معركة الرئاسة في الجزائر بين الداخل والخارج

للجزائر أكثر من عنصر جذاب، وقد حباها الله من التضاريس (صحراء شاسعة، غابات واسعة وكثيفة، سهول كبيرة، جبال شاهقة)، ومن الموقع الجغرافي ومن التركيبة السكانية، ومن الخيرات الظاهرة والباطنية (بترول، غاز، معادن مختلفة، ذهب، ماء)، ما يجعلها هدفا لأطماع عديدة لقوى داخلية وخارجية.

حرب بالوكالة، تدور رحاها هذه الأيام بالجزائر، عام قبل موعد الانتخابات الرئاسية، أبطالها الأحزاب السياسية الحقيقية، أحزاب ليس لها اعتماد قانوني، ولكن عندها حضور قوي داخل مراكز القرار، وداخل هيئات بلورة الرأي العام وتوجيهه، سواء القريبة من النظام أو المعارضين له، وتدور رحى هذا السجال، أو حرب المواقع، في ميادين ثلاثة رئيسية، هامة، لاكتساب معركة الرئاسة المضنية:

1) الإعلام: والأمر يتم عبر رسائل "لغز" من أشخاص من الصفوف الخلفية، وطنية وأجنبية، كما تم مع رسالة السيد حسين مالطي في جريدة "الوطن"، نائب المدير السابق لشركة سوناطراك الجزائرية البترولية، الموجهة للجنرال توفيق (محمد مدين)، الرجل القوي بالجزائر، وقائد الاستخبارات الجزائرية، أو رسالة مدير المركز العربي للدراسات البترولية، السيد نيكولا سركيس للرئيس الجزائري السيد عبدالعزيز بوتقليقة المنشورة في جريدة "الخبر".

2) الفضائح المالية: كل المؤشرات تدل على أن مفجر ما اصطلح على تسميتها فضيحة سوناطراك 2، هي جهات داخلية وليست خارجية، وتوقيت تفجيرها تدل على أن المستهدف طرف رئيسي في معركة الاستيلاء على منصب الرئاسة (حاشية الرئيس بوتفليقة)، من طرف آخر غريم (قريب من مؤسسة الجيش)، أو العكس، وتندرج في عملية "كسر العظام" بين الأطراف المتنافسة على قيادة الجزائر في العشرية المقبلة.

3) الأحزاب السياسية: شهدت الساحة السياسية الوطنية، مخاضا غريبا، إذ أنها شهدت استقالة الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، السيد أحمد أويحيى، وإقالة الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، السيد عبدالعزيز بلخادم، والأغرب أن الحزبين الرئيسيين في الساحة الحزبية الجزائرية، لم يحسما أمينا عاما جديدا إلى حد الساعة، أسابيع من عملية الاستقالة أو الإطاحة، وهذا يظهر وطيس المعركة التي تشهدها الدوائر الفاعلة، والصعوبة التي تلقاها في اختيار رئيس مستقبلي للجزائر، مواصفاته تخضع إلى عدة عوامل داخلية وخارجية، ووفق دفتر شروط جديد مختلف نوعا ما مع ما كان من قبل سيما بعد الربيع العربي، وأكثر من خمسين سنة من الاستقلال.

ومن جهة أخرى يظهر أيضا، أن موضوع "الجزائر" في أجندات دولية عدة، فبعد المحاولة الفاشلة من تفجير "ربيع" جزائري من قبل، لعزوف شعبي واضح، بعد سنوات الجمر المؤلمة التي مرت بها الجزائر في سنوات الإرهاب، تحاول جهات معينة تحريك جنوب الجزائر، عبر مطالب شرعية لأبناء الجنوب، لتحقيق العدالة والإنصاف، إلا أن المطالب المشروعة لهؤلاء تقابلها مطالب مبطنة لزرع الانشقاق وتحريك ربيع جزائري جنوبي بعد فشل الشمالي، إن استعمال مصطلحات المخبر المعد لأحداث الربيع العربي، يعطي تأكيدا لتوجساتنا، كالمليونية، والاعتصام في الساحات العامة، والتحرك الإعلامي لقناة الجزيرة، وحتى المنسق العام للحراك السيد الطاهر بلعباس يبدو أنه راديكاليا نوعا ما ومشبعا بقناعات هي شبيهة تماما بقناعات ثوار 25 يناير بمصر، وثوار 17 فبراير بليبيا أو غيرهما، وكأنهم درسوا نفس البرامج والدروس، تطرح أكثر من نقطة استفهام حول الأيادي التي تحرك هؤلاء، أو تستغل تحركاتهم، في الداخل والخارج.

ومن جهة أخرى لا بد من الاعتراف أن خللا كبيرا قد أصاب الدولة الجزائرية، من حيث تحقيق العدالة الاجتماعية، إذ أنها المسئولة عن مراقبة الأمور والتحقق من الإجراءات الفعلية لإحقاق الحقوق، فكيف يفسر أن بترول وغاز الصحراء الذي يشكل قرابة 97% من مداخيل الدولة، تشغل في مناصب لا تحتاج إلى تخصص معين، أبناء مناطق أخرى، ويبقى أبناء المنطقة يتخبطون في بطالة طويلة وأليمة؟ إن الحكومة الجزائرية قد أنشأت منذ مدة ميكانيزمات وصناديق هامة لتمويل ازدهار منطقة الصحراء، وشرعت لتحفيزات اقتصادية وجبائية هامة لجلب المستثمرين، إلا أن فساد الإدارة، وضعف المنتخبين وتقاعسهم على لعب دورهم، قد أدى إلى تفاقم الوضع بدل تحسنه.

نريد للجزائر ربيعا طبيعيا، يعلو فيه الصالح ويخبو الفاسد، ويعم الازدهار وتحقق العدالة، ويعيش الجميع في هناء ورقي، بعيد عن كل تلك الأربعة الاصطناعية غير البريئة، التي تستغل هموم الشعوب الحقيقية، ومطالبها المحقة المشروعة للتخليط ولزرع بذور الفتن الظاهرة والباطنة.

أن تتحقق العدالة، ويقوم الحكم الرشيد، ويحارب الفساد والمفسدون، ويضمن الجزائريون مستقبل أبنائهم في استقرار وهناء، هذا كل ما يشغل بال الشعب الجزائري، سواء أكان من الجنوب أو الشمال أو الشرق أو الغرب أو حتى في الخارج، أكثر بكثير من اسم من سيحكمهم في المستقبل.