معركة بغداد: الاسوأ لم يأت بعد

بغداد - من جاك شارمولو
في بغداد، تستعد النساء قبل الرجال لاستقبال القوات الغازية

تشير المقاومة الشديدة التي تلقاها القوات الاميركية والبريطانية في جنوب العراق الى ان "عملية تحرير" العراق باتت محفوفة بالكثير من المخاطر العسكرية والسياسية خصوصا ان اتمام هذه العملية يتطلب السيطرة بالقوة على بغداد.
وتترتب على عملية السيطرة على المدينة التي يفوق عدد سكانها الخمسة ملايين مخاطر كبيرة عسكرية وسياسية.
وقد تغيرت التوقعات جذريا بالنسبة الى ما يمكن ان ينتظر قوات التحالف الاميركي البريطاني في بغداد، منذ بداية العمليات العسكرية في 20 آذار/مارس.
اذ اثبتت المعارك الجارية في الجنوب وجود تصميم على المقاومة لدى الهيكليات المرتبطة بالنظام العراقي، مثل ميليشيا حزب البعث، وكذلك العشائر المستعدة للدفاع عن تصورها الخاص لاستقلاليتها.
واعطى الحياد الذي التزمت به الطائفة الشيعية المهمشة في الهيكلية السياسية والدينية في البلاد، رغم انها تشكل الاكثرية، دليلا اضافيا على ان القوات الاجنبية ليست موضع ترحيب في العراق.
وقد تلاشى الامل في رؤية سكان بغداد يصفقون لوصول الجنود الاميركيين الآتين لتحريرهم من رئيسهم الذي كانت السيناريوهات تتحدث اصلا عن تصفية سريعة له.
ويبدو تصميم العراق على عدم التراجع تحت ضغط التهديد بالاطاحة به بالقوة، على حاله بعد ستة ايام من القصف.
وقد اشار نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز الاثنين الى هذه الاعلانات الاميركية قائلا "لم يتم قطع راس القيادة العراقية"، مضيفا بلهجة ساخرة ان سكان بغداد سيستقبلون القوات الاميركية والبريطانية "باجمل موسيقى واجمل زهور موجودة في العراق"، متوعدا بمقاومة شديدة.
ويصعب احصاء عدد مسلحي حزب البعث الذين يحيطون بالمدينة وينتشرون بكثافة في كل شارع وكل مجمع سكني في العاصمة العراقية.
وتتعرض القوات الدفاعية المنتشرة حول بغداد منذ ثمان واربعين ساعة لقصف مكثف يهدف الى تقويض القدرة القتالية لدى قوات الوحدات الخاصة المكلفة حماية النظام.
ويصعب تقييم الاثر الذي يتركه هذا القصف، الا ان العراقيين فاجأوا الخبراء العسكريين، عبر اعتمادهم خططا متحركة سمحت لهم بالحد من انعكاسات القوة النارية الاميركية.
وبالتالي سيكون مستغربا ان يحافظ عناصر الجيش والحرس الجمهوري على خطوطهم الدفاعية الثابتة، وعلى دباباتهم المطمورة جزئيا تحت التراب في مكان واحد، وعلى معسكراتهم المكشوفة، وكل ذلك يشكل اهدافا مثالية لعمليات القصف الاميركية. وهي استراتيجية درج عليها قادة بغداد.
وقد عبر مسؤولون عسكريون عراقيون عن هذا التغيير في الاستراتيجية قبل بدء العمليات، حين تحدثوا عن ارادة "استيعاب الصدمة الاولى" و"استدراج" القوات الاميركية نحو المدن، لا سيما نحو بغداد.
وهذا هو التحدي الذي سيواجه المخططين الاميركيين خلال الايام المقبلة.
وسيكون المخططون العسكريون امام خيار الدخول الى بغداد والمخاطرة بمواجهة صعبة، وذلك من دون اي ضمانة لامكان عزل صدام حسين ومساعديه الاساسيين بسرعة.
وستترافق حرب الشوارع هذه مع مخاطر كبيرة على السكان المدنيين، وقد تشكل الضربة القاضية بالنسبة الى الرؤية التي تتحدث عن عملية تصب في صالح العراقيين.
كما يمكن لمعركة بغداد ان تظهر العملية الاميركية البريطانية وكانها مغامرة ذات طابع استعماري، كما فعلت المعارك الدائرة في الجنوب بكشفها عن تنوع في عناصر "المقاومة الوطنية".
اما الخيار الثاني فقد يكمن في فرض حصار على المدينة وتقويض مقاومتها بالقصف، الامر الذي سيشكل مشهدا لا سابق له في التاريخ الحديث لدولتين غربيتين تحاصران عاصمة عربية من اجل تغيير نظامها.