معجم الألوان .. قراءة في ضوء المعجمية الحديثة

معجم الألوان للدكتور زين الخويسكي محاولة جادة لجمع ما ورد عن الألوان في التراث العربي القديم.


المعجم يبين كيفية فهم القدماء للون أو تفسيره وأثره على النفس


طريقة تناول المفردات في المعجم المتخصص؛ كالمعاجم الطبية والهندسية والرياضية، تكتفي غالبا بالسرد، وإن كان بعضها يسهم بالشرح والتعليل

إن قراءة عملا لغويا ثريا كمعجم الألوان في اللغة والأدب والعلم للدكتور زين الخويسكي تثير رغبة ملحة في محاورة هذا المعجم الفريد، والكشف عن آلياته المنهجية، والوقوف على قيمته في ضوء المعجمية الحديثة.
وعلم المعاجم  lexicology  كما يقول هارتمان واستروك في كتابهما:
Dictionary in language and linguistics فرع من فروع علم اللغة، ينهض على دراسة المفردات من ناحية معناها، وتحليلها، وتصنيفها.
وقد فرق الدكتور حلمي خليل في كتابه "مقدمة لدراسة علم اللغة" بين علم المعاجم، والفرع التطبيقي له، أي فن صناعة المعاجم lexicology الذي يختص بدراسة أصول المعاجم، والأسس التي تقوم عليها، وأنواعها.
فهناك المعاجم أحادية اللغة، والمعاجم ثنائية اللغة، والمعاجم متعددة اللغة؛ وإذا نظرنا إلى المعاجم أحادية اللغة، ينبغي لنا أن نفرق بين المعجم العام والمعجم المتخصص. فالمعجم العام؛ كاللسان والصحاح والوسيط والوجيز وغيرها، يقوم على سرد المفردات وفق نظام أشكالها الهجائية مع تحديد دلالتها. وهو يعتمد على تقديم معلومات نحوية وصرفية وتركيبية عن المفردة. كما يقدم أحيانا معلومات لغوية عن استخدام الألفاظ في مجالات سياقية مختلفة.
أما المعجم المتخصص؛ كالمعاجم الطبية والهندسية والرياضية، فإن طريقة تناول المفردات فيه تكتفي غالبا بالسرد، وإن كان بعضها يسهم بالشرح والتعليل.
ويثير جيفري ليتش في كتابه "semantics" إلى عدد من المحاولات التي سعت في نطاق دراسة المفردات vocabulary إلى عمل مجموعات من الكلمات التي تتصل فيما بينها بفكرة محددة، أو تعبر عن نشاط إنساني ثابت لا يتغير بتغير اللغات.
ولقد سبق هذا الصنف من المعاجم المتخصصة في تراثنا العربي غيره من المعاجم العامة، خلال تلك الرسائل اللغوية والكتيبات التي تعالج موضوعا معينا مثل: كتاب الخيل، وكتاب البئر، وكتاب المطر، وغيرها مما يسمى في علم اللغة المعاصر "المجال الدلالي".

الخويسكي نجح في أن ينقلنا إلى عالم الألوان عبر دقائق العبارات التي تزخر بها اللغة العربية، والتي تصف الألوان وتدرجها من التظليل إلى التشبع

ولقد كان للأستاذ الدكتور زين الخويسكي إسهاما مبكرا في دراسة المجالات الدلالية؛ إذ أصدر سنة 1987 كتابه "في المجالات الدلالية في القرآن الكريم" وهو من أوائل الكتب التي عرضت لهذه القضية مطبقة على النص القرآني مقترحا فيه عمل معجم للقرآن الكريم في ضوء المجالات الدلالية. ثم قدم لنا معجم الألوان في اللغة والأدب والعلم سنة 1992 والذي استقبلته الأوساط العلمية بترحاب شديد في مصر والعالم العربي.
وفي هذا المعجم محاولة جادة لجمع ما ورد عن الألوان في التراث العربي القديم، وكيفية فهم القدماء للون أو تفسيره وأثره على النفس؛ مع محاولة لرصد الألوان في الإنتاج الفكري الحديث عبر دراسة استقرائية شاملة للمعاجم الحديثة والقديمة معا.
ومن ثم كان في هذا المعجم سد لحاجة اللغة العربية إلى معجم عربي أصيل ومتكامل للألوان؛ إذ أنه يستخرج من المعاجم العربية القديمة مادته اللفظية الضخمة التي بلغت ستة آلاف مادة، بالإضافة إلى بعض المعاجم الفرنسية والإنجليزية، مصنفا ذلك كله على نحو يسهل التعامل مع المعجم وييسر الاستفادة من مادته.
وقراءة الآلية المنهجية التي يقوم عليها مثل هذا المعجم، تنفتح على ثلاثة مباحث رئيسة:
أولا ـ مواد المعجم ونوعية كلماته:
ينبغي أن نسأل أنفسنا بداية عن نوعية الكلمات التي يمكن أن تدخل في معجم للألوان. إن المتتبع للمحاولات العربية القديمة في التصنيف اللوني لا بد أن يقف عند "كتاب الخيل" لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت 209 هـ). وقد تجاوز فيه مؤلفه الصفة اللونية للخيل إلى المصدر من حيث هو لون، ثم خرج من ذلك إلى ما نسميه اليوم بالدرجات اللونية، فمن ذلك ما يذكره أبو عبيدة عن درجات (الدهمة)، فيقول: "فمنهم أدهم غيهب، وأدهم دجوجي، وأدهم أكهب" ثم يتعامل مع هذه الدرجات بوصفها ألوانا مستقلة محددا ماهيتها قائلا: "فأما الغيهب فأشدهن سوادا، والدجوجي دونه في السواد وهو صافي اللون، والأكهب الذي لم يشتد سواده، ولم يصف لونه". 
ومن الواضح أن هذه الألفاظ تدل على ألوان متميزة بعضها عن بعض مما يعد تنوعا وثراء تفتقر إليه بعض اللغات كالإنجليزية التي لا تستطيع أن تعبر فيها عن درجات اللون إلا باستخدام الأعداد، كأن تقول  Black  no 1,2.3.. وللعربية فضلا عن ذلك التنوع إمكانات خاصة في تحديد اللون عن طريق الصفة، فنقرأ في كتاب "الملَّمع" للنفري أن "العرب عمدت إلى نواصع الألوان فأكدتها، فقالت: أبيض يقق، وأسود حالك، وأحمر قاني، وأصفر فاقع، وأخضر ناضر".
ومن ثم لم يكن غريبا أن يجمع معجم الألوان في مواده بين اللون وصفاته، وبين الموجودات ذات الألوان المميزة، كأن يجمع بين حلكة السواد في الحديث عن الليل أو الغراب، وبين جماعة الآباش التي يعرفها المعجم بأنها: شعب هندي أحمر.
ولقد حاول هذا المعجم أن يرصد ما يقع عليه من الألوان، وما يتصل بها من كل ما فيه لون من نبات أو حيوان أو جماد أو مركب كيميائي؛ فضلا عن بعض التعبيرات الواردة في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، كالبيت الأبيض أو القبعة الخضراء أو الضوء الأحمر وغيرها، معتمدا في ذلك على الاستقراء التام لعدد من المعاجم اللغوية والموسوعات العلمية القديمة والحديثة دون أن ينشغل بمستويات الفصاحة والتوليد في اللغة على ما يظهر من عنايته بالألوان المستحدثة الشائعة على ألسنتنا اليوم وحرصه على دخولها في معجمه.
ثانيا ـ منهج المعجم في ترتيب مواده وتبويبها:
يلحظ الناظر إلى المراحل التي مر بها وضع المعجم العربي، أن مناهج المعجميين العرب تتلخص في ثلاث مراحل:
أ‌.     الطريقة التقليبية Anogramatical Order وهي الطريقة التي ابتكرها الخليل وسار عليها كثيرون من بعده، منهم ابن دريد والأزهري والقالي والزبيدي وابن سيده، وهي تعتمد على مخارج الأصوات في ترتيب مواد المعجم تبعا لأعماقها.
ب‌.    الطريقة القافوية، وتعنى بتنظيم الكلمات وفق أواخرها تيسيرا على طلاب القوافي والسجعات، وقد سار عليها الجوهري والفيروزابادي وابن منظور وغيرهم.  

dictionary
شواهد الخويسكي في معجمه غنية ومتنوعة

ت‌.    الطريقة الأبجدية، وهي التي ترتب فيها الكلمات وفق أولها وثانيها وثالثها؛ وقد سار عليها ابن فارس إلى حد ما، كما التزمها الزمخشري والبستاني والشرتوني وغيرهم.
 ولنا أن نلاحظ أن لكل ترتيب خصائص وأغراضا وضع لها؛ فيخدم الترتيب التقليبي علم الأصوات اللغوية phonology ويعين الترتيب القافوي على السجعات والقوافي. أما إذا كنا نهدف إلى معجم شارح فإنه من الأسهل أن نتبع ترتيب الأبجدية العادية؛ ومن هنا كان التزام الدكتور الخويسكي بمنهج الأبجدية في ترتيب معجمه جريا على ما انتهجه مجمع اللغة العربية القاهري في الوجيز والوسيط.
ولقد كان الخويسكي واعيا في ترتيب مواد معجمه بطبيعة اللغة العربية كواحدة من الساميات التي تؤلف أصولها من حروف صامتة، وتشتق منها الصيغ بتغيير الحركات وإضافة مجموعة من الأصوات تعرف بحروف الزوائد؛ وهي لا توضع في الحساب عند ترتيب المفردات في المعاجم السامية، على عكس المعاجم الأوربية التي تسمح طبيعتها بذلك. وعلى هذا فكلمات مثل: "الأجحم، والجحمة، والجوحم" تجدها جميعا في معجم الألوان تحت مادة (جحم).
وكان من منهجه في ترتيب المفردات أن وضع الفعل المضعّف الثلاثي في أول المادة، وردَّ الرباعي المضعَّف إلى الأصل الثلاثي ملتزما في ذلك قاعدة رد كل كلمة إلى أصل ثلاثي. وعنى في كثير من المواضع بذكر البيانات المتعلقة بالمادة كالنوع والعدد لما في ذلك من أهمية تتصل بالمادة ذاتها. كما اشتمل المعجم على بعض الألفاظ الدالة على اللون في صورتها المركبة مثل: "توت الأرض" و"قرد النوبة" و"الشحوب اليخضوري" و"مداد الحبر" وغيرها.
وإذا كان صاحب معجم الألوان قد أهمل في بعض الأحيان أصل مادته أو مشتقاتها الصرفية، فمرد ذلك في رأيي إلى أنه كان معنيا باللون أو بالمفردة المتعلقة به دون غيرها؛ فهو حينما يورد في أول باب الذال كلمة "الذباب" ويعرفها بأنها نُكْتَةٌ سوداء في حوف حدقة الفرس، فهو حينئذ معني بالمادة اللونية فحسب، ولا يشغله أن أصل المادة يرجع إلى الفعل الثلاثي المضعف "ذبّ" بمعنى دفع، وأن منه الذَّبّ والمذبة والذاب، لأن كل هذه المواد لا تمثل لونا أو تشتمل على لون، ومن ثم لا فائدة من إيرادها بين مواد معجم الألوان.
ثالثا ـ منهج معجم الألوان في تعريف المادة وشرحها:
راعى الدكتور الخويسكي في شرح مفردات المادة اللونية وتعريفها وضوح العبارة وإفادتها. وإذا كان كثير من هذه المفردات قد حفظ لنا في معاجمنا القديمة والحديثة مشروحا مفسرا؛ إلا أن هذه الشروح قد جاءت في بعض الأحيان غامضة العبارة، فاستطاع الخويسكي أن يضعها من جديد في عبارة أسهل تميل إلى الإيضاح.
وكان من شأن المعجم أن يذكر المرادف الإنجليزي أو الفرنسي للمادة اللونية في كثير من الحالات ليتيسر على القارئ الرجوع إلى الأصل الأجنبي للمفردة عند الحاجة إليه.
واعتمد المعجم في غالب مواده على الشاهد مدعما لشروحه وتعريفاته مؤكدا عليها. وشواهد الخويسكي في معجمه غنية ومتنوعة، إذ يستطيع القارئ أن يحصي في باب واحد هو باب "الباء" ـ وبه مائة وخمسون مادة لونية ـ مائة وسبعة وستين شاهدا شعريا فقط دون غيرها من الشواهد القرآنية والنبوية والنثرية التي يحتج بها، ويشرح على أساس منها مواد معجمه.
وعلى كل فقد جرى الدكتور الخويسكي في ذلك كله على حسن الجمع وصحة النقل، وضبط التبويب، مع العرض الميسر. وتميز بسعة اطلاعه، وغزارة مقروءه من التراث العربي قديمه وحديثه، فضلا عن آثار الفكر الغربي؛ فاستوعب ولخص، وغاص في أعماق مصادره، فاكتسب معارف جمة انعكست بوضوح على معجمه الضخم بالنسبة لمادته (ست الآف مادة لونية) حتى استطاع أن يقدم لنا أغنى معجم لوني في مكتبتنا العربية، ونجح في أن ينقلنا إلى عالم الألوان عبر دقائق العبارات التي تزخر بها اللغة العربية، والتي تصف الألوان وتدرجها من التظليل إلى التشبع.