معرض يروي تاريخ المهاجرين العرب في اميركا

الافواج الاولى من المهاجرين العرب كانت من لبنان وسوريا

واشنطن - كيف كان يعيش العرب الأوائل في أميركا؟ للإجابة على هذا الاستفسار المشبع بالفضول يمكن القيام بزيارة إلى نيويورك، التي تعد الأهم مكانة بالنسبة للولايات المتحدة، إذ يستمر متحف مدينة نيويورك في استقبال أفواج الزائرين لمعرض متميز حتى مطلع أيلول/سبتمبر المقبل.
وكانت التحضيرات للمعرض الذي يحمل عنوان "العرب الأميركيون: جالية متعددة العوالم"، قد استغرقت أربع سنوات، ولم يكن المشرفون عليه يتوقعون أنّ أحداثاً مذهلة ستشهدها نيويورك في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الماضي، قد تعكر صفو جهودهم الحثيثة، وتضطرهم إلى تأخير الافتتاح أربعة أشهر، وهو ما تم في الثاني من آذار/مارس المنصرم.
وينظم متحف نيويورك على هامش المعرض العديد من الفعاليات الثقافية والفنية، التي يهدف من ورائها إلى لفت الاهتمام لتاريخ الوجود العربي في أميركا، وبخاصة في نيويورك.
ويتوزع المعرض على سبعة أجنحة، تركز على عدة محاور؛ كالهوية العربية، وهجرة العرب إلى مدينة نيويورك، وجذورهم الأسرية والدينية والثقافية، ودورهم في سوق العمل، ومشاركتهم في الحياة العامة.
وفي إنجاز هو الأول من نوعه؛ يوثق المعرض مشاهد من البدايات الصعبة للمهاجرين العرب إلى المجتمع الجديد، خاصة بما يحفل به من أكثر من ثلاثمائة قطعة ووثيقة وصورة، بما فيها صور حديثة وأخرى من الأرشيف، ووثائق هجرة وكتب وملابس وأدوات منزلية وموسيقية متعددة.
وترحب بزائري المعرض صورة زيتية ثبتت على مدخله، وتصور أحد طلائع العرب الذين زاروا نيويورك. والصورة هي لأحمد بن نعمان بن محسن الكعبي البحريني، الذي وصل إلى المدينة في عام 1840 مبعوثاً لسلطان زنجبار، في مهمة تفاوضية مع تجار نيويورك حول تجارة التوابل. ويبدو أن المسؤولين في المدينة أُخذوا بوجود المبعوث بينهم إلى حد جعلهم يكلفون أحد الفنانين برسم صورته إحياء لذكرى زيارته للمدينة. ويبدو أنّ أهالي المدينة أطلقوا على ضيفهم العربي وصف أول سفير عربي في الولايات المتحدة.
وقد دخل العرب الولايات المتحدة، مثلهم في ذلك مثل معظم المهاجرين الذين وصلوا عبر المحيط الأطلسي، عبر مركز المُعاملات في جزيرة إليس في ميناء مدينة نيويورك. وفي المعرض صورة امرأة تحمل في حضنها طفلة رضيعة بينما وقفت إلى جانبها ثلاث بنات.
وتشير الصورة إلى قصة أسرة عربية مزقتها الهجرة إلى العالم الجديد؛ فقد وصلت الزوجة أولاً مع ثلاث بنات. وجاء الزوج بعد سنوات قليلة ومعه الطفلة المتبقية. ولما تبيّن أنّ الأب مصاب بالتراكوما، الذي كان في ذلك الوقت مرضاً غير قابل للشفاء يؤدي إلى فقدان البصر، فقد حال مسؤولو الهجرة دون دخوله الولايات المتحدة، فمرض الزوج ومات على السفينة التي كانت تقله عائداً إلى لبنان.
ويظهر المعرض أن عرب الموجة الأولى من المهاجرين إلى الولايات المتحدة كانوا جميعاً تقريباً مسيحيين. ويشير المسؤولون في المعرض إلى أنّ أحد الأسباب الرئيسة للهجرة في أوائل القرن العشرين إصدار الإمبراطورية العثمانية قانوناً في عام 1908 يجعل الخدمة العسكرية إجبارية بالنسبة لليهود والمسيحيين الذين كانوا قد أُعفوا في السابق من الخدمة العسكرية. كما يظهر المعرض أن الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة وصلت الذروة في عام 1913 حين بلغ عدد المهاجرين تسعة آلاف ومائتين وعشرة أشخاص.
وجراء ذلك؛ تحول القسم الغربي من مانهاتن إلى تجمع للمهاجرين العرب، الذين ضربت جذورهم في أعماق الأرض الأميركية مع مرور الزمن.
ويضم المعرض صوراً لبائعات عربيات متجولات يعرضن بضاعتهن قرب سوق واشنطن، وهو الحي الذي أصبح يعرف فيما بعد باسم "سوريا الصغرى"، والذي اشتهر بحركيته التجارية. كما يضم المعرض صور مخازن كتبت يافطاتها باللغة العربية، وصور رجال، للكثيرين منهم شوارب طويلة معقوفة، مجتمعين حول النرجيلة يتناوبون تدخينها.
وتظهر صورة أخرى سيارة من طراز "أولدزموبيل" تتسع لسبعة ركاب تحمل رخصة من مدينة نيويورك لعام 1923. وكانت السيارة ملكاً لعائلة عريضة التي أثرت من تجارة الملابس. ويضم المعرض ملابس بينها روب منزلي من أربعينيات القرن الماضي، ومعطف سيدة من سبعينيات القرن ذاته. وقد صمم القطعتين وروج لهما مصممان عربيان أميركيان، كانا من بين الكثير من السوريين الموسرين الذين نجحوا وأثروا في صناعة الملابس.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ قد أصدر المهاجرون العرب الصحف باللغتين العربية والإنجليزية، وضمت الجالية العربية في نيويورك واحداً من أهم كتاب القرن العشرين: جبران خليل جبران. ويقدم المعرض رسالة جبران إلى الشباب الأميركيين من أصل سوري التي نشرت في أول عدد من صحيفة "العالم السوري" في عام 1926.
وفي مطلع رسالته كتب جبران "أومن بكم، وأومن بقدَركم. أومن بأنكم مساهمون في هذه الحضارة الجديدة. وأومن بأنكم قد ورثتم عن أجدادكم حلماً عريق القدم، وأغنية، ونبوءة، يمكنكم وضعها بفخر كهدية امتنان في حضن أميركا".
وكان جبران قد وضع أشهر كتبه، "النبي"، في نيويورك. وكان واحداً من عدة من شعراء المهجر الذين أنشأوا "الرابطة القلمية" التي كان لأعضائها تأثير كبير على الأدب العربي الحديث.
كما يضم المعرض ترجمة عربية لما يعرف بـ "بور ريتشارد أُلمناك"، أو تقويم ريتشارد الفقير، الذي وضعه بنجامين فرانكلن. وكان نشر هذه الترجمة تهدف إلى إدماج العرب في المجتمع الأميركي بشكل أفضل. (ق.ب)