مظاهر 'العلمانية' في عصور الازدهار العربي

بقلم: رائد قاسم
العصر العباسي والأندلسي نموذجا

عندما استقرت الأوضاع واستثب النظام السياسي وبقية الأنظمة المركزية في الدولة العربية التي أنشئها النبي محمد (ص) سنة 622، كان من الطبيعي أن تتجه الأمور إلى الإعمار والبناء والتشييد، وكانت هذه العناصر المتمثلة في ما يكن تسميته بالبناء الحضاري بحاجة إلى الاستعانة بالنتاج العلمي والحضاري للشعوب والأقوام الأخرى، وهو ما يتطلب استقرارها بين المسلمين لنقل خبراتها وعلومها ومعارفها، هذا الاستقرار بحاجة إلى منحها حرياتها وحقوقها والقدرة على ممارسها أنماطها الاجتماعية والثقافية والدينية، حتى تسهم بفاعلية في عمليات البناء الحضاري، وهو ما يتطلب وضع نظام حقوقي وقانوني يشملها ويمنحها كافة متطلبات استقرارها ومساهمتها الايجابية في المجتمع، وبالتالي فإن الأحكام الشرعية والقوانين الدينية يجب أن تكون جزءا من النظام العام، وأن تكون محدودة ومقتصرة على جوانب محددة من الحياة العامة، بينما تشرع النسبة الأكبر من عناصر النظام العام على أساس الاحتياج الفعلي للمجتمع، وبناء على متطلبات ازدهاره وتطوره الحتمية، وهو ما عرف ضمنا في نهاية الأمر بـ "العلمانية"، وهي كلمة لا أصل لها في لغة العرب، ولا تدل على شي معين في حد ذاته، إلا أنه يقصد بها جعل القيم الروحية والدينية تمثل جزءا محدودا من النظام العام في المجتمع، بغية استيعابه لمختلف أطياف التنوع الاجتماعي ومنح أفراده وجماعاته وتياراته فرصة واسعة للإنتاج والإبداع، في إطار من القيم الكلية المتفق عليها بين أبناء المجتمع.

فمنذ البداية لم يكن الدين سوى نظام من عدة أنظمة لا بد منها لاستكمال البيئة البشرية وضمان استقرار نظمها وعناصرها ومؤسساتها، وتكمن وظائفه الأساسية في ضبط النظام الأخلاقي والروحي، لذلك لم تخلُ منه أية حضارية بشرية على وجه الإطلاق، وقد طرأ على الدين كغيره من الأنظمة المكونة للبيئة البشرية عوامل التغير والتحول والتطور والتبدل، فظهر على مر تاريخ البشرية مئات الأديان، وجميعها انقسمت إلى عشرات المذاهب والملل والطوائف ومنها الإسلام والمسيحية واليهودية.

ولعل أهم فترتي ازدهار للعرب تركزت في العصرين العباسي الأول والأندلسي في فترة الخلافة الأموية، حيث شهدت كل من بغداد وقرطبة نهضة حضارية واسعة وتقدما علميا بارزا في شتى المجالات، استمر لفترة شبه إجمالية لمدة تناهز الأربع قرون، خرجت مئات العلماء في شتى المعارف والعلوم، وشيدت فيهما المؤسسات العلمية والحضارية التي حولتهما إلى منارات للعلم والمعرفة ومدن عالمية جذبت آلاف المهاجرين من شتى الأنحاء لطلب العلم وممارسة التجارة والاستقرار الاجتماعي لما توفره بيئتها من تسامح وحرية ورفاه.

إن هذا التقدم الكبير الذي شهدته الدولتين العباسية والأندلسية كان مبنيا على أسس مدنية مرنة على نطاق كبير، حيث أتيحت الفرصة لغير المسلمين وللكثير من الفئات والشرائح الاجتماعية فرصة التعبير عن ذاتها، مما جعل المجتمع العربي بأقلياته المتنوعة ذا قدرة على الإنتاج والابتكار والإبداع، فحدث تقدم علمي وازدهار حضاري حقيقي، ومن مظاهره أن بغداد تحولت إلى ما يشبه المدينة الدولية التي يقصدها عشرات الأجناس والملل والنحل، حيث أصبحت بغداد ومن بعدها قرطبة مجمعا للأضداد الدينية والمذهبية والعرقية والفكرية والاجتماعية، فمن الزهاد ودور العلم وحلقات الدرس وجماعات التصوف والزهد إلى الحانات ودور الشرب والرقص، ومن المسلمين إلى المسيحيين وأتباع ملل أخرى، ومن العرب إلى الفرس والصينيين والزنوج والهنود والسريان، ومن أسواق الكتاب إلى أسواق النخاسة التي تباع فيها الجواري والعبيد، ومن مجالس الفلسفة والفكر والأدب إلى مجالس الأنس والطرب.

يقول المحاضر في جامعة أزاد الإسلامية الإيرانية سيد إبراهيم آرمن في بحثه "دراسة الحالة الثقافية في العصر العباسي الأول": "ومن ميزات هذا العصر إطلاق الفكر من قيود التقليد، إلا ما يمسّ الدولة أو الخلافة. ولذلك فقد تعدّدت البدع الدينية في أيامهم من المجوس وغيرهم من الأفكار الوثنية وما إلى ذلك، غير الفرق الإسلامية وتعدادها؛ فكانت الأفكار من حيث الدين مطلقة الحرية، لا يكره الرجل على معتقده أو مذهبه، فربّما عدة إخوة في بيت واحد وكلّ منهم على مذهب.

ووصل الأمر في بغداد أن أبيحت الخمرة وانتشرت حتى شربها الغني والفقير، وكان من أسباب انتشارها اجتهاد بعض فقهاء العراق إلى تحليل بعض الأنبذة كنبيذ التمر والزبيب المطبوخ فشربها الخلفاء والناس."

يقول الجاحظ في وصف الجماعات العرقية التي كانت شائعة في عصره: الصينيون: هذه الطائفة بأنها تمثل رقيق الأرض في البصرة وأنهم "أطبع خلق الله على الرقص والطرب حلوقا بالطبل على الإيقاع الموزون من غير تأديب ولا تعليم وليس في الأرض أحسن أخلاقا منهم" على حد تعبيره أي أنه يصفهم بحب الطرب والغناء. أما الصينيون: فهم أصحاب الصباغة والنحت والتصوير والنسيج، أما اليونانيون: فهم يتميزون بالحكم والآداب، أما الفرس: فهم يتميزون بالملك والسياسة، وبرع الأتراك في الحروب أما أهل الهند: فاشتهروا بالصيرفة والعلم والعقاقير.

وفي رسالة أرسلها الهاشمي (أحد وزراء الخليفة المأمون) إلى أحد خصومه الدينيين، يظهر فيها مدى الحرية العقائدية التي كان يعيشها مجتمع الدولة العربية العباسية: "قم بإحضار جميع الحجج التي تريدها وقل كل ما تتمنى أن تقوله وبكل حرية. وبما أنك الآن تملك الأمان والحرية في قول ما تريده، فأرجو منك تعيين محكم والذي سيتدخل بشكل موضوعي بيني وبينك ليحكم بيننا بحيث يقوم بالحكم بناء على الحقيقة فقط كما يتعين عليه أن لا يحكم العاطفة، كما يجب أن يكون منطقياً، حيث أن الله يجعلنا مسئولين عن مكافأتنا أو عقوبتنا. لقد قمت هنا بالتعامل معك بأسلوب عادل وكما أعطيتك الأمان حيث أنني جاهز لقبول أي قرار منطقي يعطى لصالحي أو ضد صالحي. وحيث أنه (لا إكراه في الدين) وكما أنني قمت بدعوتك حتى تقبل إيماننا عن طواعية واتفاق منك ومن خلال تبييني لسوء معتقدك الحالي. والسلام عليكم ورحمة الله".

ويعتبر اليهود من الأمثلة الصارخة على التسامح والحرية التي كانت الهويات الفرعية تحظى بها في الدولة العباسية، حيث يعتبر العصر العباسي عصرا ذهبياً لليهود في العراق ، فقد أصبحت بغداد المركز الديني لليهود حول العالم، وكان يتم توجيه جميع الإشكالات الدينية والفقهية اليهودية إلى بغداد ليقوم بحلها كبار الحاخامات.

من ناحية أخرى لم تستوعب بعض الطبقات والشرائح الاجتماعية واقع كون بغداد مدينة دولية مفتوحة، فبرزت ظواهر دينية كردة فعل على ما تعج به بغداد من متضادات وتناقضات، فظهر تيار التصوف وبرزت طائفة من العباد والنساك وأهل الوعظ والإرشاد. ينقل عن الحارث ابن بشير قوله في وصف بغداد بالرغم ما فيها من فقهاء وعلماء ومساجد ودور عبادة وجوامع وحلقات علم وحوزات درس ومجاميع زهد وتقوى وورع "ضيقة على المتقين لا ينبغي لمؤمن أن يقيم بها".

وفي الأندلس لم تكن الأقليات الدينية تعاني من أي اضطهاد فيما يتعلق بحرياتها الدينية وأنماطها الاجتماعية، بل كان الخلفاء يستعملون أبناءها في شئون الدولة، فقد كان المسيحيون يشغلون مراكز وزارية وإدارية كبرى في دولة الأمويين، حيث كان الخليفة الناصر يوفدهم كسفراء إلى الممالك المسيحية، وينقل إنه أرسل طبيبه اليهودي حسداي بن إسحاق سفيراً إلى صاحب جليقية وإلى صاحب برشلونة، كما أوفد سفارة من أساقفة الأندلس في مهمة إلى صاحب جليقية، وقد ذكر ذلك ابن حيان، وهو أحد علماء الأندلس في كتابه "المقتبس" ولم يعترض عليه، في دلالة على روح التسامح السائدة ما بين طبقات وشرائح المجتمع ومنهم الفقهاء ورجال الدين.

ومن مظاهر التعدد والتنوع والتسامح والانفتاح وإطلاق الحريات الشخصية في عهود ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس أن المسلمين كانوا يشاركون المسيحيين بأعيادهم كعيد الميلاد وعيد العنصرة وخميس إبريل، الذي يسبق عيد الفصح بثلاثة أيام، قال المقري التلمساني في نفح الطيب: "فقد سن زرياب لأهل الأندلس لبس البياض وخلعهم للملون من يوم مهرجان أهل البلد المسمى عندهم بالعنصرة الكائن في ست بقين من شهر يونية الشمسي من شهورهم الرومية، فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية ويلبسون بقية السنة الثياب الملونة".

وقد جرت عادة الأندلسيين على الاحتفال بأعيادهم ومواسمهم ومناسباتهم بوسائل شتى ومن دون أي فصل بين الرجال والنساء، كالغناء والموسيقى والرقص وألعاب الفروسية وسباق الخيل، إلى جانب الأناشيد والموشحات الدينية وحلقات الذكر التي كان يصاحبها العزف على بعض الآلات الموسيقية.

تقول د. سناء الشعيري: "ومن مظاهر حرية المرأة الأندلسية أنها كانت تلتقي الرجال في ساحات الدرس وفي السمر الأسري، كما كانت تخرج لزيارة المساجد والأسواق برفقة جواريها والتنزه في الحدائق العامة، ولم تكن النساء الأندلسيات سجينات بيوتهن، بل شاركن الرجال في عدة مجالات، وتبارين معهم شعرا و نثرا، وأسهمن في صياغة مجتمع أندلسي متميز، وحول هذا الموضوع تطالعنا العديد من المصادر الأندلسية القديمة بأنباء تفيد بأن نساء العامة أثبتن جدارتهن في مواجهة قسوة الحياة وشظف العيش، فمنهن من كانت عطارة أو حارسة بستان أو عاملة في دور الخراج وكن يسمين بالخراجيات، ومنهن من باعت اللبن لتعيل أبناءها".

يحدثنا الأستاذ احمد شحلان في بحثه "الحياة العامة في أندلس العصر الوسيط" عن مظاهر رائعة لنظم وقيم الحرية والانفتاح والتسامح في المجتمع الأندلسي، يقول عن الحرية التي كان يتمتع بها غير المسلمين: "ومما يؤكد مجاورة أهل الذمة لدور المسلمين، ما جاء في رسالة ابن عبدالرءوف من ذكر (لإشراف أهل الذمة على المسلمين في منازلهم)، وكذا ما جاء في فتوى يُسأل فيها عن يهودي اشترى دارا في درب ليس فيه ألا المسلمون... فآذى الجيران بشرب الخمر وفعل مالا يجوز. فأجاب المفتي: يُمنع الأذى وما وصف من شرب الخمر وفعل مالا يجوز، دون إخراج المشتري اليهودي".

وعن الوضع المتقدم للأقليات الروحية في المجتمع الأندلسي: "تقوى نشاط الأندلسيين من غير المسلمين، فلم تعد تلقى، كما يقول ابروفانسال، في أسواق الأندلس العرب والبربر، ولكن اليهود والنصارى، كما كنت لا تسمع اللغة العربية وحدها، ولكن تسمع لغات مختلفة. وكان لليهود دور كبير في هذا النشاط التجاري الذي تضمن كل أنواع السلع المذكورة بالإضافة إلى بيع الرقيق. وكانت حركتهم تشمل أقاليم الأندلس، كما كانت تتجاوز حدودها إلى الشمال أو الجنوب. وكانت لهم دكاكينهم في الأسواق العامة وفي أحيائهم الخاصة. ودلت الدلائل على أن التعامل في الصناعة والتجارة بين الطوائف كان أمرا سائرا، وذلك لكثرة الفتاوى التي تناولت هذا الموضوع عند اليهود. وكذا عنــد المسلمين.

وكان النشاط اليومي في السوق نشاطا مشتركا كما رأينا لا تفصل فيه العقيدة، وإنما كان معياره التنافس والمعرفة. ونظرا لتداخل المصالح فإن المحتسب رغب في أن يكون للأعاجم الذين يبيعون في السوق، إطلاع على أمور الدين. واشترى المسلمون من النصارى حتى ما سرقه هؤلاء منهم. واشتروا أيضا من اليهود لحم "الطريفة" مع أن اليهود حرموها على أنفسهم. وقد صار لفظ "طريفة = حرام، مستعملا بكثرة في الكتابات الأندلسية، مما يدل على رواج هذا النوع من اللحم. وكانت العلاقات التجارية تتسم بثقة كبيرة، إذ كانت المعاملات تنبني على رسم يكتب وكفى، وقد يطول أمدها."

وعن العلاقة ما بين المسلمين وغيرهم من أبناء الأندلس: "وكان الاختلاط في الحمام بين المسلمين وأهل الذمة أمرا شائعا، في حين كان للعامة حمامها الخاص، وكان النصارى يشترون المسلمات لخدمتهم. كما كان خروجهم مع المسلمات شائعا أيضا. ودلت الفتاوى على أن التشكي من هذه الرفقة لا يكون إلا إذا كان المرافق من أهل السوء والشر. وننقل هذه الفقرة من المعيار لما لها من مغزى: "فقد سُئِل [فقهاء قرطبة] عن نصراني شهد عليه أنه من أهل الشر والفساد، وأنه رأي مع امرأة مسلمة وهي سائرة معه... وقال أخوها: إن سعيد العجمي (وهو المقصود) قد أخرجها وتبثت الوثيقة عليه. وشهد لسعيد بأنه من أهل العفاف والاستقامة وحسن المعاملة والمعاشرة للمسلمين، لا يعرفونه مختلطا لأهل الشر ولا ملتمسا به". وقد اكتفى القاضي بحبسه خمسة عشر يوما، لأنه أخفى المرأة لا على أنه رافقها.

وهناك فتوى تدل على أن المسلمات كن يزرن الكنائس. كما أن جلوس المسلمين برفقة اليهود أمام دورهم كان أمرا عاديا، وذلك لأن ابن عبد الرءوف يمنع هذا الاختلاط، في حالة واحدة، وهي أن يكون اليهودي ممن يعرف ببيع الخمر لأن ذلك تهمة للمسلم. وقد ذهب الأمر بعيدا في هذه العلاقات الإنسانية حتى حبس بعض اليهود أحباسا على مساكين المسلمين. كما قررت السلطات الحاكمة في الأندلس أن ينفق على من افتقر من أهل الذمة من بيت المال."

وعن الحريات الدينية لغير المسلمين: "ولم يفرض الفاتحون الإسلام على أهل الأندلس فرضا، وظلوا يعاملون السكان الأصليين، نصارى ويهودا، معاملة خاصة مكنتهم من حرية الدين والمعتقد. فقد أفتى القاضي أبوعبد الله بن يحيى، وكان شيخ المفتين بقرطبة (ت297)، بإطلاق سراح صبي نصراني أسلم ثم عاد إلى النصرانية، في حين ورد الإفتاء بقتل من ارتد من أولاد المسلمين، متى بلغ ولم ينفع فيه التأديب. وسوت الفتوى التاسعة، في أحكام أهل الذمة بين من أنكر نبوة محمد (ص) سواء كان ذميا أو مسلما، ولم توجب شيئا على اليهودي والنصراني الذي يشهد بأن محمدا (ص) أرسل للمسلمين ولم يرسل إلى أهل الذمة. وجاء في فتوى ابن تاشفين أن الذين أسلموا خوفا يقبل إسلامهم، وإذا رجعوا عن الإسلام لهذا السبب يعذرون" إذ لا ملامة عليه (من رجع إلى النصرانية) في أن يفر من الظلم بالخديعة والتلاعب.

وقد ترتب عن قضية إسلام النصارى قضايا عويصة تجلى فيها كلها أن أهل الحل والعقد كانوا دوما لا يحيدون عن العدل في أحكامهم وما فيه يقررون. وكان القضاة أنفسهم يتحرزون في إصدار أحكامهم على المتهمين، بل ظهر تردد الحكام أنفسهم في الموافقة على هذه الأحكام، مما جعلهم يستفتون الفقهاء قبل اتخاذ أي قرار."

"وظل المسيحيون يتمتعون في القواعد الرئيسية مثل قرطبة وأشبيلية وطليطلة باستقلال ذاتي، ويطبقون شرائعهم القوطية القديمة على يد قضائهم وتحت مسؤولية قواميسهم، الذين كانوا يتمتعون باحترام كبير، وكانوا من مستشاري الخلفاء في قضاياهم الخاصة، وفي قضايا النصارى وأحوالهم.

وهكذا فقد كان أهل الذمة في مختلف مدن البلاد وكورها يسيرون أمورهم برئاسة شيوخ من أهل دينهم ذوي حنكة ودهاء ومداراة ومعرفة بالجباية. وعليه فإن قضايا الطائفة خلال القرن العاشر كانت تدبر بواسطة موظفين تختارهم الطائفة باتفاق مع السلطة الإسلامية العليا. وكان على رأس هذه الإدارة شخص يسمى باللاتينيةDefnsor أوProtector وهو الذي عرف في أدبيات التاريخ الأندلسي بالقومس. وكان الـExceptor هو الذي يحصل الجباية والضرائب. ويقضي في قضاياهم الشرعية الخاصة بهم، قاض يعرف بقاضي النصارى أو قاضي العجم، ويسمى باللاتينية Censor. وكان مرجعهم التشريعي قوطي. أما الخلافات التي كانت تقع بينهم وبين المسلمين، فإنها تعرض على القضاء الإسلامي".

"وظلت سلطة اليهود وقضاؤهم ومقاليد أمورهم الدينية الخاصة بهم بين أيديهم، فقد جرت العادة على أن تعين السلطة رأس الجالوت أو (الناسي) أو شيخ اليهود، للقضاء في أمرهم وبتشريعهم، ويكون هذا الشيخ نفسه هو الواسطة بينهم وبين السلطة المدنية. وقد جاء في فتوى وجهت إلى أبي العتاب، أن يهوديا ادعى أن عمه حبس عليه جنة، وقام نزاع حول هذه الجنة فأفتى ابن العتاب أن لليهودي الحق إذا أراد رفع دعواه على عميه ومحاكمتها إلى حكم أهل دينهم."

"وجرت العادة بالتعطل يومي السبت والأحد، كما تردد في بعض الفتاوى. وهذان اليومان هما يوما عطلة المسيحيين واليهود. وكانت تقام فيهما الطقوس الدينية، وتدق الأجراس في الكنائس وتتلى التوراة في البيع."

وفي مضمار الترفيه: "عرفت الأندلس حفلات موسيقية وغنائية في الدور والقصور، وعرفت حلقات اللعب بالورق والشطرنج، وكلها مظاهر تردد صداها في دواوين شعراء الأندلس وكتب تاريخها. كما كانت الطرق تزخر بعديد من العروض المسلية الممتعة. فهناك ساحر (يُقَلِّب العين) ويدهش المتفرجين. وهناك قهرمان ينط بلطف وإبداع. وعلى بعد من ذلك يتجمع العامة على قارئ البخت والحظ على الرمال. وبائع الأحجبة والأعشاب يروج لبضاعته بسحر الكلام. أما حكاة القصص ورواة الأخبار فإنهم ينقلون سامعيهم إلى غابر الأزمان ومسالك الممالك بجميل اللغة وغريبها. والزُّجَّال يفتنون هواتهم بإبداعهم الذي يمزج بين الفصيح والعامي والقشتالي. كما كانت عروض الفروسية وسباق الخيل التي تجري في باب الرملة أو الثوابين في غرناطة، لا تقل متعة عن مشاهد صراع الكلاب والثيران، أو اللعب بالعصي. وعرفت الأزقة والدروب الضيقة من لهو الأطفال جميله، فهم فيها يجرون ويمرحون، وهم فيها يحدثون دُماهم الطينية أو القصديرية، أو أفراسهم الخشبية. وجوه من اللهو والحياة تردد ذكرها عند ابن خلدون والمقري وغيرهما، وكذا في كتب الحسبة."

ويتحدث عن وضع متقدم للمرأة الأندلسية: "والمرأة من حيث هي في المجتمع الأندلسي، عرفت وضعا رائعا قل نظيره. فقد كانت الأميرة والطبيبة والشاعرة والمستشارة والمعلمة والعاملة والخادمة وتلك التي تمشي في الأسواق، كباب العطارين في قرطبة. كما كان لها في كل مدينة من مدن الأندلس ممشى تتروض فيه. وكانت تشارك في المهرجانات والحفلات. ولم تكن تغيب عن أي مظهر من مظاهر الحياة. وفصلت في ذلك كتب التراث الأندلسي ككتاب طوق الحمامة أو النفح أو الذخيرة وغيرها. وكانت المرأة مختارة في التحجب أو عدمه."

وبعد أفول نجم الحضارة العربية الإسلامية وقيام الدول العسكرية والإقطاعية في العديد من أقاليمها وتراجع حركة العطاء العلمي في مختلف اتجاهاته، ووقوع العالم العربي والإسلامي في مطب الصراعات والفتن المذهبية والطائفية، ابتداء بعصر المتوكل، الذي ألغي فيه الاجتهاد وحصرت المذاهب بأربعة وحاربت السلطات ما عداها، وسريان التخلف الاجتماعي والديني والثقافي في معظم أنحاء العالم العربي والإسلامي، وحالة الحرب الشعواء ما بين الدول الإسلامية والدول المسيحية، الأمر الذي أدى إلى الانهيار الشامل والسريع لثقافة الاندماج والتعددية والحرية والاستيعاب، لتحلت محلها اتجاهات دينية متشددة ترى أن ما تعانيه الأمة سببه البعد عن تعاليم الإسلام وتعدد مذاهبه، والسماح للكفار بمشاركة المسلمين في نعم الله عليهم، فبالغت في تطبيقها للتعاليم والقوانين الشرعية وأوغلت في التحريم وقلصت مساحة الإباحة، واضطهدت كل مخالف لها، سواء في دخل الإسلام أو خارجه، وعادت إلى سيرة الصدر الإسلامي الأول فاتخذت منه نبراسا في كافة تعاليمها وفتاواها وعقائدها، وأسهمت الصراعات المذهبية في نشوء أحكام وتعاليم دينية متشددة، خاصة فيما يتعلق بالمرأة والسلوك العام، ينقل إن الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله أمر بمنع الناس من دخول الحمامات من دون مئزر، وقلّع الهوادي والأبراج، ومنع اللعب بالطيور بسبب إتاحتها الاطلاع على سطوح الجيران، ومنع الحمالين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين.

وأمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بمنع النساء "من الخروج من بيوتهن وقتل من خرج منهن، فشكت إليه من لا قيم لها يقوم بأمرها فأمر الناس أن يحملوا كل ما يباع في الأسواق إلى الدروب ويبيعوه على النساء وأمر من يبيع أن يكون معه شبه المغرفة بساعد طويل يمده إلى المرأة وهي من وراء الباب، فيه ما تشتريه فإذا رضيت وضعت الثمن في المغرفة وأخذت ما فيها لئلا يراها، فنال من ذلك شدة عظيمة".

كما أصدر الخليفة أمرا يقضي بمنع النساء من مغادرة دورهن والخروج إلى الطرقات بغض النظر عن أعمارهن ولم يستثنِ من ذلك سوى المتظلمات للشرع والخارجات لحج أو المسافرات ممن تضطرهن ظروف قاهرة للسفر والإماء اللاتي برسم البيع والقابلات وغاسلات الموتى والأرامل التي يبعن الغزل واشترط فيهن شروط ترفع من تنطبق عليهن إلى القصر وتصدر فيها التصاريح الذي يقوم بتنفيذها آمر الشرطة.

كما اصدر الحاكم بأمر الله أمر بتجريم كشف وجه المرأة مطلقا للمصرح لهن بالسير في الطرقات، ومنعهن من السير خلف الجنائز، وحرم عليهن البكاء والعويل والنواح، ومنعهن من الاجتماع بالمآتم وزيارة المقابر، ومنعهن من الاحتفال بالأعياد، وعاقب المخالفات منهم بالجلد والتشهير والقصاص، كما أمر بإلغاء حمامات النساء، وتحريم كافة أشكال الزينة. وفي عام 405 منع الحاكم بأمر الله النساء من التطلع للنوافذ سواء للعجائز أو الشابات، وقد حاولت بعض النساء التظلم فكان مصيرهن إما الضرب أو الحبس أو الموت، ومما قيل في الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله "لعمري إن أهل مملكته لم يزالوا في أيامه آمنين على أموالهم, غير مطمئنين على أنفسهم".

وعندما استولى صلاح الدين الأيوبي على مصر أقر دار العيار، التي هي دار محتسب القاهرة والبلاد المصرية، وظلت تمارس ما أنشئت من أجله، وقد أمر فقهاء السلطان المحتسب بالعمل على فصل الرجال عن النساء في الطرقات والنزهات والصلوات، كما ضيق الخناق على أهل الذمة، كتب القاضي الفاضل للمحتسب يأمره "وخذ النصارى واليهود والمخالفين بلبس الغيار وشد الزنار."

وعندما ظهرت دولة المماليك في دورها الأول سعى مؤسسها الظاهر بيبرس أن يضفي صبغة دينية على نظام حكمه، فكان مما قام به بإلاحياء الشكلي للخلافة العباسية، وأمر جهاز الحسبة بالتضييق على النساء والرجال في الأسواق والطرقات، وفي عام 622هـ نودي من قبل المحتسب في القاهرة ومصر بمنع النساء من لبس العمائم، وفي سنة 665هـ أمر الملك الظاهر بيبرس البندقداري بإراقة الخمور ومنع البغاء في مصر والقاهرة، فأغلقت الحانات التي كانت مخصصة لذلك، وأمر بنفي القائمين بها وحبس النساء حتى يتزوجن، وكتب إلى جميع حواضر البلاد بمثل ذلك.

واليوم ومع ما يعانيه العالم العربي والإسلامي من التخلف الشامل والواسع النطاق، ومن سيادة النعرات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والظواهر العنفية والإرهابية، فإن الأمل معقود على الخروج من هذا الوحل الحضاري والعار الإنساني والذل الوجودي واستعادة العرب لحضارتهم الآفلة، ويشع نور هذا الأمل في الأفق مع الثورات العربية التي حدثت وتحدث في أكثر من قطر عربي، والتي رفعت شعارات الدولة المدنية وقيم الحرية والديمقراطية، وقد نجحت حتى الآن في كل من تونس ومصر.

من ناحية أخرى تبرز تجربتي كل من دبي وكوالمبور كمثال يحتذى، وإن كان ناقصا ومشوها وغير مكتمل، إلا إنهما تجربتان جديرتان بالنقد والتحليل والاقتداء، لما كان منهما من ازدهار وتقدم واحتلال لمكانة عالمية بارزة، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والحضارية والإنسانية، حتى إن الرئيس الأميركي باراك اوباما أشاد بهما في كلمته الشهيرة الموجهة للمسلمين التي ألقاها في القاهرة عام 2009 حيث قال: "ولكني أعلم أيضا أن التقدم البشري لا يمكن إنكاره، فالتناقض بين التطور والتقاليد ليس أمراً ضرورياً، إذ تمكنت بلدان مثل اليابان وكوريا الجنوبية من إحداث تنمية ضخمة لأنظمتها الاقتصادية، وتمكنت في ذات الوقت من الحفاظ على ثقافتها المتميزة. وينطبق ذلك على التقدم الباهر الذي شاهده العالم الإسلامي من كوالالمبور إلى دبي، لقد أثبتت المجتمعات الإسلامية منذ قديم الزمان وفي عصرنا الحالي أنها تستطيع أن تتبوأ مركز الطليعة في الابتكار والتعليم."