معركة يمنية خارج إطار السيطرة

بقلم: عادل أمين

الحكومة اليمنية مازالت مصرة- من خلال بياناتها العسكرية- على إقناعنا بأنها تنجز انتصارات متلاحقة في حرب صعده (الخامسة) على من تسميهم بقايا عصابات الفتنة والتمرد من جماعة الحوثي، وهي تؤكد في البيان تلو الآخر بان الحسم العسكري بات وشيكاً وأن العمليات العسكرية شارفت على الانتهاء ولم يعد أمام الحوثيين من خيار سوى إلقاء أسلحتهم وتسليم أنفسهم ليضمنوا حياتهم إن كانوا مازالوا راغبين في الحياة.
يستطيع المرء تفهم دواعي الحرب النفسية التي تخوضها السلطات وتقتضيها ظروف كهذه، بيد أن المبالغة في تضخيم الانتصارات عبر القاء الكلام- هكذا- على عواهنه دون النظر لما يستتبعه من نتائج وعواقب يعرض مصداقية النظام للاهتزاز، ويقلل من هيبته، ويُحوّل الأمر برمته إلى مادة للسخرية والتندر، وتغدوا تلك الانتصارات منتجا حكوميا للاستهلاك، مجرد تهريج ليس أكثر، وهذا ما يصيب الناس في النهاية بخيبة أمل وإحباط شديد يجعلهم يرمون كل ما تقوله الحكومة وراء ظهورهم ولا يُلقون لها بالاً، مكتفين بوصف انتصاراتها بأنها ليست سوى "أضغاث أحلام". وفي الوقت الذي يعلن الحوثيون تحديهم للسلطات بأن تسمح لوسائل الإعلام بدخول مناطق الحرب في صعده لنقل الصورة كاملة عما يجري هناك والتحقق من صحة ادعاءات الطرفين، يستمر النظام في دعوته لإحلال السلام في مناطق كثيرة من العالم وفي مقدمتها منطقة القرن الإفريقي من خلال تأكيده على الحوار كخيار وحيد لحل النزاعات والقضايا العالقة بين الأطراف المتنازعة! الشباب المؤمن رؤية جديدة السلطات اليمنية قدمت مؤخراً رؤية جديدة وتوصيف مختلف لكيفية نشوء تنظيم الشباب المؤمن (الجناح العسكري للحوثيين أو ما صار يعرف بالمكبرين وكتائب الحق وغيرها من التسميات) حيث أرجعت تكون خلاياه الأولى إلى مطلع الثمانينات، في العام 1982م تحديداً، وفي الفترة من 83-1984م قامت تلك الخلايا – بحسب نائب رئيس الوزراء لشئون الأمن - بتنفيذ بعض العمليات الإرهابية في صنعاء مثل استهداف السفير السعودي وسينما بلقيس وحرق بعض النساء في الشوارع بمادة الأسيد، وأنها تلقت – آنذاك - دورات تخريبية في إيران وعادت لتطبيقها في اليمن. وقد سخر يحيى الحوثي من تلك التصريحات بالقول إن الشباب المؤمن كانوا حين ذاك في بطون أمهاتهم، ولم يتشكلوا إلاّ في عام 1991 بسبب وقوف السلطة ضد حزب الحق واختراقه.
غير أن الملفت في تصريحات الحكومة بشأن الشباب المؤمن أمران، أولهما، محاولة استدعاء ايران مجدداً إلى ساحة الصراع اليمني في الوقت الذي كانت قد اتجهت علاقات البلدين مؤخراً للتحسن لاسيما بعد اتفاق الدوحة الأخير، وكانت تصريحات سابقة لمسئولين يمنيين أكدت عدم ضلوع الحكومة الإيرانية بشكل مباشر في دعم الحوثيين، ونسبت الدعم لجهات وهيئات خاصة وحوازات شيعية منتشرة في بعض دول الخليج. وبصرف النظر عن الأهداف الحقيقية من وراء هذا التصريح إلاّ أنه في النهاية يستدعي صراعاً إقليمياً إلى الساحة المحلية ويجعلها مسرحاً لتجاذبات وتصفية حسابات قوى متنافسة، إلى جانب أن اليمن تحاول بذلك أن تقول لجيرانها وحلفائها بأنها تقاتل اليوم نيابة عنهم، وأن الخطر لم يعد يتهدد اليمن فحسب بل والمنطقة ككل، وهو ما يوجب عليهم في المقابل تحملهم للنصيب الأكبر من نفقات الحرب.
الأمر الآخر الذي يُستشف من إطلاق تلك التصريحات في هذه الآونة بالذات هو سعي النظام لتبرئة ساحته من مسؤولية بناء وتمويل تنظيم الشباب المؤمن وإلقاء اللائمة على جهات خارجية في إطار مخطط للتآمر على البلد، ومع عدم استبعاد الأمر برمته وبالأخص إذا أخذنا في الاعتبار أن اليمن وقفت بقوة إلى جانب العراق في حربها على إيران. إلاّ أن السؤال الذي يطرح نفسه هو أين كانت الأجهزة الأمنية -آنذاك- وهي ترقب عن كثب – منذ الثمانينيات - مجريات عملية ولادة خلايا الشباب المؤمن برعاية إيرانية؟ ما الذي منعها من التدخل حينها لإجهاض هذا المخطط التآمري الذي استهدف زعزعة الأمن والاستقرار في البلد وفضح جميع أطرافه؟ هل كانت اليمن مضطرة أم مجبرة للانتظار كل هذا الوقت كي يتسنى للشباب المؤمن إعلان حربهم على البلد من جبال صعده لتسارع من ثم السلطات لكشف تفاصيل المخطط؟ كان الأحرى بالمسئولين في جهاز الأمن اليمني، وقبل أن يسارعوا في إطلاق مثل تلك التصريحات، أن يعودوا أولاً إلى تصريحات مسئوليهم في قيادة الدولة التي أطلقوها عقب نشوب حرب صعده الأولى في 2004م ليستبينوا حقيقة الدور اليمني في قيام ونهوض جماعة الشباب المؤمن وجنوحه فيما بعد صوب العمل العسكري. الحوثيون عسكرياً أثبت الحوثيون أنهم أكبر مما تصفهم الحكومة، إنهم يقاتلون في أكثر من جبهة، وقد تمرسوا على فنون قتالية فاقوا الجيش فيها، وهم اليوم يعلنون امتلاكهم أسلحة جديدة ويهددون بإدخالها ساحة معاركهم ضد السلطات، من ضمنها سلاح الكاتيوشا. ويؤكد الحوثي عبدالملك (قائد التمرد) امتلاكه أسلحة ثقيلة حصل عليها من معاركه مع الجيش، وكذا قدرته على خوض حرب طويلة الأمد، أضف إلى ذلك فقد كشفت بعض المصادر تمكن جماعة الحوثي من اختراق شفرة الجيش التي يتعارفون بواسطتها أثناء المعارك، فيما كشفت معلومات صحفية عن وجود اختراق لقوات الجيش من قبل الحوثيين، وأن السلطات اعتقلت العشرات ممن يشتبه بتورطهم بالانتماء إلى حركة الحوثي. وذهبت مصادر أخرى إلى أبعد من ذلك حد التأكيد على انضمام بعض أفراد القوات المسلحة إلى حركة الحوثي، في ذات الوقت الذي ما تزال فيه عمليات اكتشاف السيارات المحملة بالأسلحة والذخائر والمتجهة صوب صعده مستمرة، فكيف يمكن والحال هذه الحديث عن حسم وشيك للمعارك وإرغام هذه الجماعة على الإذعان وتنفيذ بنود اتفاق الدوحة؟ وساطات خفية من الواضح أن اتفاق الدوحة لم يعد يصلح لبدأ مفاوضات جديدة بين طرفي النزاع، وهذا ما جعل القطريين يتوارون عن الساحة اليمنية وينشغلون بساحات أخرى هي أكثر استعداداً للتعاطي والتجاوب معهم، وعليه فقد عادت بوادر وساطة جديدة غير معلنة بين الجانبين ولكن من باب القبيلة هذه المرة. فبعض مشايخ صعده يحاولون لعب دور الوسيط بين السلطة والحوثي بالنظر إلى ما تسببه الحرب من دمار وخراب مهول في مناطقهم، وكذا تفاقم الأزمة الإنسانية الناتجة عن نزوح آلاف السكان من قراهم وتعرضهم لمخاطر الحرب وكوارثها، بيد أن من المحتمل أن يضع الوسطاء الجدد شروطاً صعبة على الجانب الحكومي لتلافي إخفاقهم في مهمتهم، وبما يحقق لهم من جانب آخر بعض المكاسب التي تعوضهم عما لحق بهم من خسائر جراء استمرار الحرب في مناطقهم.
وحتى اللحظة لا تلوح في الأفق مؤشرات حسم عسكري أو بوادر دخول الجانبين المتصارعين في وساطة برعاية خارجية، وهو ما يُفسح الطريق لوساطة داخلية يقوم بها مشايخ القبائل ويضاعف من فرص نجاحها، لا سيما وأن الحكومة اليمنية أبدت استيائها الشديد مما اعتبرته تدخل البرلمان العربي في شئونها الداخلية حينما عرض وساطته لحل الأزمة، وكان الاتحاد الأوروبي أبدى هو الآخر قلقه من استمرار الحرب وقال في بيان له إن الحل السياسي هو السبيل لتأمين السلام الدائم في البلاد والعمل على تحقيق الأمن عن طرق المفاوضات وفي إطار اتفاق الدوحة، الحكومة اليمنية من جانبها والتي أظهرت استيائها الشديد من تدخل البرلمان العربي في شئونها الداخلية لم تقابل بيان الاتحاد الأوروبي بنفس ذلك الاستياء والرفض بل لزمت الصمت، وكأنها فهمت من رسالة الأوروبيين أنهم لم يعودوا يؤيدون فكرة الحسم العسكري بعدما ظلوا طيلة الفترة الماضية يغضون الطرف حيال الإجراءات العسكرية التي اتخذتها الحكومة تجاه التمرد، لكن فشلها في سرعة انجاز الحسم، وتزايد مخاطر تحول الحرب إلى أزمة إقليمية تُعرض مصالح الأطراف الخارجية للخطر، إلى جانب أن قوى أخرى كالقاعدة ربما تستغل انشغال الحكومة في حربها على جبهة صعده لضرب مصالح تلك الدول (النفطية على وجه الخصوص).
كل ذلك ربما دفع بالموقف الأوروبي (والغربي عموماً) للتحول باتجاه خيار الحل السياسي وعودة المفاوضات بين طرفي النزاع. أما السلطة فإنها وإن حاولت إظهار مقدرتها على حسم الموقف لصالحها وكذا عدم قبولها بغير استسلام المتمردين ورضوخهم التام، إلاّ أنها في الواقع ليست في موقف يمنحها فرض شروطها، وستجد نفسها آخر المطاف مضطرة للجلوس على طاولة المفاوضات للحوار مع متمرديها، حينها سيجد الحوثيون الفرصة لفرض ما يستطيعون من شروطهم الجديدة على الجانب الحكومي، وسيكون هذا الأخير قد استنفد مبررات الحرب واستنزف جيوب بعض الدول الإقليمية المتخوفة من تمدد ما يسمى بالهلال الشيعي. كما سيكون مضطرا لإقناع شركائه الدوليين في مكافحة الإرهاب بأنه حان الوقت للتفرغ لخطر القاعدة التي تمكنت في الاونة الأخيرة من تنفيذ بعض عملياتها في عدد من الأماكن مستغلة انشغال الدولة في إخماد حركة الحوثيين، لكن وفي اتجاه آخر فقد رفض يحيى الحوثي وساطات المشايخ الذين قيل أن الرئيس قابلهم لتكليفهم بمهمة التوسط لدى الجماعة وقال لم يعد هناك حاجة لأي وساطة بعد اتفاق الدوحة. وعلى ما يبدوا فإن الحوثيين باتوا يشعرون بأنهم في وضع أفضل يمكنهم من فرض شروطهم على الحكومة، وهم لا يريدون تفويت الفرصة واستثمارها إلى ابعد مدى، ومن هذا المنطلق اخذوا يبعثون برسائل بين الحين والآخر للسلطات بأنهم مع السلام ولكن وفق شروط جديدة.
وفي رسالة تحذير بعثها القائد الميداني لجماعة الحوثي (عبدالملك) إلى أطراف يعرفها هو جيداً قال فيها: ونُذكر بأن غرق السلطة في ميادين الحرب في صعده وانشغالها الشديد، هو فرصة لكل الشرفاء والأحرار في البلد لأن يتحركوا تحركاً فاعلاً ومؤثراً، فليغتنموا الفرصة (النداء 12/6) .
فما هي تلك الفرصة التي دعا عبدالملك الحوثي لاغتنامها ؟ ومن هم أولئك الشرفاء والأحرار الذين عناهم بقوله وطلب منهم التحرك فوراً تحركاً فاعلاً ومؤثراً؟ الأمر بحاجة لمزيد تمعن.. عادل أمين
مدير تحرير صحيفة "العاصمة" – صنعاء adelameen@maktoob.com