معجم رائد لمصطفى عبدالغني

كتب: أحمد فضل شبلول

هذا جهد عظيم قام به بمفرده، الصديق الدكتور مصطفى عبد الغني الذي قضي خمسة عشر عاما ـ كما قال لي ـ يعمل ويكد ويكدح في سبيل أن يخرج هذا المعجم العربي الأول من نوعه ـ والذي قارب على الألف صفحة ـ إلى النور.
بتواضع شديد يقول مصطفى عبد الغني إنها محاولة تسعى ـ لبكارتها ـ إلى التأسيس أكثر من توخي الكمال أو ـ حتى ـ زعم النضج.
لقد حاول صاحب هذا المعجم ـ عبر محاولته الرائدة ـ السعي إلى المصطلح عبر المعنى العام أو الموضوع للحصول على ألفاظ وعبارات تقع تحت العين في الفترة الحديثة والمعاصرة، مما يفيد في الحقل المعرفي.
الاهتمام إذن بالحقبات والتاريخ والتعريب والسياق والدلالة، كان هو الهم الأول لهذا المعجم وصاحبه، على عكس بعض المعاجم الأخرى التي اهتمت باللغة فحسب، ذلك أن للغة قواميسها ومعاجمها منذ القرون الأولى الهجرية، واللغة لها منظروها كاشتراوس وكوللر وسلدن وبارت وغيرهم في الحقب الأخيرة، والاهتمام إذن بالتاريخ والتعريف والسياق والدلالة هو ما يجب أن يكون الغاية الأولى لمعاجم اليوم.
ومن ثم كانت مثل هذه المعاجم لابد أن تصدر عن نظرية في تأليف المعجم، أو عن شعور بنقائص المعاجم العربية الأخرى، أو عن رغبة في تأليف معجم جديد، أو عن إدراك قائم على وعي عارف بالبعد التاريخي في علاقته باستعمال الكلمة من جهة جواز أن يتطور معناها الأول من حيث المفهوم والاستعمال وفق أطوار تاريخية للكلمة.
وعلى ذلك فإن "معجم مصطلحات التاريخ العربي الحديث والمعاصر" للدكتور مصطفى عبد الغني، ليست وظيفته مع الألفاظ بقدر ما هي عرض وتحليل للفظ ووضع سجل تاريخي له، وليست وظيفته النقل من المعاجم السابقة بقدر ما هي تدرج باللفظة عبر التاريخ في ضوء تراثنا اللغوي والإسلامي بصفة عامة. كما أن ليست وظيفته تخطي أو تجاوز حدود المستوى الفصيح في جميع الألفاظ وعرضها للمستوى العامي، إلا بقدر ترويض العامي ورده إلى دائرة الفصحى. أيضا ليست وظيفة هذا المعجم مقصورة على تأصيل، معالجة المادة المتدفقة من بين أسوار عصور الاحتجاج، بل ممتدة لتواكب اللغة عبر الأزمان معتمدة على محور واحد هو السلامة اللغوية، وعدم الخروج على النهج العربي الأصيل.
ثم إن هناك بدهية لابد من الإشارة إليها، هي أن هذا المعجم ينتمي إلى العلوم الإنسانية في المقام الأول، وهو يعبر ـ في الوقت نفسه ـ عن العقل الجمعي العربي، لا العقل القُطْري.
وعلى ذلك فإن هذا المعجم يحتوي ـ بعد المقدمة ـ على مسرد بالمصطلحات العربية في المعجم مرتب ألفبائيا، ثم المصطلحات التاريخية نفسها، ثم قائمة مختارة بالمصادر والمراجع، ثم الملاحق والمصطلحات والكشافات. وتعريف بالمؤلف. ولنأخذ مثالا بمصطلح التطبيع Narmalization يقول المؤلف: عُرف التطبيع في الحالات العادية على أنه علاقة ندية بين طرفين متفقين، غير أن تداول المصطلح في الحقبة الأخيرة ارتبط بمدى الاتفاق أو الافتراق مع العدو الصهيوني، مما أعاد المصطلح إلى تعريف مغاير يرتبط بالممارسات غير العادية بين الشعوب العربية وإسرائيل. بين طرف يسعى لارتكاب إي إجراء معاد باسم الاستيطان و(الأمن) وطرف يسعى للحرص على أرضه وكرامته ووعيه بعبارات مخادعة لدى الطرف الآخر المخادع.
لقد أصبح مصطلح التطبيع Narmalization يشير إلى مفهوم واحد هو الذي تتبناه إسرائيل، ويذهب إلى أن التطبيع السياسي والاقتصادي بينها وبين الأقطار العربية يظل شرطا أساسيا لتحقيق السلام في الشرق الأوسط. سلام إسرائيل فقط، وبالسلاح الذي تختاره.
وهنا نفتح قوسا لنلاحظ فيه تعمد استخدام لفظة (الأقطار) وليس الوطن العربي، كما أن السلام الذي تتبناه إسرائيل إنما يتم في "الشرق الأوسط"، وليس بين هذا الوطن العربي أو حتى الأقطار العربية معا، بما يذكرنا بخداع شيمون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد" بما يحتويه من تحويل المنطقة إلى أقطار ونجوع وقرى وأسواق ورأس مال وعمالة من أجل الرأس التقني الموجه القابع هناك في عاصمة إسرائيل.
وتأمل المصطلح أكثر يضع بين أيدينا خللا أساسيا فيه: إن التطبيع السياسي والاقتصادي لن يتم بين بلدين طبيعيين؛ وهو الأمر الذي لا يتوفر بالضرورة في الجيب الاستيطاني الصهيوني بسبب شذوذه البنيوي، فالدولة الصهيونية ـ كما تلاحظ الموسوعة الصهيونية اليهودية ـ لاتزال تجمعا استيطانيا، وليس دولة للمواطنين الذين يعيشون داخل حدودها بأية حال.
نخلص من هذا إلى أن التطبيع الذي يُفرض علينا، إنما هو شرط إسرائيلي لتأكيد (الأمن) بالطريقة التوسعية والعنصرية، وليس بحثا عن إقامة علاقات بين دولة تنحو إلى حسن الجوار، أو دولة تبحث بحق عن السلام.
الأكثر من هذا ـ يقول المؤلف ـ إن مفهوم التطبيع نفسه بدأ يتخذ في الفترة الأخيرة مفاهيم أخرى مخادعة كالتطبيع الثقافي (!) وأصبحنا فإذا بنا أمام تغييرات حادة في استخدام المفهوم، لقد تحول مفهوم التطبيع في تنويعات كثيرة منها: التطبيع الثقافي، وثقافة السلام، بل أفرخ هذا كله مفاهيم كثيرة بدأنا نلاحظها على المستوى العالمي أو المحلي، فإذا بنا نسمع عن ندوات تحت اسم مفاهيم التسامح مرة وقبول الآخر مرة ثانية، وحوار الحضارة مرة ثالثة، بل وحوار الأديان وحرية الاختلاف إلى آخر هذه المفاهيم الخادعة، بقصد واحد هو خداعنا وإقناعنا أن مفهوم التطبيع السياسي والاقتصادي المعادي ليس غير مفهوم حضاري يجب الأخذ به.
لقد تراجع مفهوم التطبيع أو أعيد إنتاجه عبر مفاهيم أخرى أصبحت تورد إلينا بأشكال متحضرة.
والسؤال الذي يلح علينا هنا هو: هل انطلى هذا الخداع على مثقفينا ونقاباتنا المهنية ونقابيينا العقلاء؟
يظل جزءا من الإجابة ـ كما يقول المؤلف ـ أنه لم ينطلِ علينا بالقطع. ونظرة عجلى إلى اتحادات الكتَّاب في عمَّان أو المغرب أو مصر، تشير إلى هذا والجمعيات العمومية في كل نقاباتنا المهنية تشير إلى هذا، بل أن هناك لجنة كويتية منبثقة من مجلس الأمة الكويتي (المقاومة للتطبيع) تشير إلى هذا.
وآخر رد فعل واع لكشف مثل هذا الخداع نجده في الموقف الشجاع لدى "التنسيقية الوطنية المناهضة للتطبيع مع إسرائيل" في الجزائر.
***
هذا مصطلح من مئات المصطلحات الواردة بمعجم مصطفى عبد الغني.
قس على ذلك كلمات اصطلاحية أخرى مثل: التطور، والتنوير .. الخ في حرف التاء، ، والحروب الصليبية، والحرب اللبنانية، وحرب يونيو 1967، وحركة القوميين العرب .. الخ في حرف الحاء، وموقعة العلمين، ومعاهدة لندن 1840 .. الخ في حرف الميم، ونشيد قومي، ونظرية التناظر، ونقوش الانتفاضة .. الخ في حرف النون، واليد السوداء، واليوميات، واليهودية، ويهود البلاد العربية، .. الخ في حرف الياء.
هذا غيض من فيض "معجم مصطلحات التاريخ العربي الحديث والمعاصر" الذي صدر منذ أسابيع قليلة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، ووقع في 964 صفحة من القطع الكبير. وهو مجهود يستحق عليه المؤلف الشكر والثناء، والتهنئة الخالصة.
وأتوقع أن يقابل جهده هذا بنوع من الاحتفال والتكريم، على الأقل من جامعة الدول العربية التي كان من المفروض أن تتولى القيام بمثل هذه المهمة، فهو جهد غير عادي، سيخلد بلاشك صاحبه. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية