معذرة.. أستاذي فيصل حسون

يبدو إنهم لم يسمعوا باسم هذا العلم الكبير!

منذ أيام، كنتُ في ضيافة رئيس تحرير احدى الصحف المحلية العراقية. معرفتي بالرجل بسيطة، تمت قبل حوالي شهر، يبدو انه أرادها ان تتوطد، فدعاني مشكورا ومن أرغب من الزملاء الى وليمة سمك مسكوف في احد المطاعم الراقية في عرصات هندية بغداد، لم ادع احدا معي، شعورا مني بعدم تكلفة الرجل، غير ان صديقي الجديد، جلب معه ثلة من زميلاته وزملائه في مطبوعته، زيادة في تكريمي، فأصبح عددنا تسعة.

بعد حديث المجاملة، والترحيب، عرجنا على مناسبة عيد الصحافة العراقية الذي نعيشه حالياً (15 يونيو/ حزيران). وظروف العمل الصحفي وظاهرة الإصدارات الجديدة، وتوقف بعضها وما شابه ذلك من أحاديث عادية.

وبقدر فرحي بالإلتقاء بمجموعة شابة من الصحفيين بمعية رئيس تحريرهم، بقدر ما تحول هذا الفرح تحوّل الى كابوس، لفّ انفاسي، ومزق رؤاي، حينما جئت على ذكر عمود الصحافة العراقية وعميدها، وباني مدرستها الحديثة، نقيب الصحفيين الأسبق الاستاذ فيصل حسون، فنطوا عيونهم وفغروا افواههم وعلى محياهم علامات استفهام وتعجب!

يبدو إنهم، لم يسمعوا باسم هذا العلم الكبير!

تصوروا رئيس تحرير صحيفة عراقية يومية، لم يسمع باسم "فيصل حسون" معنى ذلك ان حال التدني بمعرفة حقائق التاريخ الصحفي، وصلت الى درك لا يسمح المقام بذكره، احتراما للقارئ الكريم .. كيف يجروء شخص، على تولى رئاسة تحرير جريدة عراقية، ولا يلمّ بأسماء وشخصيات صحفية عراقية لها مكانة محلية وعربية ودولية واسعة الانتشار؟

وانني اتساءل: كيف يكون حال هذا الصديق "الجديد" حين يسأله احد الأشخاص عن الصحافة، او يتصدى له اعلامي من احدى الاذاعات او الفضائيات، للحديث عن الصحافة العراقية وتاريخها ..؟

عذراً سيدي ابا رجاء، استاذي فيصل حسون ان نسيك بعض من يعمل في الصحافة العراقية، فالحال اصبح شاملاً ففي الذاكرة فقط الهامشيون، فيما ابتعدت اسماء من جذروا الوعي وبنوا تجربة ثرة وعميقة في الحياة.

من دنف الروح والأسى واللهفة، ومن ترنّح الدموع في العيون والقلوب والعبرات في الأوردة، اقول للجبل الاشم استاذي فيصل حسون، لا تبتئس، فجيل الجهالة الى زوال حتما، ولا يصح إلا الصحيح، وتبقى أنت تاريخ في الصحافة والإنسانية، لك العمر المديد بإذن الرحمن. فما زال تلامذتك، وانا منهم، يذكرونك، ويستذكرونك على الدوام، ولو تدري كم يستعر فيّ الشوق الى رؤياك وسماع صوتك، فأندفع على الدوام الى مكالمة شقيقك الصديق عبدالعزيز حسون في الهاتف، وفي احايين اشتاقك، فأزوره، قانعاً نفسي بأنني التقيتك!

حدثني مرة سجاد الغازي (ربما لم يعرفه ايضا من استضافني) عن فيصل حسون، الذي تربى الغازي صحفياً على يديه، حديثاً يبدو غريباً عن صحفيي اليوم وصحافة اليوم، ذاكراً ان فيصلاً كان هادئاً، هادياً، وادعاً، متواضعاً. كان طاقة فائقة وخالقة ومحباً للعاملين معه وكان إذا حصل على ثناء لموقف صحفي فإنه سرعان ما يعزيه الى العاملين بمعيته، وقد تعلمتُ (يقول الغازي) من الأستاذ حسون الصبر وقوة الاحتمال والتفاؤل حتى في أشد الأزمات، فقد كان يبشر بالخير في الأوقات العصيبة ويرى النور وسط الظلام ويرد على الشر بالخير ويواجه الطعنات بالتسامح والغفران.

اكرر اعتذاري استاذي ابا رجاء، ان نقلت لك حالة عن بعض من يتسيد الصحف المحلية حاليا، وتقبل مني تهنئتي بعيد الصحافة التي كنت من بناتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي .. ولكل الزملاء الأصلاء أقول: عيدكم مبارك.