معركة تفكيك القوانين العنصرية الإسرائيلية

تؤدي بعض السياسات العقيمة، أو ضيقة الأفق، أو ذات المنحى التنازلي، إلى إلحاق الضرر بالعملية الكفاحية الفلسطينية عبر إغلاق بعض الآفاق، التي إن فتحت على مصراعيها، أفردت ميداناً جديداً للنضال، من شأنه أن يحقق مكاسب إضافية للحركة الكفاحية الفلسطينية وأن يسجل اهدافاً ثمينة في ملعب العدو الإسرائيلي.

من هذه السياسات تقييدات اتفاق اوسلو، التي فصلت بين المناطق المحتلة عام 1948، كقضية فلسطينية، وبين قضية الاحتلال الإسرائيلي لمناطق 67، وقضية اللاجئين.

فاعتبرت قضية الفلسطينيين في مناطق 48 "قضية إسرائيلية" خالصة، علماً أن هؤلاء الفلسطينيين، عندما أطلقت م.ت.ف برنامجها الوطني، البرنامج المرحلي، العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة، على طريق الحل الناجز والديمقراطي للقضية الفلسطينية، خرج هؤلاء في 30/3/1976، في يوم الأرض العظيم، يحملون أعلام فلسطين (في قلب إسرائيل وقبل أن يرفعها اتفاق أوسلو في سياق مختلف تماماً) وهم يهتفون ويبايعون منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلهم الشرعي والوحيد، وقد وجدوا فيها، وفي برنامجها الوطني آنذاك، الكفاحي، النقيض للبرنامج الصهيوني، حلها التاريخي.

على الجانب الآخر، حول البرنامج الفلسطيني آلاف اللاجئين في الشتات، وفي الضفة وفي القطاع، إلى قضية شعب له الحق في العودة إلى دياره وممتلكاته التي هجر منها منذ العام 1948.

وصار الربط وثيقاً بين شروط قيام الدولة الفلسطينية في الضفة القطاع، وعاصمتها القدس، وبين شروط ضمان حق اللاجئين في العودة إلى الديار والممتلكات، كما جرى الربط بين هذين الشرطين (كانتصار حقيقي على المشروع الصهيوني وإلحاق هزيمة نكراء به)، وبين الشرط الثالث، الفوز بالحقوق المدنية والقومية للفلسطينيين في 48، وإسقاط القوانين القائمة على التمييز العنصري، ليس بين اليهودي والعربي فقط بل بين العرب أنفسهم، دروزاً، ومسيحيين، وبدواً، وعرباً....في عملية تفتيت تقوم على مفاهيم عنصرية، شكلت الأساس الفكري لقيام دولة إسرائيل.

"حل الدولتين" جاء بديلاً للمشروع الوطني الفلسطيني، رغم أن كثيرين فقدوا القدرة على التمييز بين "حل الدولتين" وبين المشروع الوطني الفلسطيني. متجاهلين أن المشروع الوطني الفلسطيني يقوم على المرحلية الكفاحية. مرحلة الخلاص من الاحتلال والاستيطان، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة بحدود الرابع من حزيران 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، إلى ديارهم ومنازلهم التي هجروا منها منذ العام 1948، وفوز الفلسطينيين في عام 1948 بحقوقهم المدنية والقومية، خلافاً لسياسة التمييز العنصري التي تنص عليها قوانين الثقافة العنصرية للمشروع الصهيوني.

معركة سياسية كفاحية متعددة الأشكال في الدوائر الثلاث، على قاعدة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وبما يقود، في نهاية المطاف، إلى توفير الأجواء تتقدم فيها تطبيقات الحل الديمقراطي الجذري للمسألة الفلسطينية بقيام الدولة الديمقراطية الموحدة على أرض فلسطين بديلاً للمشروع الصهيوني العنصري الاحتلالي الكولونيالي.

أي أن المشروع الوطني هو الطريق نحو اقتلاع المشروع الصهيوني بالأساليب المتنوعة التي تفترضها الظروف السياسية في كل مرحلة.

أما "حل الدولتين" فهو حل تكريس "دولة إسرائيل وطناً قومياً للشعب اليهودي" والاعتراف بحق هذه الدولة في الوجود على الأرض الفلسطينية المغتصبة.أي الاعتراف بصحة المشروع الصهيوني وصحة "الحقوق المشروعة للشعب اليهودي العودة إلى أرض أجداده في إسرائيل".

إلى جانب هذا الحل تقوم دولة فلسطينية هي الوطن القومي للشعب الفلسطيني، بما يعني "حق هذا الشعب بجزء من أرض فلسطين" هو الجزء الذي لا يريد العدو الصهيوني ضمه حتى لا تتحول دولته "اليهودية" إلى دولة ثنائية القومية.حق منقوص يفتح الباب لتهجير الفلسطينيين في 1948 إلى "دولتهم" بعد أن "أقاموا" فترة طويلة في أرض دولة اليهود. حق منقوص لا يعترف باللاجئين شعباً أو جزءاً من الشعب الفلسطيني.

فاللاجئون ماتوا على مر سنوات النكبة، وذريتهم عرب يتوجب توطينهم في البلاد المضيفة، ويصبح الصراع، والحال هكذا على بضعة كيلو مترات من الأرض، تضم إلى "الدولة اليهودية" أو إلى "الدولة الفلسطينية".

ويتحرر المشروع الصهيوني من صفاته كمشروع عنصري، كولونيالي استعماري إحلالي، وتتحرر إسرائيل من صفتها كدولة احتلال، وتصبح صاحبة حق في إعادة رسم حدودها، وصاحبة حق في الخلاص من كل الزوائد التي تهدد مصيرها دولة قومية لليهود.ولسان حال قادة العدو يقول: إذا بقي الفلسطينيون في مناطق 48، وعاد اللاجئون إلى هذه المناطق، نصبح أمام دولتين فلسطينيتين وليس أمام دولتين لشعبين.

تتحرر إسرائيل من صفتها الكولونيالية، ويتحول الفلسطينيون من حركة تحرر لشعب يناضل لمشروع وطني تاريخي إلى مجرد كيان همه رسم حدوده عند هذا الخط أو ذاك.

العودة إلى المشروع الوطني الفلسطيني بآفاقه المرحلية والاستراتيجية، يفتح أمامنا أفقاً جديداً في النضال هو فتح ملف الصهيونية كمشروع عنصري كولونيالي من خلال فتح ملف القوانين العنصرية الإسرائيلية في الميادين المختلفة، بدراسات علمية وأكاديمية وعدم الاكتفاء بالجانب الأيديولوجي الذي استنزف إمكانياته، وبات يتطلب خطوات إلى الأمام.

مثل هذه الخطوة تفتح على ميدان آخر للتعاون بين الفلسطينيين في مناطق 1948، وبين من هم في الضفة والقطاع، وبين من هم في الشتات والمهجر، لوضع إسرائيل، كنظام عنصري تحت الضوء، وكشف حقائق تركيبته العنصرية التي تتلطى خلف "اليهودية".

ولو نظرنا إلى تجربة "المقاطعة" التي تمارس الآن ضد منتجات المستوطنات الصناعية والزراعية والثقافية والأكاديمية، على الصعيد الأوروبي والأميركي والعالمي بشكل عام، لأدركنا أهمية أن نفتح ملفات القوانين العنصرية الإسرائيلية، بما هي موجهة مباشرة نحو "المواطنين العرب" الذين تحاول إسرائيل أن تنكر عليهم هويتهم الفلسطينية وأن تنكر عليهم انتماءهم إلى الشعب الفلسطيني ـ إلا في حالة تهجيرهم نحو مناطق السلطة الفلسطينية ـ وأن نفتح ملفات القوانين العنصرية الإسرائيلية بما هي موجهة، استدراكاً، ضد اللاجئين الفلسطينيين الذين ترى إسرائيل في عودتهم إلى ديارهم قضاء على بنائها كدولة يهودية.ولا يمكن لدولة أن تكون يهودية إلا إذا كانت عنصرية، لأنها تقيم قوانينها على مبادئ التمييز العنصري.

تقوم دولة إسرائيل على بنية قانونية صهيونية ومتكاملة، تستوجب أن نسلط الضوء عليها، على قاعدة ضرورة إلغائها، باعتبارها تقوم على التمييز العنصري، منها على سبيل المثال قانون العودة الصهيوني، ونعتقد أن كل خطوة نخطوها، بالتعاون مع المجتمع الدولي لإلغاء قانون عنصري من قوانين إسرائيل، المخالفة لمبادئ القانون الدولي، وشرعة حقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية جنيف الرابعة (وغيرها) نكون قد خطونا بالمشروع الوطني الفلسطيني خطوات إلى الأمام، عبر الربط بين مصالح الشعب الفلسطيني في مناطق انتشاره الثلاث ـ إن جاز التعبير ـ وكل خطوة نخطوها إلى الأمام، هنا أو هناك، هي خطوة تخدم مجمل المشروع الوطني، وتعمق التمايز بينه وبين حل الدولتين.

حل الدولتين حل تكريس وجود إسرائيلي. الحل الوطني الفلسطيني هو حل تفكيك المشروع الصهيوني.