معرض الفراعنة في واشنطن يحقق نجاحا لافتا

واشنطن - من بنجامين غروس
نجاح كبير للفراعنة، هذه المرة خارج قواعدهم المصرية

يتوقع المسؤولون في الصالة القومية للفن (ناشيونال غاليري أوف آرت) في واشنطن العاصمة أن يجتذب المعرض الجديد للآثار المصرية القديمة أو الفرعونية الذي افتتح في الثلاثين من حزيران/يونيو الماضي جماهير غفيرة تضاهي ما اجتذبه معرض "كنوز توت عنخ أمون" الذي لقي نجاحاً باهراً قبل خمسة وعشرين عاماً.
ويقدم المعرض الحالي، "إلتماس الخلود: كنوز مصر القديمة"، أكثر من مائة قطعة فنية، وهو أضخم عدد من الآثار الفنية تعيره الحكومة المصرية على الإطلاق ليعرض في أميركا الشمالية. بل إن الكثير من هذه القطع لم يعرض خارج مصر إطلاقا.
ويغطي المعرض الفترة الممتدة من عام 1550 وحتى عام 332 قبل الميلاد، أي خلال حقبة المملكة الجديدة والحقبة المتأخرة من التاريخ المصري القديم. وهو يركز في المقام الأول على المعتقدات الدينية في مصر القديمة، وعلى وجه التخصيص على المعتقدات المتعلقة بالموت والآخرة أو الحياة بعد الموت.
وقد حضر السفير المصري لدى الولايات المتحدة نبيل فهمي مراسم افتتاح المعرض وأعرب عن أمله في أن يؤدي إلى زيادة الوعي بالثقافة المصرية والتاريخ المصري عبر الولايات المتحدة.
وقال إن المعرض: "سيكون جسراً بين المصريين والأميركيين، جسر تفاهم، جسراً إلى المستقبل. وآمل أن يكون جسراً إلى مستقبل أفضل لنا جميعاً هنا في الولايات المتحدة وفي الشرق الأوسط."
أما بتسي بريان، التي تشغل كرسي دراسات الشرق الأدنى في جامعة جونز هوبكنز وعملت قيمة للمعرض رغم أنها ليست موظفة في الناشنال غاليري، فقالت إن أحد أهداف المعرض الرئيسية هو مساعدة الاميركيين على إدراك التماثل أو التشابه بين معتقدات مصر القديمة والمعتقدات اليهودية-المسيحية.
وأضافت: "إننا نساعد الناس على إدراك أنه كانت لدى المصريين القدماء ممارسات تبدو غريبة لنا اليوم، ولكنهم كانوا عمليين جداً في طريقة تفكيرهم. كان لديهم إيمان عميق بالفضيلة والمبادئ الأخلاقية وبأن المرء يحاسب على أفعاله على هذه الأرض. والحقيقة هي أنهم يكادون لا يختلفون عنا إطلاقا."
وأشار مدير الناشنال غاليري، إيرل باول الثالث، من جهته إلى أن معرض "إلتماس الخلود" يختلف عما قدمته الغاليري من معارض مصرية في السابق.
وقال: "إنه يجمع بشكل فني جَمالي بين القطع الفنية الرائعة والقصة الآسرة التي تروي ما آمن المصريون القدماء بأنه سيحدث في العالم الذي يرحلون إليه بعد الموت وكيفية إعدادهم لتلك الرحلة."
وقد تعاون أمين عام المجلس الأعلى للآثار المصرية، زاهي حواس، بشكل وثيق مع العلماء وخبراء الفن الأميركيين طوال العام الماضي على تنظيم المعرض. وأشار عليهم بأن دراسة الممارسات الجنائزية لدى المصريين القدامى توفر تبصراً أو تفهماً لمظاهر مهمة أخرى في تلك الحضارة.
وأوضح خبير الآثار المصري ذلك بالقول: "إنها، أي الممارسات الجنائزية، تتحدث عن حياة الناس. وهي تظهر كيف أن بناء ضريح واحد كان بمثابة بناء مصر. لأن بناء القبور للفراعنة دفع المصريين إلى التفكير بالفن، والهندسة المعمارية، وعلم الفلك، و...والعلوم، والعلوم التطبيقية لتحقيق خلود القبر."
هذا ويشغل المعرض طبقتين في الناشنال غاليري. وقد قسم إلى ستة أجزاء يحمل كل منها فكرة رئيسة تبرز المواضيع التالية: الرحلة إلى العالم الآخر، المملكة الجديدة، قبور النبلاء، القبور الملكية، عالم الآلهة، وقبر تحتمس الثالث.
وأول ما يقع عليه نظر الزائر عند دخول المعرض هو نموذج لسفينة خشبية نهرية لفرعون يبلغ طولها مترين وثلث المتر، أُخذت من قبر الفرعون أمنحوتب الثاني. وقد عثر على سفن مماثلة مزينة برسومات رائعة في قبور معظم الملوك الغرض منها نقل الروح إلى عالم الآخرة.
وحول السفينة منحوتات حجرية ضخمة تمثل الحكام المهمين تاريخياً أمثال الفرعونين تحتمس الثالث ورعمسيس الثاني، تعكس رغبتهم في إثبات سلطتهم في هذا العالم لرعاياهم.
إلا أن الفراعنة، كما يوضح المعرض، كانوا أكثر اهتماماً بضمان أمنهم وراحتهم بعد الموت من الحصول على التقدير الشعبي، وقد كرسوا الكثير من الوقت والموارد لتحقيق ذلك. وقد زخرت الخزائن الزجاجية الممتدة بمحاذاة الجدران عبر المعرض بحلي وقطع فنية معدنية وخزفية معقدة الصنع عثر عليها في قبورهم.
إلا أن بريان أشارت إلى أن التحدر من سلالة ملكية لم يكن شرطاً لدخول العالم السفلي أو عالم الآخرة.
وقالت: " لم يكن لدى المصريين حقاً أي تمييز من ناحية الثراء. ذلك أن أكثر الأمور أهمية كان كون المرء إنساناً صالحاً."
وتوضح معظم القطع الفنية الفكرة التي أعربت عنها بريان. فقد توزعت بين نصب الفراعنة التذكارية نماذج من قطع الأثاث والأدوات وحتى الألعاب التي عثر عليها مدفونة مع حرفيين وموظفين حكوميين في الإدارة المدنية ينتمون إلى الطبقة المتوسطة في المجتمع المصري.
ومن أكثر القطع إثارة للإعجاب ناووس خنصو، وهو حرفي أسهم في تجهيز القبور في وادي الملوك إبان عهد رعمسيس الثاني. وقد غطي سطح التابوت الحجري برسومات مزخرفة للآلهة المصرية وبمقاطع شعرية باللغة الهيروغليفية الغرض منها حماية الروح أثناء رحلتها إلى عالم الأموات.
ويعرض تفاصيل هذه الرحلة نص يعرف بـ"أمدوات" أو كتاب الغرفة السرية، يصف رحلة اله الشمس راع كل ليلة إلى العالم السفلي. وقد نُسخ النص برمته في قطعة المعرض الأخيرة المثيرة للدهشة والإعجاب: غرفة دفن أعيد بناؤها تمثل مدفن الفرعون تحتمس الثالث. ويبلغ طول الغرفة خمسة عشر متراً وعرضها تسعة أمتار وارتفاعها ثلاثة أمتار، وقد جاءت مطابقة تماماً لغرفة الدفن الأصلية بجميع تفاصيلها وحتى بنقلها خربشات أو رسومات وكتابات أجيال الزوار المتعاقبة على الجدران.
وقد قسمت كتابات الغرفة الهيروغليفية إلى اثني عشر جزءاً، يمثل كل منها ساعة من الساعات الاثنتي عشرة الفاصلة بين مغيب الشمس وشروقها. فهذه هي الفترة التي يقوم خلالها راع، مصحوباً بأرواح الموتى، برحلته إلى العالم السفلي ويتحدى أعداءه. ثم تتم مرافقة الروح إلى قاعة الحِساب حيث يقرر إله الموتى أوزيريس مصيرها.
فإذا ما التزم الإنسان في حياته بمبادئ معينة، أو الصدق واللياقة المتفقة مع العرف والتقاليد، استقبله الآلهة كصنو خالد. أما إذا ما أُثبت أن الروح فاسدة، فإنه يواجه الإدانة والعذاب الأبدي في لهيب الجحيم.
وقد أصبح المعرض أكثر معارض "الناشيونال غاليري" نجاحاً وشعبية إذ اجتذب خمسة آلاف زائر في أول أيامه ويتوقع أن يزوره نصف مليون شخص على الأقل قبل أن تنتهي فترته في واشنطن في تشرين الأول/أكتوبر القادم. وأشارت المسؤولة في ديبورا زيسكا، إلى أن المعرض اجتذب أكثر ما اجتذب الأحداث والعائلات. وأضافت أنها تتوقع أن تنظم مدارس كثيرة زيارات إليه بعد انتهاء عطلة الصيف وعودة الطلاب إلى المدارس في الخريف.
وقالت زيسكا: "أعتقد أن هناك افتتاناً كبيراً بالفن المصري القديم، وهذه فرصة نادرة لمشاهدة مثل هذه القطع التاريخية الجميلة لهذه الثقافة التي تبهرنا كثيراً."
وسيستمر معرض "التماس الخلود: كنوز مصر القديمة" في الناشنال غاليري أوف آرت في واشنطن العاصمة حتى الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، ثم يبدأ جولة تستغرق خمس سنوات وينقل أثناءها عبر الولايات المتحدة إلى متاحف في مدن بوسطن وفورت وورث ونيو أورلينز ودنفر وهيوستن.