن قرب شديد وبصورة مجسمة أقرب ما تكون من المعايشة الحقيقية له. غريزة صحافية يملك الأستاذ هيكل غريزة صحافية مرهفة فهو شديد الفضول ليس لمعرفة ما يحدث فقط ولكن الأهم معرفة لماذا يحدث فتفسير الأحداث هو همه الدائم وهاجسه الوجودي الأساسي، وتمكنه غريزته الصحافية المرهفة هذه من اشتمام الأحداث قبل وقوعها والتحرك للتواجد في الأماكن التي ستقع بها. فتدفعه غريزته الصحافية إلى زيارة محمد نجيب في بيته ليلة تحرك الضباط الأحرار في الساعة التي كان فيها نجيب ينتظر أن يبلغه الضباط بأنه قد تم لهم الاستيلاء على مركز قيادة الجيش لكى يذهب إليهم، وهكذا نجد هذا الصحافي الشاب يتواجد في اللحظة والمكان الذي يتواجد به من سيصبح بعد يوم أو أكثر بقليل القائد المعلن للحركة المباركة، ثم يصبح أول رئيس لجمهورية مصر في التاريخ. ثقافة موسوعية قليل هم الكتاب الذين يتحدثون إليك في السياسة بنفس المقدرة والحماس والحساسية التي يتحدثون بها في الثقافة، وفى التاريخ وفى الجغرافيا وفي الشعر والأدب والرواية والمسرح، وقليلون من يمكنهم التنقل بين هذه كلها بخفة ورشاقة كما يفعل هيكل، الذي يفاجئنا في وسط حديثه السياسي بأبيات من الشعر العربي يحفظها عن ظهر قلب، أو بوصف لمسرحية لبرنارد شو، أو بكلمة مأثورة قالها تشرشل أو ديجول أو بمقال كتبه كاتب مصري أو مفكر عربي، أو بإشارة إلى رواية لنجيب محفوظ، أو حوار مع توفيق الحكيم. وتقوم هذه الثقافة الموسوعية بتعميق فهم هيكل للحدث السياسي ولدوافعه الإنسانية وهو همه الأول. شخصية جذابة تمنحنا أحايث هيكل بأسلوبها الحالي فرصة الاقتراب منه بشكل إنساني حميم لأنه يتحدث بشكل مطول بتلقائية لابد أن تظهر من خلالها ملامح خصاله الشخصية، وقد لفت نظري في هيكل شيء لا تجده بكثرة في المشاهير في العالم العربي وهو أدبه الجمّ، فالرجل الذي حقق مكانة فريدة بين الكتاب والصحافيين والسياسيين العرب هي بالتأكيد مكانة عالمية وعلى أعلى المستويات أى على مستوى المعرفة الشخصية والصداقة لعدد كبير من زعماء العالم في المجالات السياسية والعسكرية والصحافية والفكرية، هذا الرجل تجده لا يتحدث عن أشخاص آخرين إلا بأدب ولياقة واحترام يثير الدهشة حقاً فهو يذكر رئيسه في العمل في جريدة الإجيبشيان جازيت في مطلع شبابه بالكثير من الاحترام وكأن الرجل ماثلاً أمامه، وكأنه شخصياً لم يتجاوز بتاريخه وإنجازاته الشاهقة إنجازات ومكانة رئيسه هذا الذي لا يعرفه أحد اليوم. وتلاحظ أنه كثيراً ما يذكر اسماء الشخصيات المصرية التي يتحدث عنها بألقابها مثل باشا وبك، أو الأستاذ، وتلاحظ أن لديه حرجاً شديداً عندما يضطر إلى الحديث عن بعض الأحداث المشينة لأصحابها فتجده يكاد يعتذر لهم وعنهم، هذا بينما تعج الفضائيات ببرامج يتحدث فيها من هم أقل موهبة ومكانة وإنجازات من هيكل بعشرات المرات بشكل ملئ بالاستهتار بالأخرين والتجريح لهم والبذاءة في حقهم.
هذا الأدب الشخصي، بالإضافة إلى جاذبية إنسانية حميمة تنضح بها كلمات وملامح وأفكار هيكل، وتشف عنها مشاعره المتجلية، هي كلها مجتمعة ما منحت هذا الرجل تلك القدرة الفذة على مصادقة ومقابلة هذا العدد الهائل من زعماء وقادة العالم فهؤلاء لا يجلسون مع أى إنسان. ولابد أنهم رأؤا في هيكل شخصية محببة تعطى قدر ما تأخذ وتفيد بقدر ما تستفيد وتحتفظ للصداقة بحقها وللأخلاق بمكانتها وللأدب والدماثة بدورهما وللاحترام بضروراته ففتحوا له أبواب قصورهم ومكاتبهم وقلوبهم، مما أمكنه في النهاية أن ينقل لنا أعمق ما في دخيلة هؤلاء القادة بأسلوب بالغ الجمال والصدق والقدرة على التوصيل والتواصل.
مع الأدب والدماثة لابد أن نلاحظ التواضع الجميل في شخصية هيكل، قارن مثلاً أسلوب حديثه المؤنس المبسط المنساب بلا انفعال ولا غطرسة فارغة ولا دوران حول الذات بأسلوب رجل الثورة الراحل حسين الشافعي الذي شاهدناه في نفس الفترة يتحدث مطولاً في برنامج “ شاهد على العصر “ في نفس فضائية الجزيرة، دون إقلال بمكانة ودور حسين الشافعي بالطبع، فهنا أقارن فقط بين أسلوب هيكل المتواضع الجذاب الإنساني المتعاطف وبين أسلوب معظم الذين يظهرون في البرامج من المشاهير الذين لا تجد في معظمهم سوى مجموعة من أمراض الغطرسة والتعالي وعدم احترام الأخرين، ومع هذا كله لا يقولون شيئاً له قيمة لنا نحن المشاهدين. الملك المقامر استطاع هيكل أن يرسم لنا صورة إنسانية مأساوية للملك فاروق بقدر كبير من الموضوعية والتعاطف مع عدم الإخلال بأولوية الحقيقة التاريخية..
وكنت وأنا أستمع بنهم إلى هيكل يروى مأساة الملك فاروق أعود في كل مرة مع الذاكرة إلى طفولتي المبكرة التي يحتل فيها الملك فاروق مكاناً لم أكن اتصور أن يكون موجوداً بها. فقد كانت عائلتنا تذهب كلها لقضاء الصيف في أبو قير حيث يملك جدى.. والد أمي كابينة خشبية من دورين بناها بنفسه هناك، وما تزال في ذاكرة طفولتي تقبع هذه المشاعر التي كنت أحسها كلما ركبنا القطار من أبو قير، وهى مصيف هادئ صغير وقتها يبعد أقل من ساعة عن الإسكندرية – فيمر بنا القطار على أول محطة وهى المعمورة، وكانت وقتها مزارع للنخيل على شاطئ البحر، ثم يمر بعدها مباشرة على محطة المنتزه، وهى محطة قصر الملك فاروق، وكانت المحطة تختلف عن محطة أبو قير في أنها كلها أرضاً وأبنية من الطوب الأحمر الفاتح دقيق الصنع بالغ الأناقة. وكان القطار عادة يبطئ وهو يعبر محطة المنتزه هذه بطئاً شديداً – ربما حتى لا يزعج الملك أو حاشيته بالداخل ولو من بعيد بأقل ضوضاء، وبهذا كنت أستطيع التأمل في السور الشاهق بالغ الفخامة للقصر الملكى، كما أرى مبنى مجاوراً للمحطة كان يقبع بداخله “ديزل“ خاص بالملك إذا ما خطر له أن يركب القطار. أو ربما لنقل أمتعته الملكية. وكان قطارنا الشعبى يمر من أمام الباب الحديدي المذهب الكبير لحديقة القصر فنلمح بداخله حدائق خضراء بالغة التنسيق والنظام بما لم نكن نراه في أى مكان أخر. وهكذا كانت علاقتي كطفل مصري في مرحلة التطلع والتفتح وحب الاستطلاع الطفولي بملك مصر هي علاقة يرسمها ويحدها هذا السور بالغ الارتفاع الذي يحتوى الملك بداخله في عزلة واستعلاء ملكي خاص ويبقيني خارجه كواحد من عامة الشعب أنا وكل أهلي – باعتبارنا شعب الملك ورعيته التي يملكها هي و الأرض التي عليها، فالملك فاروق لي ولجيلي كما كان أبوه من قبله– هو شخصية خرافية من عالم أخر غير عالمنا. هو أقرب إلى الآلهة منه إلى البشر، لذلك لا يتنازل ولا يجلس معنا ويكلمنا ولا يأكل مثلنا ولا يلبس مثلنا وله ان يتحلى بأخلاق غير أخلاقنا وبثقافة غير ثقافتنا، وقد علمنا من أحاديث هيكل كيف كان كل المحيطين بالملك المديرين لشئونه الخاصة من الأجانب، من الألبان ومن الطليان، بل كان فاروق هو أول ملك في سلسلة أبائه وأجداده يتكلم العربية!
والطريف أنه عند هجرتي من مصر بعد انهيار حلم الثورة ووصولي إلى نيويورك لأول مرة، كان أول كتاب ألمحه في إحدى المكتبات بالشارع الخامس عن الملك فاروق، باعتباره الملك الشهير بحب القمار والنساء، ولاحظت أن بعض الأمريكان كان يستخدم عبارة استنكار ينفى بها أنه مغامر أو زير نساء بقوله "أتظنني الملك فاروق؟". الضابط الثائر لم يتحدث الأستاذ هيكل بعد عن جمال عبد الناصر بالتفصيل، ولكن من حديثه عن الملك فاروق يمكننا بسهولة أن نسقط من بالنا الأسطورة التي ما زال يرددها البعض عن عدم شرعية الثورة المصرية، وإنها مجرد انقلاب قام به “ العسكر “ وكأن ملوك مصر كانت لهم أيه شرعية!! فما شرعية هؤلاء الأجانب الذين لم يتكلموا لغة الشعب! وهل جاء كل منهم إلى عرشه برغبة الشعب الذي سطا الملوك وأجدادهم على أراضيه ؟ هل كان أحد منهم يفعل شيئاً لصالح هذا الشعب المغتصب المقهور. إن للضابط عبد الناصر شرعية تعلو ألف مرة على شرعية الملك الذي ثار ضده وأطاح به فعلى الأقل كان عبد الناصر ابن شعبه وجزءاً منه. كان له على الأقل شرعية الانتماء كما أصبحت له بعد ذلك شرعية الانحياز لأحلام فقراء مصر، برغم أخطاء وتجاوزات لا يصح انكارها.
والواقع أن المقارنة بين الملك المقامر والضابط الثائر هي مقارنة يفرضها التاريخ الذي جمعهما معاً، ففاروق هو أخر ملوك مصر الفعليين، وجمال عبد الناصر هو أول رؤساء مصر الفعليين – إذا ما تغاضينا عن محمد نجيب الذي جاء به الضباط الأحرار بعد نجاح حركتهم في ليلتها الأولى – فالذي أطاح بالملك فعلاً هو ناصر وليس نجيب، والغريب ان الملك فاروق وجمال عبد الناصر كانا في سن متقاربة، فقد ولد ناصر عام 1918، وبعده بعامين ولد فاروق، ومات فاروق عام 1965 عن خمسة وأربعين عاماً، بينما مات ناصر عام 70 عن إثنين وخمسين عاماً.. فكلاهما لم يعش كثيراً، ولكن يمكننا أن نقارن ما فعله كل منهما، فنسأل ماذا فعل فاروق لمصر ؟ ولا يمنحنا التاريخ مشروعاً كبيراً واحداً يحتسب لملك مصر الأخير فقد كان جلّ اهتمام الرجل هو التنقل بين قصوره في القاهرة والإسكندرية، وبين نساء غرامياته وبين موائد القمار والرحلات الباذخة إلى أوربا والإفراط في الطعام والبذخ، ولم تكن مصر ولا شعبها في حسابه إلا باعتبارها جزءاً من متاعه الشخصي، والنتيجة أنه لم يقم بإنجاز أي شيء له قيمة لصالح مصر. ودفع بالجيش المصري إلى حرب فلسطين دون استعداد لها، ولم يعتزل العرش بعد هزيمة جيشه ولا قام بتغيير نمط حياته المترفة الباذخة، أما الضابط الثائر فقد حارب ببسالة وجرح في حرب فلسطين، ثم رجع منها ليكون حركة الضباط الأحرار في رفض جرئ لفساد الملك وللاحتلال الإنجليزى معاً، وبينما خشى فاروق أن يقوم بأى عمل يقاوم حركة الضباط الأحرار خوفاً على حياته، وضع ناصر وجماعته حياتهم على أكفهم من أجل مبادئهم، وقاموا بحركة كان يمكن أن تنتهى بإعدامهم جميعاً، ومع ذلك فقد مارس هؤلاء الشبان درجة عالية من ضبط النفس، ورفضوا إسالة الدماء بلا مبرر. وقاموا بتوديع الملك المخلوع وداعاً عسكرياً وملكياً كاملاً، وسمحوا له بالخروج مع أفراد عائلته وثرواتهم وذهبهم إلى الخارج.
هؤلاء "العسكر" تصرفوا بشكل هو أكثر شهامة وإنسانية وعزة من تصرفات الملك وحاشيته، ولاشك أن من حارب وحوصر وجرح في جيش بلاده يملك من المصداقية والشرعية أكثر مما يملك ملك ولد فوجد نفسه وريثاً لعرش في بلد ليست هي بلده ولا بلد عائلته ولم يشعر يوماً أنه جزء من شعبها.
مما لا شك فيه أن ناصر استطاع ان يكتسب بعد ذلك مشروعية إضافية استنادا إلى كل ما فعله هو وضباط حركته من إصلاحات وإنجازات لصالح فقراء مصر وأغلبيتها الكادحة، فراحت تتوالى المشروعات الزراعية والصناعية والمدنية والهندسية واحدة وراء الاخرى، وعلى رأسها بناء السد العالي الذي اعتبرته إحدى مراكز الأبحاث الغربية أحد أهم عشرة مشروعات هندسية في العالم في القرن العشرين. هذا بالإضافة إلى مساهمة الثورة في دفع حركات التحرر لعشرات البلدان في افريقيا وأسيا وامريكا اللاتينية والتي اتخذت كلها من ثورة مصر نموذجاً يدفعها للمطالبة باستقلالها وقد كان.
فرق هائل إذن بين رجلين متقاربين في السن كثيراً ولداً على أرض مصر، ولد أولهما في قرية “بني مرّ“ الصغيرة من عائلة بسيطة، واختار أن يكون ضابطاً في جيش وطنه، ثم أن يكون ثائراً على الأوضاع الفاسدة البائسة من حوله ليقدم إلى بلده بعدها على مدى خمسة عشر عاماً كماً هائلاً من الانجازات العملاقة التي وضعتها في موقع قيادى لحركة عدم الانحياز العالمية بالإضافة إلى موقعها القيادي في الأمة العربية.
بينما ولد الأخر في قصر ملكي فوجد نفسه أميراً وارثاً لعرش في دولة لم يكن والده يتكلم لغة شعبها، فعاش داخل قصوره في عزلة ورفاهية سرعان ما أدت إلى الإفراط في اللهو والبذخ وحتى في الطعام حتى مات في النهاية وهو يتناول طعامه في افراط انتحارى وهو في الخامسة والأربعين من عمره.
يقدم لنا هيكل فائدة وخدمة تاريخية كبرى.. يكشف لنا حقائق التاريخ فتسقط أمامنا الأساطير التي كانت تصور ما قبل الثورة على أنه عصر ديمقراطية زاهية جاء العسكر فقضوا عليها ولم تكن تلك سوى مظاهر مضحكة لألعاب سياسية بهلوانية يقوم فيها الملك بعزل رئيس الوزراء كل بضعة أشهر ويقوم بحل مجلس الأمة كلما غضب عليه، بينما ترك عامة الشعب من الفلاحين تحت رحمة الإقطاعيين من الباشوات الذين سطا أجدادهم على أراضى مصر ووزعوها على أنفسهم وعاشوا عالة على عرق وكدح الفلاحين البسطاء لأجيال طويلة.
استطاع هيكل أن يسقط اساطير الشرعية الملكية لملوك وافدين لم يحيطوا أنفسهم سوى بالأجانب ولم ينتموا يوماً لآلام أو أحلام المصريين. كما استطاع – بمجرد تواجده الشخصي وحديثه التلقائي البسيط والباهر في نفس الوقت – أن يسقط الشرعية عن قطاع كامل من أشباه الكتاب وأشباه الصحافيين.
ونحن في انتظار المزيد من الرجل الفذ الذي لم يكن مجرد “شاهد على العصر “ بل كان وما يزال أحد أهم صانعي أحداثه. فرانسوا باسيلي fbasili@gmail.com