معارك السَّلفية الوهابية مع الدولة التركية

محاولة سحب الغطاء الشرعي من الخلافة العثمانية

كانت الدولة التركية القديمة -ممثلة في الدولة العثمانية- أولى الدول التي وقفت من السلفية في إطارها الماضوي غير التقليدي، موقفًا عنيفًا وناصبتها العداء، والتي كانت ممثلة -بشكل رئيس آنذاك- في سلفية الشيخ محمد بن عبدالوهاب النجدي، كنتيجة لما أثارته من لغط كبير وغير مسبوق في محيطها الجغرافي وخارجه، وخاصة أنها دشنت لتتعدى إطارها المحلي إلى الآخر الإقليمي، في إطار يمكن اعتباره أمميًا بالأساس، مما دفع بالدولة العثمانية القديمة في آخر قرنين لها إلى أن تسعى لوأدها في مهدها، وتحول بينها وبين تمددها، لشعورها بأنها تسعى لسحب الغطاء الشرعي عنها.

فيما يوضح الكاتب التركي إسلام أوزكان ماهية السلفية التي كانت تتموضع في الدولة العثمانية ومحدداتها ومضامينها، والتي كانت تختلف جملة وتفصيلًا عما طرحه -بعد ذلك- الشيخ محمد بن عبدالوهاب، إذ إن تاريخ الفكرة السلفية في عهد الدولة العثمانية يمتد إلى حركة تسمى قاضي زادة ليلر (أبناء القاضي)، وهو التيار الذي كان السمة المميزة للقرن السابع عشر في المجال الديني -العثماني- بسبب أفكاره وممارساته المتشددة.

تيارات فكرية

كانت هناك ثلاثة تيارات فكرية في الدولة العثمانية، من حيث التفكير والفهم الديني للنصوص حسب المصادر التاريخية، الأول: التيار الصوفي الذي يتمثل في الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الأندلسي، والثاني: التيار الذي يمثله عالم وإمام ومفسر شافعي هو فخر الدين الرازي، العالم الموسوعي الذي امتدت بحوثه ودراساته ومؤلفاته من العلوم الإنسانية اللغوية والعقلية إلى العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب، الفلك، والثالث: التيار السلفي الذي يتمثل في حركة "قاضي زادة ليلر" وعالم الحديث "أمام بركيوي" الذي عاش قبل مئة سنة من نشوء هذه الحركة.

ويذكر أوزكان أنه لا يعرف مدى تأثر هذا التيار من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن القضايا الرئيسة التي ناقشها قاضي زادة ليلر "محمد أفندي" وأنصاره، كانت تشمل: التعامل مع العلوم المبنية على العقل وما إذا كان الخضر (عليه السلام) على قيد الحياة، وجواز قراءة القرآن بالألحان من عدمه، وجواز الرقص في الأذكار وجواز التصلية والترضية (الصلاة على محمد والدعاء برضاء الباري عن صحابة النبي) ومدى جواز تدخين التبغ من عدمه، وإيمان والدي النبي، مع جواز القبول بإيمان فرعون، وعما إذا كان يجوز تكفير الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، واللعنة على يزيد، وما إذا كان من الممكن التخلي عن التقاليد والأعراف التي نشأت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وعما إذا كان يسمح بزيارة الضريح، وعما إذا كان يمكن الصلاة بالجماعة في ليالٍ مباركة مثل ليلة القدر، والبراءة، وجواز شرب القهوة... إلخ.

ويطلق أوزكان رؤية مفادها أن التيار السلفي ظل في الدولة العثمانية وبعد انتقاله إلى الجمهورية التركية الحديثة هامشيًا، وتعذر أن يحتل مرتبة متقدمة في الفكر الإسلامي. وعند النظر إلى العصور التي تشهد صعود السلفية إلى القمة، نرى أنها تصادف الفترات التي تتزامن مع انهماك الشرائح الشعبية من المجتمع في الأذواق، والتسيب الديني والأخلاقي وعدم الالتزام .

التمرد على الخلافة العثمانية

على الضفة الأخرى في المشرق العربي، وتحديدًا في شبه الجزيرة العربية، ظهرت الدعوة الوهابية -كمذهب وأيديولوجية عقائدية- على يد رجل يدعى الشيخ محمد بن عبدالوهاب في منطقة نجد، على حين غفلة من الدولة العثمانية وبعيدا عن أعينها، وتمكن ابن عبدالوهاب ودعوته من تأسيس نواة له أو ما يشبه الإمارة سنة 1744.

لم تمض بضعة أعوام من ظهور الوهابية بشبه الجزيرة العربية، حتى نجحت في عقد مصاهرة مجتمعية في شبه الجزيرة، ملتحمة مع القاسم المشترك بينهما، من خلال طابعهما البدوي والعشائري، ومن ثم تكوين قاعدة نشطة وقوية.

وصلت أنباء صعود نجم الشيخ ابن عبدالوهاب ودعوته الجديدة إلى الوالي العثماني بمكة في ذلك الوقت: الشريف مسعود، والتفت إلى أن ثمة أمرًا دينيًا من شأنه أن يثير القلاقل على الحالة الدينية هناك، وخلق حالة من الفتنة التي قد تعصف بالوجود العثماني داخل الأراضي الحجازية، فبادر شريف مكة بمخاطبة الباب العالي، باحثًا عن حل سريع وناجز أمام هذه الظاهرة الجديدة التي تضرب أبواب ولايات الدولة العثمانية، في أشد المناطق حساسية وقدسية، لدى جموع المسلمين في أصقاع العالم.

لقد أرسى فكر ابن تيمية وتلميذه محمد بن عبدالوهاب صورًا تراثية ثابتة في المخيلة الجمعية للأمة، عبر التركيز والتشديد على التوحيد، فالشهادة ليست كافية في حد ذاتها، وإن قراءة القرآن على الأموات بدعة والتشفع بالنبي –أيضا- والنذور والذبح وما إلى ذلك، فهي أمور شركية بالأساس والمظاهر الطقوسية الأخرى مثل المسبحة والتمائم وما إلى ذلك، ووقفوا لمظاهر العثمانيين في مكة والمدينة وناصبوها العداء، خاصة بعد ما جعلت قبور الصحابة متساوية بالأرض وإخفاء ملامحها، بخلاف الهيئة القديمة التي كانت عليها.

فبدا الخطاب بمثابة خطاب تحذيري من تلك الدعوة الوهابية، وكان لها وقع الأثر في تشكل الوعي العثماني التركي تجاهها، وأصبح التعامل معها كنوع من حالات التمرد -التقليدية- على الدولة العثمانية والخلافة، إلا أن ما يميزها -هذه المرة- هو غطاؤها الديني الذي تتحرك من خلاله، ورمزية قائدها "الدينية" وليست "العسكرية".

في موازاة ذلك، أرسل الخليفة العثماني محمود الأول جوابًا، أو ما كان يطلق عليه "الآمر السلطاني"، جاء على النحو التالي:

"أمر إلى أمير مكة المكرمة حاليا الشريف مسعود دام سعده، لقد ظهر شخص سيئ المذهب في (العيينة) وهي إحدى قرى نجد في جهة الشرق، وقام بإصدار اجتهادات باطلة ومخالفة للمذاهب الأربعة ونشر الضلالة والترغيب بها، وبناء على إعلامكم إيانا واقتراحكم السابق، فإن عليكم المبادرة إلى زجر وتهديد المفسد المذكور وأتباعه بمقتضى الشرع المطهر وإمالتهم إلى طريق الصواب، أما إذا أصروا على ملعنتهم فإن عليكم إقامة وتنفيذ الحدود الإلهية الواجبة شرعا".

دلل المرسوم العثماني المرسل من قبل الخليفة على أن خطابات الشريف مثلت أهمية كبيرة لما عكسته من تصور عن تلك الدعوة الوهابية الجديدة، التي تخرج من قلب أهم البقاع في الدولة العثمانية المترامية الأطراف، وهو ما دفع الوالي إلى أن يبادر بالإسراع بالرد واتخاذ التدابير اللازمة أمام الرجل ودعوته الجديدة، التي تتراوح –حسب فهم الخليفة العثماني– بين التشدد والإلحاد، ولا يفهم كيف جمع الخليفة بين النقيضين، إلا أن الرسالة عكست فهما إيجابيًا ورؤية إسلامية لا يمكن القفز عليها، تتواءم مع مكانته الإسلامية.

دور عبد العزيز بن محمد

في خضم هذه التحولات التي انتابت الدولة العثمانية وشبه الجزيرة العربية، برز نجم الفتى عبدالعزيز الأول بن محمد بن سعود ومشروعه الدولاتي المغلف بالإطار الشرعي، الذي يستمد قوته من الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأدبياته، تحت ما يسمى بالدعوة الإصلاحية في شبه الجزيرة العربية بأكملها، وبالفعل بدأت تتوسع الدولة الوهابية الوليدة وتواءمت مع المجتمع القبلي، وأصبحت حاضنة رئيسة له، فالتهمت الجزيرة العربية، وعبر المكون العشائري والقبلي تغلغلت في سوريا والعراق، وحتى في آسيا الوسطى خارج العالم العربي، وجنوبا حتى في عمان، وغربا في الحجاز، وشمالا في العراق، وشرقا في الأحساء.

بالفعل وبعد جهد جهيد من مثابرة ومجاهدة من رجال الوهابية وآل سعود، ومع بدايات القرن التاسع عشر، امتدت الدولة السعودية الوهابية من البحر الأحمر حتى الخليج العربي، ومن عمان حتى بلاد ما بين النهرين، وقد حاولت الدولة العثمانية -مرات عديدة- إيقاف توسع الدولة الوهابية، إلا أنها لم تنجح.