معضلة السياسة العربية: عملية التسوية نموذجا

بقلم: ماجد كيالي

طبيعي أن يجد المواطن العربي نفسه في حيرة من أمره وعلى غاية من التشويش إزاء التعاطي مع عملية التسوية، أو مع عملية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
فإضافة إلى غربة المجتمعات العربية عن السياسة، والاجحاف الكامن في هذه العملية بالنسبة لحقوق العرب، والتي يفاقم منها قلة حيلتهم إزاء موازين القوى والمعطيات العربية والدولية غير المواتية، فإن منبع هذه الحيرة يتغذّى من مصدرين:
أولهما، الازدواجية التي يمارسها النظام العربي إزاء مواطنيه، الذين اعتاد على تغييبهم باعتباره ولي أمرهم، والذين يضطرّ أحيانا لاستحضارهم، بصورة وظيفية مصطنعة، لتدعيم هذا الموقف أو ذاك؛ لاسيما عندما يتطلّب الأمر صدّ الابتزازات الخارجية التي يتعرّض لها.
وثانيهما، الضبابية المحيطة بالسياسات العربية، إزاء التعامل مع التحديات الخارجية، ومن ضمنها عملية التسوية، فهنا ثمة قدر كبير من الادعاءات الشعاراتية والممارسات الديماغوجية، وقدر أقل بكثير من المكاشفة والعقلانية ومراجعة الأوضاع وتهيئة القدرات.
في الأونة الأخيرة، مثلا، بدا وكأن النظام العربي أخذ على حين غرّة بإعلان بوش تماهيه مع سياسات شارون بما يتعلّق بعملية التسوية، في خطاب الضمانات الذي قدّمه مؤخّرا له، في حين أن هذا الإعلان لم يأت بجديد بما يتعلّق بموقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة من قضايا الّلاجئين والأرض المحتلة عام 1967، ووجود المستوطنات فيها.
ومع أنه كان من البديهي ومن المطلوب أن يقف النظام العربي وقفة واحدة، في مواجهة هذا الموقف الأمريكي، إلا أن المقصود هنا هو مغزى محاولة هذا النظام إنكار معرفته بحقيقة الموقف الأمريكي، ما يذكرنا بالقول الدارج: "إن كنت تدري فتلك مصيبة وإن لم تك تدري فالمصيبة أعظم"!
ومعضلة العرب، كما يقال، أنهم قوم لا يقرأون، ويبدو أن معضلة النظام العربي (فوق ذلك) أنه إذا قرأ لا يريد أن يفهم، لأنه إذا فهم يدرك بأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا، في مواجهة الاستحقاقات والتحديات المطروحة عليه، بواقع عجزه وتكلسه وشلل إرادته!
وفي الواقع فإن الإدارات الأمريكية ظلت على الدوام تعلن صراحة دعمها المطلق لإسرائيل وحرصها على تغطية سياساتها (في الأراضي العربية المحتلة) وضمانها لأمنها وتفوقها النوعي في المنطقة.
وفوق كل ذلك فإن هذه الإدارات لم تقل مرة أنها مع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم أو ديارهم التي شردوا منها في العام 1948. ولم تطالب بتفكيك المستوطنات، برغم من اعتبارها إياها غير قانونية مرة، وعقبة في طريق السلام مرة أخرى. وهي لم تفسّر ولا مرة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 باعتباره ينص على انسحاب إسرائيل من كامل الاراضي التي احتلتها عام 1967، وإنما فسرته على أنه يعني انسحاب إسرائيل من أراضٍ احتلتها، وبما يفيد قيام حدود آمنة ومعترف بها لكل دول المنطقة!
أما بما يتعلق بعملية التسوية، بمساراتها الراهنة، فإن إدارة بوش لدى تحضيرها لمؤتمر مدريد (أواخر 1991) جددت التزامها بهذه المنطلقات، وأكدت فوقها بأن المفاوضات الثنائية التي تتم بين إسرائيل والدول المعنية، هي التي تحدد ماهية التسوية (وليس أية مرجعية قانونية أو دولية!). وفي موضوع اللاجئين، مثلا، لم تنص مرجعية مدريد على القرار 194، وإنما نصّت على مبدأ: "الأرض مقابل السلام" ومرجعية القرارين 242 و338، مع التأكيد أن هذين القرارين للتفاوض، ومع التأكيد على حق كل طرف في طرح ما يريده في المفاوضات، ومن ضمن ذلك قضية اللاجئين.
بدوره فإن الرئيس الأمريكي (السابق) بل كلينتون كان أكد في مقترحاته للتسوية (أواخر العام 2000) على ما جاء في رسالة بوش، ولكن بطريقة أكثر دبلوماسية ومرونة. فهو أكد على مبدأ الدولتين، ولكنه ثبّت مبدأ عدم عودة إسرائيل لحدود الرابع من حزيران، عبر الاعتراف بحقها في ابقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة داخل نطاق سيادتها، وعبر الاعتراف بحقها بضم الأحياء اليهودية في القدس الشرقية. كما أكد على أن القرار 194 لا يلزم إسرائيل بعودة اللاجئين إلى ديارهم، وأن هؤلاء ينبغي أن يعودوا إلى دولتهم (فلسطين) التي ستقوم في الضفة والقطاع.
ولعل أطروحات كلينتون كانت من المرونة والدبلوماسية بحيث أنها أوحت للكثيرين بأنها خروج عن السياسة الأمريكية، إذ إنها تضمنت قيام إسرائيل بتعويض الفلسطينيين عن الأراضي التي ستضمها إليها (بواقع 1 ـ1)، في إطار تبادلي. وفي موضوع اللاجئين تضمنت خطة كلينتون نصا مراوغا يتضمن من بين خمسة خيارات امكان عودة عدد معين من اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل، ارتباطا بموافقة إسرائيل على ذلك. وهكذا فإن الفارق يكمن في أن بوش لم يضمن في خطابه للفلسطينيين أرضا بالتبادل، وأنه حصر حق عودة اللاجئين إلى وطنهم المفترض فلسطين (الضفة والقطاع).
يستنتج من كل ذلك أن السياسة العربية معنية بمعرفة الحقائق وتوضيحها، أما الجهل أو بالأحرى التجاهل بهذه الحقائق فهو يمكن أن يودي إلى مزيد من الخسائر والاحباطات والتخبطات في إدارة السياسة العربية.
ويبدو أن مشكلة النظام العربي مزدوجة، فهو إن فهم السياسة الأمريكية وأدرك مبتغاها، فإنه لن يستطيع مصارحة مجتمعاته بالأمور كما هي على حقيقتها بدون براقع وتوهمات، كما أنه لن يستطيع التعامل مع الاستحقاقات والتحديات التي توجبها هذه السياسة.
المقصود من ذلك أن النظام العربي بوضعه الراهن، في وضع حرج، فهو لا يمتلك القدرة على الانسحاب من عملية التسوية، برغم كل الامتهان المتضمن فيها، لأن الخروج من هذه العملية سيفرض البحث عن خيارات أخرى، لا يستطيع توفيرها في ظل أوضاعه الذاتية وفي ظل الظروف الموضوعية المحيطة به.
بالمقابل فإن العكس صحيح فهذا النظام بات يدرك بأن المضي في عملية التسوية، بشكلها الراهن، سيفضي إلى المزيد من الانحدارات، التي ربما تضعف من استقراره ومن مكانته، على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ خصوصا بعد أن اتضحت طبيعة الابتزازات والتدخلات الامريكية والاسرائيلية في شؤونه الداخلية.
على ذلك فإن معضلة النظام العربي أنه يواجه استحقاقات التسوية، اليوم، بذات الطريقة التي كان واجه فيها استحقاقات الصراع مع إسرائيل، وهي طريقة متخلفة ومكلفة ولم تجد شيئا.
النتيجة أنه على ما يفعله العرب أو ما لا يفعلوه تجاه أنفسهم يتوقف الكثير في تحديد مدى قدرتهم على مواجهة التحديات التي تعترضهم. ماجد كيالي