مظاهر التجديد في الرواية العربية في الخليج وشبه الجزيرة

التمثيل السردي وتصدّع الأبنية التقليدية

1 - مدخل

لم تغب الطرائق الجديدة في التمثيل السردي عن الرواية العربية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة، وإن كانت تأخرت زمنيًا عن نظائرها في بعض البلاد العربية الأخرى، لكنها سرعان ما وجدت لها مكانًا واضحًا في تلك المدوّنة السردية، فوقعت الإفادة منها في الكتابة الروائية. ويتطلّع هذا البحث إلى فحص بعض ضروب التمثيل السردي في نماذج دالّة من الروايات التي ظهرت في تلك المنطقة خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، لكنها لا تقتصر عليها إنما هي ظاهرة واضحة تكاد تشمل معظم الروايات التي صدرت خلال تلك المدة، وهي في عمومها تتصل بالحراك السردي الجديد الذي يكاد يشمل الرواية العربية بكاملها.

2 - تمثيل الطبيعة وتمثيل الثقافة

عرض التمثيل السردي في رواية «ساق الغراب» لـ «يحيى أمقاسم»(1) مستويين متنازعين من الأحداث السردية، نزع المستوى الأوّل إلى الالتصاق بالطبيعة والاشتياق إليها، والاتّساق مع شروطها، والمشاركة في الإفادة منها، ونزع الثاني إلى قطع الصلة معها والإقلاع عن الانتماء إليها، والأخذ بسياسة الامتثال لمعايير ثقافيّة جاهزة، وتعميم قيمها الدينيّة وجعل الإنسان موضوعًا لها، ثمّ كبح التفرّد، ومحو خصوصيّة الميراث الأسطوريّ، وإحلال نظام الطاعة والخوف محلّ الشراكة والانتماء، وقد أفضت هذه المنازعة بين المستويين المذكورين من الأحداث السردية إلى ظهور ضربين مختلفين من ضروب الأخلاق: أخلاق الحريّة، وأخلاق العبوديّة. سادت الأولى بالاختيار، وفُرضت الثانية بالإجبار. وقد شكّلت هذه الثنائيّة القاعدة الأساسية لأحداث الرواية، فكلّما حزمت «العشيرة» أمرها لتدبير شئون حياتها في وادي «الحسينيّ»، دسّت «الإمارة» أتباعها لتفكيك أواصرها، وتشتيت شملها.

استند مفهوم «العشيرة» إلى القرابة والمصاهرة والمخالطة والمصاحبة، فيما قام مفهوم «الإمارة» على السيطرة والقهر والشوكة والغلبة والطاعة. أرادت القبيلة ربط نفسها ومصيرها بالطبيعة، فيما أرادت الإمارة بسط نفوذها بالقيم الدينيّة، لتلحق بها «مجتمع الطبيعة» طبقًا لرؤاها ومصالحها. وقع تمثيل هذا الصراع في مكان وزمان على سبيل الإيحاء مرّات، وعلى سبيل التأكيد مرّات أخرى. أمّا المكان فهو السلاسل الجبليّة الوعرة المعروفة باسم «ساق الغراب»، الممتدّة بين اليمن والسعوديّة في جنوب غرب شبه الجزيرة العربيّة. وهي مرتفعات شاهقة تحيط بها عسير ونجران وتهامة من جهة السعوديّة، وصعدة وعمران وحجّة من جهة اليمن، وأمّا الزمان، فالعقود الأولى من القرن العشرين، حيث امتدّ نفوذ الإمارة السعودية إلى الجنوب الغربيّ لشبه الجزيرة، وتوسّع في تلك المنطقة، وأُخذت البيعة لها في منطقة «صبياء» في أوّل ثلاثينيّات ذلك القرن، وكانت القبائل في وقت سبق ذلك منهمكة في عقد الاتّفاقات والقواعد والمواثيق فيما بينها، وتضاربت ولاءاتها لليمن حينًا، وللإمارة السعوديّة حينًا آخر، إلى أن استوى الأمر للسعوديّة في نهاية المطاف.

يفيد تحديد الإطار المكانيّ والزمانيّ للأحداث التي قامت عليها رواية «ساق الغراب» في كشف طبيعة التحوّلات الاجتماعيّة والدينيّة والثقافيّة التي وقعت لقبائل «وادي الحسينيّ»، كما جرى تمثيلها سرديا، وبخاصّة أهالي قرية «عُصيْرَة» في تحويلها الإجباريّ من الولاء للعشيرة ممثّلة بالمشيخة إلى الولاء للدولة ممثّلة بالإمارة، وبالتالي انتزاعها من الأسطورة وإدراجها في التاريخ، وإلى ذلك فهو مفيد في كشف نوع التخيّل التاريخيّ الذي رسم ملامح ذلك التحوّل، مازجًا بين السمة الأسطوريّة والخرافيّة والسحرّيّة لسلوك القبيلة وقيمها، وبين التقرير الواقعيّ القائم على رصد مباشر للتحوّلات التي فرضتها الإمارة، وهي تسعى لتكييف القبيلة في إطارها السياسيّ، فلا عجب أن ترتبط السمة الأسطوريّة بالقبيلة، وتتّصل السمة الواقعيّة بالإمارة، فلطالما رسمت متخيّلات الهُويّة حدود الأوطان، وزيّفت مشروعيّة تملّك الأرض، وتقرير مصير من يعيش عليها.

لم يقتصر التنازع على مفهومي الطبيعة والثقافة، وأداتيهما القبيلة والإمارة، إنّما وجد حضوره في أسلوبين: رمزيّ إيحائيّ، وآخر دعويّ وعظيّ، فوقع تلازم لا يغفل بين القبيلة وطريقة التعبير عن نفسها عبر تصعيد التخيّل الأسطوريّ من جهة، وبين الإمارة وطريقة بسط نفوذها بالتذكير والقوّة من جهة أخرى. ولم يرتسم تكافل بين الأسلوبين؛ لأنّ التنافر ظلّ قائمًا بين القبيلة والإمارة إلى أن خمد ذكر القبيلة، وانطفأ مجدها، وتأتّى عن ذلك أن دمغ الأسلوب الأوّل القبيلةَ بطابعه، وكشف الثاني الرؤية الدينيّة للإمارة في تنفيذ خطّتها لتذويب الميراث الروحيّ والذهنيّ للقبيلة، ثم تسويغ وجودها سلطة وحيدة لا منافس لها في تلك الأنحاء، وقد تناوب الأسلوبان في العالم التخيّليّ للسرد، وكما اصطرعت القبيلة والإمارة فقد وقع تنازع بين الأسلوبين المذكورين.

بدت القبيلة مستودعًا لذاكرة جماعيّة مملوءة بالأساطير والخرافات، فهي تحاول ربط ذاتها بنسب شريف تتواتر فيه مهابة الآباء وتقديس الطبيعة، لكنّها عجزت عن الانخراط في حراك تاريخيّ يعيد توزيع الأدوار بين أفرادها ويقبل بالمتغيّرات، وانتهى أمرها إلى جماعة تستعيد أمجاد الماضي بمقدار ما تعيد روايته لأبنائها. على أنّ القبيلة، في العالم السردي المتخيل، كانت تريد هُويّة ومشروعيّة، فيما تريد الإمارة سلطة وطاعة، فكانت تمنح رضاها بمقدار الولاء، وتنزعه في ضوء العداء، فلاذت القبيلة بالطبيعة خرافةً وسحرًا، واعتصمت الإمارة بالعقيدة وعظًا وإرشادًا. وعلى مستوى أعلى كانت القبيلة تصوغ هُويّتها بفكرة الانتماء لزمن سحريّ دائريّ، يهبها الخلود عبر قرابة الدم والمصاهرة والخوارق والشراكة، أمّا الإمارة فتسعى إلى تعميم سلطتها الدنيويّة بذريعة دينيّة تكبح فيها الممارسات البدائيّة عند القبيلة، وبها تستبدل يقينًا أسمى وانصياعًا أكمل، فكانت تتريّث في الإجهاز على القبيلة التي تماهت مع أساطيرها وتخيّلاتها، إلى أن تمكّنت الإمارة من صوغ أسطورتها الخاصّة بالتبشير الدينيّ والإغراء الماديّ، وتفكيك النواة الصلبة للقبيلة.

ارتسم الصراع بين الإمارة والقبيلة من خلال التمثيل السردي على مستوى الطبيعة والأسطورة والتاريخ. تريد القبيلة أن تديم اتّصالها بالطبيعة على نحو لا فكاك فيه، وتريد أن تبلور هُويّتها بنسيج متضافر من المرويّات الأسطوريّة، وتريد أخيرًا أن تتبوّأ مكانة لا يضاهيها أحد في ذلك، ووسيلتها شرف الانتساب والمَنعة، أمّا الإمارة فتريد كبح السحر الأسطوريّ للطبيعة، فيكون التاريخ أرشيفًا للحكم وليس للمآثر، ووسيلتها لتحقيق ذلك المكر والدهاء من جانب، والموعظة والنصح من جانب آخر، ثمّ الأمر بهما معًا. بدت القبيلة شديدة الاتّصال بالسماء رفعةً وعلوًّا، فهي تعتصم بقوّتها وحرّيّتها وميراثها، فيما ظهرت الإمارة مرتبطة بالأرض، فلا هدف غير بسط سلطتها، وبمقدار ما بدا طموح القبيلة رفيعًا في سموّه، ظهر تطلّع الإمارة دونيًّا في هدفه، ذلك أنّ إفراط الإمارة في الاستئثار بالقبيلة، أنتج الأفعال الشنيعة للقبيلة باعتبارها محاسن لصون تاريخها الأسطوريّ، وبإزاء تقريظ متحيّز في السرد لمصير القبيلة، قُدّمت صورة قاتمة للإمارة بوصفها سلطة أرضيّة جعلت من الوعظ ذريعة لبسط نفوذها.

استخلصت القبيلة هُويّتها من الأعراف وصلات القربى والعلاقة بالأرض والمواقع الرمزيّة للأفراد، فضلاً عن السلوك العامّ الذي يقوم على الشراكة والنخوة وطرائق التفكير المتماثلة والمصير المشترك، وصاغتها بأخبار شفويّة حملتها مرويّات سردية أخذت القبيلة بها، وطبعتها بطابعها، فعمّمتها وصارت تعرّف بها، وأصبحت تلك الهُويّة فاعلة حينما ارتسم تهديد خارجيّ ضد القبيلة مثّله «الآخر» القادم من الشمال، فلجأت إلى الاتّكاء على أمجاد الماضي، وأصبحت الهُويّة ملاذًا تحتمي به من خطر الآخرين. لا تظهر الحاجة الفعليّة للهُويّة إلاّ حينما ينبثق خطر مصدره الآخر، أو أن يتضخّم شعور مَرَضيّ بالذات بسبب تراكم المرويّات المتخيّلة، فيصبح الشعور بالهُويّة هوَسًا يسري في أوصال الجماعة.

عامت أحداث رواية «ساق الغراب» على شبكة متداخلة من الأساطير والمعتقدات التي لها صلة بالدم والعهود والمواثيق والأفلاك والخصب والخوارق، فتركّب موروث القبيلة من ممارسات متّصلة بالطبيعة، ووجدت معتقداتها تعليلاً سحريًّا غامضًا في ظواهرها، فاتّخذت سمة الابتهالات الكونيّة، وتوسّل الطبيعة لجلب الرياح والأمطار والاحتماء بالجبال بها حصنًا يذود عن القبيلة التي تدين بالولاء للمشيخة الرفيعة المقام، فالأمّ «صادقيّة النّماري» من الأشراف، وزوجها وهو ابن عمها الشريف «مشاري» يتحدر من السلالة نفسها، وكذلك سيكون ابنه عيسى، وحفيده حمود، وجميعهم يصعدون بنسبهم إلى جابر بن خير الخير. تلوذ القبيلة بدم الانتساب للدفاع عن نفسها، وتشهر الإمارة سلاح العقيدة لبسط هيمنتها.

جاء السرد أمواجًا مركّبة من الأحداث التي كشفت الصراع الأوليّ بين القبيلة والإمارة، ثم أفول القبيلة، واستئثار الإمارة بكلّ شيء. وكان الزوال البطيء للقبيلة اختبارًا مريرًا تضافر فيه الدهاء مع القوّة، وقد جرى الاحتفاء بالختان علامة على الذكورة، وأشيد بمحاربي القبيلة وذكر أساطيرها بكثير من التقريظ، لكنّها كانت تضمر في بنيتها عوامل فنائها، فقد وضعت نفسها في عناد غامض تجاه الإمارة، ولم تقابل مكرها بدهاء مرن يحفظ لها وجودها، وكان عاهلها الأكبر فاقد الذكورة، فأسلم قيادة العشيرة لأمّه، التي رهنت ذاتها لإرادة قوم رمزيّين جاءوا من الأعالي لحماية القبيلة. ولم يفلح الشيخ في توريث ابنه دور الأجداد العظام الذين رفعوا شأن القبيلة، وانزلق الابن إلى طيش الشباب في لهفة مفرطة، وكأنّه يعوّض عن ثلم ذكَره بمزيد من المتع الجسديّة، فلم يتأهّل لحمل مسئوليّة التركة الكبيرة التي ورثها عن عائلته، فختم حياته بانتحار شنيع، لكنّ الإمارة نهجت أسلوبًا ماكرًا في تفكيك بنية القبيلة، فقد طوّقتها بالقوّة دون أن تصطدم بها، وأظهرتها على أنّها جماعة مغلقة على تقاليد وأعراف شبه وثنيّة، فغزتها بثقافة وعظيّة شلّتْ تماسكها الموروث، وجعلتها موئلاً للمرشدين والدعاة المتعطّشين لكلّ شيء.

وانتهى الأمر بأن عرضتْ ثقافة القبيلة على شاشة الإمارة بوصفها ثقافة طبيعيّة لا تفي بالحاجات الإنسانيّة، وينبغي أن تزول، فتلك حقبة ملتبسة ينبغي عدم وجودها في ظلّ الدولة. وكان المقترح الذي وضعته الإمارة يقوم على احتواء القبيلة، وحبسها في إطار يدرجها في تبعيّة للإمارة، بعد أن تفرّدت بالسيادة مدّة قرنين، ونتج عن ذلك ثلم متدرّج لكلّ قيم الاعتداد بالنفس والكبرياء والعناد، التي كانت تشكل البطانة الداخليّة لفكرة الانتماء والهُويّة، فتفكّك التاريخ السحريّ للقبيلة، وحلّ مكانه تاريخ دينيّ خاضع لتفسير لاهوتيّ شبه مغلق للعلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، حمله الشماليّون معهم في حملاتهم الحربيّة في أقاصي الجنوب.

3 - التمثيل والتخيّل الإخباري

شُغلت رواية «اليهوديّ الحالي» لـ«علي المقري» بموضوع هُويّة يهود اليمن، واعتمدت تمثيلًا سرديًا يحاكي نهج الكتب الإخبارية، فاختارت حقبة تاريخيّة تعود إلى منتصف القرن السابع عشر الميلادي وما بعده، ففتحت بذلك أفقًا للتخيّل الإخباري في تشكيل مادّتها السرديّة، ومن خلال ذلك جرى كشف العلاقات الشائكة بين الأغلبيّة الإسلاميّة، والأقليّة اليهوديّة في كثير من الأمور، وأوّلها فضح الكراهية التي استبدت بالجماعات المتشدّدة بعضها ضدَّ بعض، فلا تتمكّن من تخطّي حاجز المعتقد من أجل بناء علاقات إنسانيّة متكافئة تتيح لكلّ طرف قبول الآخر. وقد استثمر السرد كل ذلك بتمثيل استجمع في تضاعيفه لبّ الصراع القيمي والعقائدي بين الطرفين.

تداخلت الأخبار الخاصة بحكاية الحبّ بين المسلمة (فاطمة) واليهوديّ (سالم) بأخبار الطائفة اليهوديّة وما عانته من تجاهل وعدم اعتراف، ويراد من ذلك، في الأرجح، لفت الاهتمام إلى موضوع الهُويّة في بعدها الثابت وفي بعدها المتحوّل، فقد نظر إلى يهود اليمن باعتبارهم جماعة دخيلة لها موقع دونيّ في العلاقات والتعاملات الإسلاميّة، فهم في موقع التابع الذي ينبغي عليه أن يقدّم فروض الطاعة أمام المسلم، وصار يُهدّد بوجوب مغادرة أرض العرب، وبإزاء ذلك نشب ضرب من التخيّل الدينيّ قوامه الوفاء للوعد التوراتيّ في النزوح إلى أرض الميعاد، وأصبحت كلّ طائفة تعيد إنتاج مرويّاتها بما يغذّي الأحقاد فيما بينها، فهذا مظهر من مظاهر الثبات في مفهوم الهُويّة الذي ورثته الأجيال عبر التاريخ، لكنّ طارئًا اخترق هذا الركود، وهو الزواجات العابرة للمعتقدات، فلم يقتصر الأمر على خرق للميثاق الدينيّ السائد، إنّما ترتّب عليه ظهور سلالات جديدة يُحار في تحديد هُويّتها، ومنها السلالة التي نتجت عن زواج سالم بفاطمة؛ فلم يجر فقط الامتناع الكامل عن الاعتراف بهُويّة أفرادها من الطرفين، إنّما جرى نبذ الأحياء والأموات منهم، ونبشت قبور الموتى منهم وأخرجت رفاتهم؛ ذلك أنّ الأعراف الثابتة أهدرت القيمة الإنسانيّة حيّة كانت أم ميّتة.

بِلسان اليهوديّ سالم يوسف النقّاش استعيدت تجربة حبّ فريدة من نوعها بادرت إلى نسجها الفتاة المسلمة فاطمة بنت المفتي وانتهت بالزواج، فرسم السرد لفاطمة دورًا فاق ما لسواها من الشخصيّات، إذ خلعت على اليهوديّ اسما وهُويّة، وأخرجته من حالته المبهمة التي كان غاطسًا فيها، وجعلته فاعلاً في العالم التخيّليّ، حينما خصّته بتسمية «اليهوديّ الحالي» أي الجميل أو المليح، ثمّ علّمته سرّ القراءة والكتابة، فشرَعتْ أمامه أبواب الكشوفات الكبرى لنفسه ولطائفته الدينيّة وللجماعة الإسلامية، وانتهى مؤرّخًا لتجربة حياته ولطائفته ولكثير من أحداث بلده التي عاصرها في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلاديّ.

أوّل ما شرعت به فاطمة هو تعليم سالم اليهودي القراءة في ديوان بيتها، وحالما عرف كيفيّة كتابة اسمه والجهر به، غمره شعور باكتشاف ذاته، «كنت كمن يكتشف اسمه ووجوده لأوّل مرّة»، وبتسمية «اليهوديّ الحالي» أصبح عارفًا ومُعرَّفًا، «صرت أحسّ بأنّ هاتين الكلمتين هما سرّ حياتي، إذا لم تكونا حياتي كلّها. معهما أصبحت أكتشف من أكون، ومن سأكون»(2). ومن أجل أن يتمرّس بخبرات القراءة والكتابة بدأت فاطمة تعلّيمه قراءة القرآن بهدف تحسين لغته لا بهدف إدخاله إلى دينها. وسرعان ما استوت خبرات سالم في معرفة المتون الدينيّة والتاريخيّة والأدبيّة، لكنّ النتيجة جاءت مخيّبة لهما، فقد توهّمت الجماعة اليهوديّة أن فاطمة تريد إخراج اليهوديّ من معتقده، وإدخاله إلى معتقدها الإسلاميّ، وبذلك تكون «كمن أشعل حريقًا في الحيّ اليهوديّ»، فاجتمعت الطائفة للبتّ في أمر سالم، والتحذير ممّا انزلق إليه من خطر، فكان هذا الحادث سببًا لتعليم أبناء اليهود القراءة في بيت الحاخام من أجل فهم المعتقد اليهوديّ والحفاظ عليه. وما لبث أن ردّ سالم جميل فاطمة فعلّمها العبريّة قراءة وكتابة، فتمكّن كلّ منهما من معرفة عقيدة الآخر.

وما إن استوى أمر سالم في القراءة والكتابة وبلغ مبلغ الرجال، حتى بادرت فاطمة بنفسها للاقتران به، فوهبت نفسها له زوجة بعد أن نقّبت في المتون الفقهيّة فوجدت رخصة تجيز ذلك، ولم تنضج ثمرة هذا القرار إلاّ بعد أن أجرت فاطمة تحويلاً جذريًّا في هُويّة سالم الشخصيّة والدينيّة، فقد جهّزته بخبرة القراءة التي مكّنته من معرفة التراثين الإسلاميّ واليهوديّ، ثمّ زوّدته بمهارة الكتابة ليصبح مؤرّخا لأحداث عصره. على أن الوظيفة السرديّة لحكاية الحبّ التي جمعت بينهما كشفت الخلفيّة المركّبة من ضروب النزاع السائدة بين المسلمين واليهود في اليمن، وأماطت اللثام عن الحلم اليهوديّ بالرحيل إلى أرض الميعاد حسب الرواية التوراتيّة. ولم تكن الجماعة اليهوديّة وحدها المسئولة عن هشاشة انتمائها إلى أرض اليمن، وانتظار الرحيل إلى فلسطين، إنّما أسهم في تعميق ذلك الموقفُ العدائيّ للجماعة الإسلاميّة التي تعذّر عليها هضم الأقليّة اليهوديّة والاعتراف بها، ثمّ دمجها في سياق شراكة تتيح لها العيش بدون تهميش.

أراد كلّ من فاطمة وسالم أن يؤسّسا لشراكة إنسانيّة تتجاوز حبسة المعتقد الدينيّ، وتقوم على معرفة تقتضي قبول معتقدات الأفراد باعتبارها تصوّرات ثقافيّة جامعة لا تروّج للقطيعة بينهم، لكنّ هذه المعرفة القائمة على التسامح والشراكة اصطدمت بالمسلّمات التاريخيّة واللاهوتيّة القابعة في الخيال الجمعيّ، ومنها الأقوال الدارجة بين المسلمين حول وجوب إخراج اليهود من جزيرة العرب، والأخبار الشائعة بين اليهود بضرورة العودة الحتميّة إلى أرض الميعاد. ووقوع الخلاف بين اليهود والمسلمين حول مدى صحّة تلك الأخبار والأقوال، فتلوح مظاهر النزاع حول دلالة النصوص بما يخلق توتّرًا عامًّا يكشف أنّ الجماعتين الإسلاميّة واليهوديّة محكومتان بمورث إخباريّ أكثر ممّا هما ممتثّلتان لأعراف التعايش المشترك في أرض واحدة.

رحل اليهوديّ الحالي وفاطمة إلى صنعاء هاربَين من أفق اجتماعيّ ضاق بعلاقاتهما السرّيّة، وكانت وجهتهما «الحيّ اليهوديّ» هناك حيث جرى الاتّفاق على تحوير اسم فاطمة إلى «فيطماه»، فهو بالعبريّة يحيل على مصدر العطاء، أي «الثدي» أو «الحلمة» وعاشت معه على أنها يهوديّة، فكانت تؤدّي شعائرها الإسلاميّة سرًّا، لكنّها تموت وهي في حال مخاض بعد أن تنجب ولدًا، وحينما أفشى سالم سرّ زواجه من فاطمة المسلمة لأبناء طائفته لم يصدّقه أحد، فقد ذهبوا كلّهم بما فيهم الحاخام، إلى أنّه تحوّل إلى الإسلام؛ إذ من المتعذّر زواج يهوديّ بمسلمة إلاّ بعد إسلامه. وما لبث أن اكتشف بأنّ اليهود قاموا بنقل جثّة فاطمة من المقبرة اليهوديّة، ودفنوها في طرف قصيّ منها باعتبارها «مسلمة كافرة»(3). وسرعان ما طرحت قضيّة هُويّة الوليد «سعيد» فهل هو مسلم أم يهوديّ؟ فاليهود يعتبرونه مسلمًا تبعًا لأمّه، والمسلمون يعتبرونه يهوديّا تبعًا لأبيه، فأصبح مرفوضًا من اليهود والمسلمين، لكنّ «صبا» و«علي» وافقا على إيوائه في بيتهما، فقامت اليهوديّة بإرضاعه، وقدّم المسلمُ الرعايةَ الكاملة له.

بعد هذه التجربة الأليمة من الرفض يمّم سالم وجهه إلى قصر الإمام «المتوكلّ على الله إسماعيل بن القاسم» حاكم اليمن، عارضًا عليه الدخول إلى الإسلام، لا إيمانًا بالمعتقد الجديد، وإنّما وفاء لما تركته فاطمة في نفسه من أثر طيّب، فقد هجرت طائفتها من أجله، ونُبذت عن جماعتها، وعليه الآن أن يحتذي فعلها في هجر طائفته والانخراط في طائفتها، فيسلم على يدي الإمام، لكنّ ثمن ذلك لم يكن سهلاً، فالعبور من طائفة إلى أخرى محفوف بالمخاطر، ويحتاج إلى اختبارات طويلة، إذ يظلّ المتحوّل دينيًّا تحت رقابة طويلة، وغالبًا ما يوصم بأنه سيظلّ وفيًّا لمعتقده الأصليّ. إذ يعهد للقاضي أحمد بن سعد الدين المسوري أمر تأهيله ليصبح مسلمًا كامل الأهليّة، وأوّل اختبار يتعرّض له هو فحص ختانه للتأكّد من مطابقته للشروط الإسلاميّة، ثمّ قصّ زنّاريه، وتلقينه اسم المذهب الذي سيتّبعه طَوال حياته، لكّن الأهم هو هجر اسمه اليهوديّ واكتساب اسم موافق لحاله الجديدة، فهذه هداية نادرة جعلته ينتقل من الكفر إلى الإيمان، فيتسمّى بـ«عبد الهادي» لأنّ الله هداه إلى الطريق القويم، فينبغي أن يقرّ بعبوديّة أبديّة لله.

ثمّ تشفع له مهاراته الكتابيّة، فيعفى من تحسين الختان لحسن خطّه وإجادته للكتابة، وبسبب ذلك يلحق كاتبًا في ديوان الإمام، وما يلبث أن يصبح مؤرّخا لفتوحات الإمام، فيقوم بـ«تدوين فتوحات الجيش وانتصاراته ضدَّ العاصين والخارجين عن الدين والدولة»(4). ولأنّه أؤتمن على ذلك فقد راح يدوّن كلّ شاردة وواردة من حروب الإمام، بما في ذلك التنكيل الذي تقوم به جيوشه ضدَّ الجماعات الأخرى، وبخاصّة الممتنعين عن دفع الأموال، فانتهى إلى تقييد تاريخ لذلك العهد فيه من الفظائع أكثر ممّا فيه من الحقائق، فأصبحت مدوّنته الإخباريّة موضوعًا لتقريظ أتباع الإمام، لأنّها وثّقت بطولات الجيش ضدَّ الخارجين عليه، ثمّ ألحق بعد وفاة المتوكلّ تابعًا لابنه المهدي، وحينما طُلب إليه إعداد أربع نسخ من مخطوطه التاريخيّ سارع إلى تنفيذ الأمر، لكنّه أتلف النسخة الأصليّة من التاريخ، وأعدّ نسخة معدّلة نزع عنها الأخبار الزائفة التي وردت في المخطوط الأصليّ.

ثمّ شُغل عبد الهادي/سالم إلى جوار عمله الإخباري بتأليف كتاب «حوليّات اليهود اليمانية»، الذي اعتنى بأحوال اليهود طَوال النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجريّ. وأوّل ما ظهر فيه أخبار ظهور المسيح المخلّص، بشخص مدّعي النبوة «شبتاي زيفي»، ففرح اليهود بذلك لأنّ «المُلك سيصير إليهم وحدهم»(5). فقد جاءت اللحظة التي سوف يتخلّصون بها من اضطهاد المسلمين لهم، فاجتمع يهود صنعاء «ليختاروا وليًّا عليهم يتقدّمهم وينتزع الحكم»(6). لكنّ عاقبة هذا الوليّ الجديد تكون سيئة إذ ينكّل به، ويعلّق جسده على أحد أبواب صنعاء، وسرعان ما تصل الأخبار بأنّ المسيح المخلّص فشل في مهمّته النبويّة، فقد قبض عليه في الآستانة، وتحوّل إلى الإسلام، وتخلّى عن ادعاءاته كلّها.

خيّمت صيغ الكتابة الإخباريّة الشائعة في كتب الحوليّات القديمة في معظم صفحات الرواية، لكنها استبدت بالسرد في قسمها الثاني، إذ راح عبدالهادي/سالم ينضّد على تعاقب السنين أخبارًا متعاقبة عن أحوال اليهود في اليمن، ووجوه التضييق الممارس ضدّهم، أو كيفيّة تخفيفها، بما في ذلك نزوح كثير منهم عن صنعاء، حيث ينتهز عبد الهادي/سالم الفرصة ليندسّ بين القوافل الراحلة، فيعثر على ابنه «سعيد» بين النازحين. ويكتشف أنّه قد تزوّج فتاة ليست مسلمة ولا يهوديّة، فأمّها «صبا» ابنة أسعد اليهوديّ، وأبوها «علي» ابن المؤذّن صالح، فهي «يهوديّة لجهة الأمّ ومسلمة لجهة الأب». وحينما عجز عن مواصلة الكتابة بعد أربعين عامًا من ممارسة دور المؤرّخ الإخباري، ظهر حفيده «إبراهيم» ليصف السنوات الأخيرة من سلالته التي اختلطت دماؤها ومعتقداتها. فهو حفيد فاطمة وسالم، إذ ينتسب إلى سلالة يهوديّة وإسلاميّة، ارتبط بها من خلال الانتساب المتبادل بين أزواج وزوجات من كلا المعتقدين، فأصبح يُعرف بـ«الصنعاني» حينًا، لأنّه ولد في صنعاء، أو «الريدي» حينًا آخر، لأنّه تحدّر عن «ريدة» أو «الحسّيّ» مرّة ثالثة، لأنّ نطفته تشكّلت جنينًا قرب «حسّ». وحينما طُرقت فكرة الأصول وأيّها يمكن أن يعدّ صحيحًا، يكون جوابه: «لا أعرف ما هو الأصيل، وما هو المزيّف». فقد عجز عن تعريف هُويّته بحسب المواصفات المورثة، فلا يعرف إن كان مسلمًا أم يهوديّا، لكنّه يعرف جيّدًا أنّه ينتسب إلى سلالة فاطمة واليهوديّ الحالي «إليهما أعود، هما أصلي القديم، وسلالتي القادمة (7).

الباحث د. عبدالله إبراهيم

شرع الحفيد في إيراد أخبار جدّه الذي جاوز التسعين من عمره، ففي عامه الأخير، «نقل رفات شريكته فاطمة من قبرها المعزول بجوار مقبرة اليهود إلى مقبرة المسلمين»، فسارع أهلها حالما عرفوا بمثواها إلى حفرة القبر، وأخرجوا العظام ودفنوها في مقبرة اليهود، «لا يوجد مكان لهذه الكافرة إلاّ مع الكفّار اليهود في مقبرتهم»(8)، إذ وصفت بأنّها «معتزلة» لأنّها اعتزلت الطائفتين، وكان مصير عبد الهادي/ سالم مماثلاً، فبعد يوم من دفن رفاته في مقبرة المسلمين باعتباره دخل الإسلام على يد إمام المسلمين، سارع المسلمون إلى إخراج جثته من المقبرة وإبعادها إلى المقبرة اليهوديّة، فما كان من الابن «سعيد» إلاّ أن جمع بقايا عظام أبيه اليهوديّ الحالي، وأمه فاطمة في صرّة، بعد أن تعذّر عليه دفنهما لرفض الجميع يهودًا ومسلمين، فاختفى في جهة مجهولة حاملاً معه عظام أبويه. فلا بدَّ من وقف حروب الموتي بحمل عظامهم إلى أماكن غير معروفة.

4 - تنويع سردي على فكرة الإثم والعقاب

وأجرى التمثيل السردي تنويعًا على فكرة الجريمة والعقاب في رواية «الاعتراف» لـ«علي أبو الريش»، فاقتُصّ من الشرير «سمحان» حينما طال احتضاره المؤلم بالسلّ القاتل، فكان ذلك مكافئا لجريمة قتل «سهيل» الذي حال، في وقت سابق، دون زواج «سمحان» من أخته «سعدية» بعد أن غرّر بها. لكن مضمون الرواية، من ناحية أخرى، تكرار للفكرة الشائعة في المورث الديني، فالله لا يهمل القاتل إنما يمهله ليستنفد طاقته في الشرّ، فيبلوه بعقاب لا يتحمّل وزره شخص آخر. شكّلت هذه الفكرة الأخلاقية التي قالت بها الديانات السماوية قوام الحبكة السردية في الرواية، فبين البداية التي تفتتح بالجريمة الغامضة لقتل «سهيل»، والنهاية التي تختتم بعقاب «سمحان» عرضت الأحداث بسرد تفسيري كشف سوء التفاهم بين جيل الآباء وجيل الأبناء. وسيطر المغزى الأخلاقي على النصّ من أوله إلى آخره، فكّلما مضت الأحداث بمسارها تعقّد نسيجها، وتناثرت انفعالات الحب، والغضب، فقادت إلى نهاية تصالحت فيها التناقضات، وانحلّت حينما قبلت الأطراف كلها عقاب الله للقاتل. على أن اعتراف «سمحان» خفّف من غلواء الآخرين، وشرع الأفق أمام الشخصيات لتخطو صوب مرحلة جديدة من حياتها.

وُضِعتْ الأبوّة في علاقة تعارض مع البنوّة في حالة محمد وأبيه سمحان الذي سعى لإعاقة سعادة ابنه، فلم يدرك السبب وراء ذلك إلا في النهاية حينما اعترف القاتل، لكن البنوّة، من جهة أخرى، وُضعت في علاقة تكامل في حالة بحث «صارم» عن قاتل أبيه، فقد كان الابن استمرارًا للأب الذي غُدر به، ولكن التناقضات انحلّت في النهاية حينما غفر محمد لأبيه جميع أفعاله السيئة، وهو على فراش الموت، وجاراه صارم، فغفر له قتل أبيه؛ لأن العائلتين اندمجتا بالمصاهرة، وأصبح من المتعذّر الانتقام من أسرة القاتل، فمحمد صديقه وزوج أخته، أما الأب القاتل فقد تلقّى العقاب الإلهي القاسي.

على أن الوئام بين الأبناء قد نقض الخصام بين الآباء، فتراجع احتدام الثأر في نفس «صارم» بمرور الوقت حينما تبيّن له أنّ فكرة الانتقام خاطئة فعليًا وإن كانت صائبة من منظوره بوصفه ابنًا قُتل والده غيلة دونما معرفة السبب، وقد أسهمت أمه «رفيعة» بذلك حينما زرعت في نفسه فكرة العقاب المؤجل للقاتل، ووقف البحث عنه، وبذلك فتحت نافذة للحياة بدل الانتقام الأعمى، فلاح بذلك مستوى دلالي مواز؛ فالنساء ينشدن السلام والطمأنينة، فيما يمضي الرجال بعجرفة نحو تبنّي فكرة القتل، لكن سعيهم يخفق حينما يتم الزواج، ويعاقب الله الشخص الذي تسبّب بذلك، فيقع تحوّل بنيوي في السرد حينما تتخطّى العلاقات مستوى العداء بين جيل الآباء إلى مستوى الانسجام بين جيل الأبناء.

على أن السرد انطلق من لحظة فقدان التوازن، وأعادها في النهاية، إذ جاء قتل «سهيل» إثر نشوة غامرة، حينما تمدّد بين الخمائل، وقد غمر ساقيه في ماء الحوض، وأحسّ بالسعادة، فافترش ملاءة، واستلقى على ظهره وسط أشجار النخيل، وشرع يترنّم بأغنية شعبية عن أيام الصيف، حتى «وثب جسم ضخم على صدره لا يرى منه سوى عينين كالجمر بلونهما»(9). وقد سيطرت على «صارم» فكرة الثأر مذ علم بمقتل أبيه، فغواية الدم لا ترتوي إلا بالقتل، وقد اختزل وجوده بالانتقام من قاتل أبيه، إذ اعتبر ذلك حقًا مطلقًا أكثر مما هو واجب «إنما أطالب بحقّي، ودم أبي حقّ من حقوقي»(10). صار فعل القتل مساويًا عنده لفعل البقاء «سوف أهب الحياة نفسي عندما أرضي ضميري»(11). وبموازاة هذا الخط المتصاعد من مشاعر الانتقام ظهر خط علاقة الحب بين صديقه محمد وأخته ريحانة.

تعرّض كلُّ مسار سردي في الرواية لإعاقة من نوع ما، فمجهولية القاتل أرجأت ثأر صارم، ورفض سمحان عطّل إتمام زواج ابنه من ريحانة، وقد ظلّ هذا التوازي قائمًا في بنية النص إلى أن دُمج في النهاية حينما ظهر أن «سمحان» هو السبب، فهو الذي قتل سهيلًا، وهو الرافض لزواج ابنه محمد من ابنة القتيل، فكان الغفران خاتمة للإثم. لكنّ الشقاء الطويل الذي عرفه القاتل سوّغ لصارم وأسرته قبول المغفرة إلى جوار التصاهر الذي دمج الأسرتين في مصير واحد، فلم يعد من المتاح تهشيم الصلات الجديدة، والعودة بالعائلة إلى مرحلة العداء الذي شاب العلاقات في جيل الآباء. ولعل التحوّل النفسي والشعوري لصارم من ابن مجروح تتدفق منه مشاعر الانتقام إلى غافر يروم الصلات الإنسانية بين عائلته وعائلة صديقه محمد هو المظهر الأكثر حيوية في الحبكة السردية للرواية، فاستبدل بالكره الحُبَّ، وانتهت الأحداث بغير ما بدأت به.

إلى ذلك أضيفت حبكات صغيرة موازية؛ فالآباء يموتون أو يعارضون، والأبناء يحبّون، ويمارسون نزق الشباب، والنساء واهنات بإزاء رجال يمارسون العنف والكراهية بإفراط. على أن الرواية كشفت عن سوء التفاهم بين جيل الآباء وجيل الأبناء، فالأبناء متعجّلون في قطف ثمار غير ناضجة، فيما الآباء متمهلون يدعونهم إلى التريث في اختياراتهم، فصارم يواجه بموقف «سيف النبيه» من تزويجه ابنته «رحاب» لأنه مازال شابًا لم يكمل دراسته الثانوية، وهو موقف مماثل لموقف أمه «رفيعة» ونعثر على ذلك في موقف سمحان من رفض تزويج ابنه محمد من ريحانة. وتلاحظ غزارة في مشاعر المراهقين من الشباب والفتيات، فهم يضخّمون أحاسيسهم ويرونها صائبة بشكل مطلق، ويتعجّلون الزواج من دون إكمال تعليمهم، وكل نصح يفهم على أنه إعاقة لحبٍّ يسعون إليه.

5 - الأنثى في مرايا الذكور

أظهر التمثيل السردي مجتمع رواية «عيون الثعالب» لـ «ليلى الأحيدب»، غفلًا، ومبهمًا، ومزوّرًا، ولا تحكم أفراده أي معايير، فعلى الرغم مما يبدو من مظاهرة السلطة الأبوية والدينية فيه، فإن معظم شخصيات الرواية، من النساء والرجال، مارسوا رغباتهم الجسدية من وراء الحجب، وفي أماكن سرية، فثمة عالم مفتوح يوازي العالم المغلق، وقد أهمل السرد العالم الثاني، وجعل الأول موضوعًا له، ففيه تتدفق المتع، وتشبع اللذات، وتعلو إيقاعات الموسيقى والشعر، ويتلاقى العشاق، وتتلاشى الحدود بين النساء والرجال، فيما كل ذلك من المحظورات في العالم الخارجي، ولا ترى النساء ذواتهن إلا في مرايا الرجال، فالهوية الأنثوية تشكيل مبهم يقوم الذكور بصقله ليصبح قابلًا للتعرّف، وكل امرأة تنتقي أنموذجها من بينهم، وتسرّ صديقاتها به، على خلفية من تنكير الأسماء والألقاب، فيدور الحديث في مجالسهن الخاصة عنهم، أو عمّا يتصوَّرْن أنه خاص بهم، فالمرأة كائن شائه يجد له موطئًا في السرد لأنه يعيد تكرار الأنموذج الذي اختاره من الرجال لشغف عابر، أو لقاء منقوص، فتأتي الذات الأنثوية لتخلع على أنموذجها ما تتمنّى وترغب.

صدر الإرسال السردي في الرواية بكامله عن نساء جرى تعليق فعلهنّ، فانخرطن في أحاديث عن رجال خلبوا ألبابهنّ بوصفهم نماذج مجرّدة. وكل امرأة كانت تبتكر ذرائعها لتعيد إنتاج أخطاء أنموذجها بوصفها ميّزات يتفرد بها حتى لو اندرج ذلك في باب الخيانة والإهانة الشخصية والتبعيّة. فما تتمنى أن تكونه المرأة هو مماثلة الشخصيات التي اختلقها الرجال في كتبهم، وعلى هذا تصف مريم، ابنة العشرين، نفسها بأنها «أنثى ضحلة» وهي مؤهلة للجنون، ووقتها من رماد، وقد امتلأت عجبًا لأن عليًّا، وهو كاتب معروف، راح يهتم بها، ويثني على ما تكتبه من نصوص أدبية. لا تحبّ مريم عليًّا الإنسان إنما اصطفت منه أنموذجًا غير قابل للخدش، وراحت تسعى لكتابة أدبية ترضيه «هو أنموذجي في كل ما أكتب» فلا يهمّها ما تكتب عن نفسها وعالمها، وما اللغة التي كتبت بها، إنما كانت تريد أن تصل إلى «اللغة التي يريد» وتفصح عن ذلك «عليّ أنموذجي الذي أشرئبُّ إليه لأكتب، أحبّه كرمزٍ، كمُلهمٍ، كحلمٍ أبلّل به أطراف كلماتي لتضيء». وتقدّم اعترافها «كان يدرك حجم ولعي به، ويدرك بأنني أعشق التراب الذي يمشي عليه وأنني سأعمل ما يريد إن أشار لي بإصبعه. أتقنتُ دور الجارية وأتقنَ هو دور السيد، لكنه لا يعرف أبدًا شرك الأنوثة الذي سأقوده إليه بدهاء الإماء (12).

وضعت الأنوثة الماكرة في مواجهة مع النموذج المجرّد، فثمة مناقلة في الشهوات بين امرأة تعشق ذاتها لأنها تريد الوصول إلى أنموذجها السامي، ورجل مستغرق في ملذاته الدنيوية فيريد أن تكون المرأة كائنًا يشبع نزواته، فلا يهتم هو بغير ذلك، ولا تشغل هي بغير ملامسة الصورة الخادعة للأنموذج، فتنشأ علاقة شائكة قوامها الهوس من طرف، والرغبة من طرف ثان. لم يخطر لمريم علاقة متكافئة مع عليّ، إنما استئثار بأنموذجها تنتزعه بدهاء الجواري، فالمرأة كائن لعوب يستدرج رجلًا حصّن نفسه ضد الحب. ولكي يرتسم التوازن بين الأنموذج المجرد والكائن الواقعي ترتبط مريم بعلاقة موازية مع يوسف الذي يماثلها في كونه ممكنًا وعاديًا، فمعه تحقّق «ذاتها الأنثوية الطرية» فتكون العاشقة المغناج المتدلّلة، وبما أنهما يعيشان حلمًا أرضيًا واحدًا، فتستطيع أن تتعامل معه حبيبًا من الرتبة نفسها، وتمارس معه الدلال الأنثوي دونما شعور بالتبعية، لكنها ما إن تكون مع عليّ حتى تصبح تابعًا لا خيار له في إرضاء الأنموذج المتعالي، إنما الانقياد له «أنا التي تحتفل وتشرق وتختار وهو يعتلي قمّته ويعرض عليّ وقت قدومي، إن كان ملائمًا طوى لي الأرض، وإن كان غير ذلك أغلق بابه دون اعتذار»، ولطالما رسخ في نفسها أنه «التحدي الذي أصعد نحوه ولا أمَل». فقد كانت تريده «كمُلهم، كوحي، كنموذج أصعد عبره إلى حالات من البهجة والاختلاف والتميز لا تعبرني مع غيره من الرجال (13).

من أجل تحقيق أملها خرقت مريم المواثيق الأخلاقية والاجتماعية التي تربّت عليها، ومنها الوعود التي أعطتها لجدّتها بالحفاظ على نفسها، وتجنّب مخالطة الرجال، فكانت تزداد سعادة كلما أفرطت في الخروج عليها، وقد توهّمت بأن عليًّا سوف يفكّها من أسر تراه مخلًّا بآدميتها، فنشأت بينهما علاقة سرية في حلكة الليالي قادتها بالتدريج إلى الاستعداد الكامل لمنح نفسها له كي تختبر قدرتها في حيازة المثل الأعلى، ثم تنتهي بمنح جسدها البكر له طوعًا ورغبة «في ظلام الغرفة كنت أتحسّس جسد عليّ وكأنّي ألمسه لأول مرة! امتزج به طاردة كل هاجس يمكن أن يبعدني عنه، تحرّرت من خوف فَقْد البكارة والعذرية، لم يعد ذلك الحيّز المقدس يشغلني، بالأحرى كنت أريد أن أفقده لأمتلك عليّ! كان هو مفتاحي لا قيدي، لذلك كنت في تلك العتمة أنثى حرّة تستجيب لجسد عاشق ومولّه، لم يكن هنالك رقيب ولا خوف ولا مرّة أولى، اعتدت رائحة عليّ وعرفت تضاريس جسده، سابقًا كان جسدي مشدودًا ومتشنّجًا وهو يتعاطى مع قبلة أو ضمّة لـ علي. وكان هذا الانفعال الخائف يذكّره أنني عذراء وبكر فيبقي مسافة آمنة بين جسدي وجسده، أظنني هذه الليلة لم أذكّره بذلك». وبإزاء ذلك رمى عليّ حذره جانبًا، وتحلّل منه، وفقد التأنّي الذي اعتاده مع مريم، وأهمل الإشارات التي كان يبديها حول حرصه على صون عذريتها، فقد وجدها في حالة رغبة لا تقاوم، وقد انقادت إلى شبق جسدها، فلم «يقاوم كثيرا وأغرته البوابات الموصدة، أغراه أن يكون أول من يطرقها، أغراه أن يتحدّى سنواته الأربعين وأنا كنت مستسلمة تمامًا، أريده أن يفتحها. لم أفكر بكل مخاوف فضّ البكارة ولا بألم الافتضاض، بل كنت أرغب أن يصل إلى حيث أريد. لم أصرخ ولم أحاول منعه. جسدي كان يريد ذلك، لذلك لم يقاوم عليّ بل كان طيّعًا ومستسلمًا وهو يفتضّ قدسيته (14).

أرادت مريم أن يكون عليًّا تجريدًا خالصًا فيما أصرّ هو أن يكون كائنًا بشريًا متّصلًا بالعالم الأرضي، فبقيت مشدودة إلى الأنموذج وأشاحت بنظرها عن الكائن البشري، وراحت تفتعل أسبابا للاندراج في دائرة حياته، فقد اعتصمت في بيته لا تريد العودة إلى أهلها لتدفعه إلى الزواج منها، فخشي أن يتهم باختطافها، وسعى إلى التخلّص منها، فتراجعت عن مخطّطها حينما أدركت خوفه من الفضيحة، على أنها كانت تهفو إلى مغامرة أخطر تدفع به لقبولها زوجة دونما رغبة منه، فتواطأت مع رجال «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ليُضبطا معا في خلوة غير شرعية في شقته، فتساومه من خلال أحد رجال الهيئة على وجوب الزواج منها سترًا لها وله من الفضيحة.

فكان أن تحقّق لمريم ما أرادت، لكن صدمتها به بدأت في الظهور تدريجيًّا حينما أدركت أن أنموذجها المتخيّل يختلف كلية عن الشريك الذي حلمت به مدة طويلة، وسهرت من أجله الليالي، فقد صمّم حياته بطريقة خاصة قبل ظهورها في حياته، وأصبح من المتعذّر عليه التخلّي عن تلك الطريقة المباشرة في الاستمتاع، فمضى فيها دونما تغيير سوى احتقاره لمريم واعتبارها تابعًا فرض نفسه عليه من دون رغبته، فانهارت الفرضية التي أقامت عليها كل آمالها، ثم حاولت تصحيح مسار حياتها ومسار حياته بخطأ مضاعف، فغافلته وحقنت نفسها بسائله راغبة في طفل رابط بينهما، وحملت منه متخطّية رغبته وجميع الموانع التي وضعها للحيلولة دون ذلك. وبذلك وضعته أمام أمر واقع، فارتبكت العلاقة بين رجل تعلّق بضرب خاص من الحرية الشخصية، وامرأة داعبها أمل زائف.

قادت هذه السلسة من الأخطاء إلى الشعور بالإثم، فقد استجابت مريم لنزواتها، وانزلقت إلى منطقة ثالثة، فالصبوات الأنثوية أفضت إلى نتيجة لم تكن في الحسبان، وتعذر على الأنموذج تلبية حاجات الشراكة الزوجية، فلم تحقّق مريم ذاتها، ولم يتغير المحيط الاجتماعي الحاضن لها إنما ازداد انغلاقًا على نفسه، فكأنها بذلك قد خرقت المحرّم بنزوة آثمة تنتظر العقاب، فشرعت تتضرّع في طلب الغفران، واضطرب أمرها إلى أن عثرت على حجتها الأخلاقية، فلم يعد مهمًّا أن تمضي مع أسرتها أو أن تعيش مع عليّ إنما تريد أن تقطف ثمرة علاقتها الملتبسة مع عليّ، وهو الجنين الذي سعت إليه بالاحتيال على أنموذجها الذي انحطّ في وعيها إلى الدرك الأسفل، فهو الشاهد على براءة محاطة بشبهات الأخطاء. انهار الأنموذج المتخيل للشريك، وانكفأت مريم على ذاتها، وهي في مقتبل العمر، تريد تصحيح مسار حياتها بالإخلاص لثمرة جاءت نتيجة سوء تصرّف وسوء اختيار.

كانت مريم في بداية الرواية جزءًا من شبكة من الشابات الجامعيات الراغبات في خوض تجارب حالمة، لكنها انتهت مدنّسة بعد أن تحطّم أنموذجها، فلا تحمل في رحمها إلا جنين الخطيئة، فالحبكة تحمل مغزى أخلاقيًّا يرسم نوعًا من الخطأ، ولكنه لا يقرّ بالعقاب. وقد منح التمثيل السردي مشروعية للحدث النسائي الذي يقوم على الثرثرة والدردشة والملاسنة والاغتياب، ثم الكَبَوات والأخطاء والأحزان، والانشغال بأحوال الرجال من حبٍّ وكره؛ ففي مجتمع مغلق يجرّم التواصل بين النساء والرجال، تنتج النساء صورًا متخيلة للرجال غالبًا ما تكون خاطئة، ويستعدْن بلا ملل أماني ورغبات لا حضور لها في عالمهم، فيصبح الفضاء النسائي هشًّا تدور فيه أحاديث عنهم، وتظهر الكناية، والأسماء الرمزية، للإحالة على شخصيات كسيت بخيال أنثوي مقهور يتشوّف إلى عالم الذكور القاسي الذي يغرق في المتعة، ولا يعير اهتمامًا للعواطف الأنثوية الرقيقة، إنما يغرف من المتع بأنواعها دونما ارتواء.

6- التمثيل السردي والتمايز الطبقي

على أن التمثيل السردي في رواية «الثوب» لـ«طالب الرفاعي» اعتنى بمشكلة خطيرة في المجتمع التقليدي، إذ لا تكتسب الشخصيّة هُويّتها من خلاصة التفاعل الاجتماعيّ إنّما ترثها عن أسرة أو طبقة، ويمنع المسّ بهذا النظام المقدّس المهيمن في المجتمع التقليدي، فلا تستحدث هُويّة الشخصيّات، إنّما تمنح كهبة أسريّة أو طبقيّة، فقد يتعلّم المرء أو يثري، ولكنّه يظلّ مقيّدًا بطبقته التي تعتقله في أطر اجتماعيّة ثابتة. وفكرة الرسوخ الطبقيّ موروثة وليست مكتسبة، لأنّ المجتمع لا يعترف بالترقّي الاجتماعيّ الشامل، إنّما يحتفي بما تورّثه الأسر الثريّة لأولادها، فهو يبيح كسب المال بأيّ طريقة ممكنة، ولكنّه لا يسمح لمحدثي النعمة أن يترقّوا إلى مصافّ الأسر الكبيرة، فتوضع حواجز أمام كلّ طموح جديد. وقد عرضت الرواية، بتمثيل سردي كثيف، لبّ النزاع المتولّد عن هذه القضية التي شكلت ثابتًا بنيويًّا في السرد.

سكن معظمَ الشخصيّات قلق بين انتماءاتها الفكريّة وبين ولائها للطبقة التي تنتمي إليها، وحين يريد رجل المال والتاجر الثري «خالد خليفة» أن تُكتب سيرته، لكشف حال العبور من طبقة إلى أخرى، تحول أسرة زوجته دون ذلك، فهي تريده تابعًا لها وملحقًا بها، فالقانون الطبقيّ يسمو فوق أيّ علاقة، زوجيّة كانت أو فكريّة. ويتأدّى عن هذه الأطروحة السرديّة موضوع الرواية، وهو خاصّ بالخراب الذي يعصف بالعلاقات الزوجيّة في مجتمع الرفاهية؛ فالمال لا يعتبر داعمًا كافيًا لحياة زوجيًة سليمة، إنّما هو غطاء يستر تناقضًا جوهريًّا في مواقف الشخصيّات.

تُقابَل كلّ محاولة لعبور المسافة الفاصلة بين الطبقات الاجتماعيّة المتباينة بالرفض الكامل، ويمارس العنف لمنع التحاق الأدنى بالأعلى، فالترقّي ينبغي أن يدعم بخلفيّات أسريّة، ولا يقبل إلاّ باعتباره مجازفة فرديّة منبتّة عن سياقها الاجتماعيّ، فتصبح الكتابة فعلاً ناقدًا يفضح أزمة أخلاقيّة في عمق المجتمع: «يمكنك أن تصبح غنيًّا، شرط أن تبقى في فئتك الاجتماعيّة، وألاّ تنسى أصلك. قدرك أن تبقى حاملاً وشم طبقتك التي ولدت فيها، حتى لو ترقّيت إلى أعلى سلالم الغنى (15)، إذ لا يصحّ «أن يزجّ الفقير بنفسه في مملكة هو في الأصل ليس من أبنائها. هذا سيجعله متطفّلاً ودخيلاً عليها، ومنفيًّا من شرفها، ومكروهًا من الجميع (16). فثَمّة حدود لا يجوز عبورها؛ والتمايز ضارب جذره بقوّة في عمق المجتمع التقليديّ، وقد شكّل قاعدة من قواعده الراسخة، وكلّ شيء «مرهون بالوراثة والتوريث: الغنى والمكانة الاجتماعيّة والجاه والمركز»(17). وينبغي على الجميع احترام هذا المبدأ والالتزام به.

هذه هي البؤرة السرديّة لأحداث الرواية، ولكنّ الإيماءات المرتبطة بها تمتدّ إلى سائر الشخصيّات، فالكاتب داخل الرواية، وهُويّته تطابق هُويّة المؤلّف، يبحث هو الآخر عن نوع من الترقّي الأدبيّ والمادّيّ، فيواجه بنوعين منه، نوع أوّل يتّصل بموهبته التي صاغها بنفسه حينما استلهم أوضاع مجتمعه في روايات سابقة، ويريد تطوير هذا الاتّجاه ليستكمل شرعيّته الأدبيّة، فلا يتصوّر أنّه سيخون ثقة القرّاء به في عدم المضيّ في ذلك، يغريه بذلك قرينه «عليان» الذي يريد منه أن يكون عمليًّا، فيلهمه كثيرًا من قراراته، ونوع ثانٍ تمثّله حاله الأسريّة المكبّلة بالديون، فيكون عرض «خالد خليفة» له بمنحه مئة ألف دينار مقابل كتابة سيرة روائيّة له، وسيلة للتخلّص من الديون المتراكمة عليه، وتملّك المنزل المرهون للبنوك، فيجد المؤلّف نفسه بين قطبين، هما القرين عليان والثريّ خالد خليفة، كلّ منهما يعرض عليه نوعًا مختلفًا من الترقّي، الأوّل ذو مضمون رمزيّ يتّصل بهدف الكتابة، والثاني ذو مضمون مادّيّ يتّصل بطريقة الحياة.

ظلّ الكاتب منقسمًا بين القطبين إلى نهاية الأمر، إذ أراد بتشجيع من أسرته أن يستأثر بالمكافأة التي عرضت عليه مقابل كتابة رواية عن رجل ثريّ، لم يعترف طبقيًّا بالترقية التي حصل عليها بنفسه، ولكنّه أراد أيضًا أن يكون أمينًا على المثل العامّة التي تمرّس عليها بالكتابة، فهو لم يكتب من قبلُ من أجل المال، إنّما ليؤدي مهمّة تمثيل حال مجتمعه، وأصبح الآن يكتب عن شخص لا يصلح أن يكون نموذجًا أدبيًّا بثمن كبير يعرضه عليه. فأيّ النموذجين، المثاليّ أم الواقعيّ، هو الذي ينبغي على المؤلّف أن يكتب عنه؟

وفيما كشف التمثيل السردي ثبات العلاقات الاجتماعيّة، التي لا يسمح بزحزحتها، تحرّكت شخصيّة الكاتب ليلَ نهارَ في طرقات المدينة، فبإزاء ثوابت طبقيّة أو قيميّة تتحرّك عناصر السرد الأخرى، ولا يظهر غير الزمان محسوبًا بالساعات والدقائق، وتكشف الحركة الدائبة للشخصيّة في طرقات المدينة نوعًا من عدم الانتماء إلى الفضاء الاجتماعيّ، فتلجأ إلى الحركة التي ترفع موقعها لتكون عينًا راصدة لأحوال مجتمعها، ويكاد الروائيّ ينشطر على ذاته بين مثل عليا رمزيّة وحاجات دنيا مادّيّة.

تعثّر السرد بقوى خارج العالم المتخيّل للنصّ، فبما أنّ الكاتب اقترح ثنائيّة الواقع والمتخيّل مجسّدة بأحداث واقعيّة، وحرص على نثر مشكلات وقضايا وتجارب حقيقيّة في فضاء النصّ، فكأنّ التصريح الزائد بها يلحق به ضررًا، ونكرانها لا يمنح نصّه الغاية التي يريدها من روايته، فكلّما أراد الاقتراب إلى المناطق المحرّمة، أشاح عنها كيلا تكون الكتابة دليلًا على تحرّش غير مقبول بواقع معلوم، لكن تتعذّر الكتابة عنه.

7 - تفسير ختامي

ينبغي معالجة ظاهرة التجديد السردي في رواية الخليج وشبه الجزيرة في ضوء مكاسب التجديد التي جنتها الرواية العربية على مستوى توظيف تقنيات السرد، وطرائق التمثيل السردي، فالتلازم قائم بينهما، وخصوصية المكان لم ترفع الاختلاف إلى مستوى عدم التفاعل بينهما، فقد عرفت الرواية العربية منذ أول نشأتها في منتصف القرن التاسع عشر ضربًا من السرد التقليديّ الذي يحتفي بالحكاية، ومداراة تسلسلها المنطقيّ الذي أخذ في الاعتبار التدرّج المتتابع، وصولاً إلى نهاية تنحلّ فيها الأزمة، ويعاد التوازن المفقود إلى حاله الأولى. وقد تحدّدت وظائف السرد التقليدي داخل منظومة متماسكة من التراسل لها شروطها الثقافيّة والذوقيّة، وكلّما تغيّرت الشروط استجدّت أنماط من السرد الذي لا يولي اهتمامًا بالحكاية فحسب، إنّما يولي اهتمامًا بنفسه أيضًا، كما رأينا في رواية «الثوب» حيث يتمركز السرد حول ذاته، فيقوم الرواة بتحليل مستويات السرد، وطرائق تركيب الحكاية، والعلاقة بين المادّة الواقعيّة والمادّة التخيّليّة. وكل ذلك يندرج في إطار السرد الكثيف(18).

وقد أخذت الرواية العربيّة في منطقة الخليج وشبه الجزيرة بالتقنيّات السرديّة الجديدة، وبطرائق التمثيل السردي الحديثة وسيلة للخروج على النسق التقليديّ الذي يقوم ببناء حكاية لا تنفصل عن السرد الذي يتولّى تشكيلها، فبدأت تعرض تمثيلاً مغايرًا لما كان السرد التقليديّ يقدّمه عن العالم، وقد رجحت العلاقات السردية بين الأحداث على العلاقات المنطقية فيها.

ويمكن القول بأن السرد التقليدي ظهر في حاضنة ثقافيّة مشبعة بالقيم المطلقة المدعومة بنسق منسجم من العلاقات الاجتماعيّة مع العالم، فيما تشكَّلت السرود الجديدة وسط عالم يفتقر إلى القيم الكليّة، وقد ضربه الشكّ في صميمه، وبذلك وقعت إعادة نظر في نوع العلاقة بين السرد والعوالم المرجعيّة، فأصبحت تلك العوالم غير ملهمة، إنّما صارت طرائق تمثيلها هي الملهمة، فلم تبق المدوّنة السرديّة نصًّا مغلقًا على ذاته، إنّما انفتح على العالم، وعلى شئونه السرديّة، فتداخلت أدوار المؤلّفين بأدوار الرواة، وانطبع كلّ ذلك على صفحات السرد، وكثير من هذا وجدت له تجليات في الرواية العربية في الخليج وشبه الجزيرة.

* الهوامش

1 - يحيى أمقاسم، ساق الغراب، بيروت، دار الآداب، 2008، ص2.

2 - علي المقري، اليهوديّ الحالي، بيروت، دار الساقي، 2009، ص7.

3 - م.ن. ص 95.

4 - م.ن. ص 111.

5 - م.ن. ص 117.

6 - م.ن. ص 122.

7 - م.ن. ص 143.

8 - م.ن. ص 146.

9 - علي أبو الريش، الاعتراف، بيروت، دار الكتاب العربي، 2009، ص 9-10.

10 - م.ن. ص 88.

11 - م.ن. ص89 .

12 - ليلى الأحيدب، عيون الثعالب، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2009، ص161.

13 - م. ن. ص 163-164.

14 - م. ن. ص 219.

15 - طالب الرفاعي، الثوب، بيروت، دار المدى، 2009، ص 173.

16 - م. ن. ص175.

17 - م. ن. ص176.

18 - انظر التحليل الموسّع لهذا الموضوع في: عبدالله إبراهيم، موسوعة السرد العربي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2008، مج2 ص177-209.

* البحث الذي شارك به د. عبدالله إبراهيم في ملتقى مجلة العربي الثاني عشر بدولة الكويت خلال الفترة 4 - 6 مارس/آذار 2013 تحت عنوان "الجزيرة والخليج العربي .. نصف قرن من النهضة الثقافية".