مطايا الغزاة.. إذا زادت عليهم الركلات

حتى وإن لم يعن قرار البرلمان التركي، بالسماح للجيش باجتياح مناطق شمال العراق لملاحقة متمردي حزب العمال الكردستاني، هجوما شاملا وفوريا، فان صفعة التأديب التركية للمشروع الإنفصالي الكردي كانت كافية، حتى الآن على الأقل، لجعل زعماء المليشيات الكردية العراقية يفكرون عشرين مرة قبل ان يقدموا على إتخاذ أي تدابير إضافية تعزز طموحاتهم الإنفصالية عن العراق.
ويعني ذلك، من بين جملة ما يعنيه، ان إلحاق كركوك الى الإقليم الكردي سيواجه عقبات جدية، خاصة وان تركيا تجد فيه الخط الذي ما ان يتم اجتيازه حتى يكون مشروع الإنفصال الكردي قد وقف على رجلين قويتين.
ومن المعروف ان الأقلية التركمانية العراقية كانت، حسب إحصاء عام 1957 تشكل الأغلبية في مركز مدينة كركوك. أما إذا أضيفت اليها الأقلية العربية المقيمة تاريخيا هناك، فان هاتين الأقليتين تشكلان الأغلبية على مستوى المحافظة ككل. ولكن زعماء المليشيات الكردية التي يقودها جلال الطالباني ومسعود البارزاني عمدت على امتداد السنوات الأربع الماضية، الى تهجير السكان العرب والتركمان من ناحية، والى إحلال أكراد من ايران وتركيا محلهم، من ناحية أخرى، بعد منحهم وثائق مزيفة تزعم انهم من سكان المحافظة.
وكان زعماء المليشيات الكردية العراقية يراهنون على ان مساندتهم لحركة التمرد الكردية في تركيا سوف تمنحهم وضعا تفاوضيا أفضل لإقناع تركيا بقبول طموحاتهم الاستقلالية مقابل تخليهم عن دعم حركة التمرد المسلحة التي يقودها حزب العمال الكردستاني. ولكن يبدو ان السحر إنقلب على الساحر.
فالهجمات المسلحة التي يقودها حزب العمال الكردستاني، والتي أسفرت، منذ عام 1984 حتى الآن، عن سقوط ما لا يقل عن 34 ألف ضحية، ظل يُنظر اليها في أنقرة على انها أعمال إرهابية.
وتطلب أنقرة من الولايات المتحدة، التي تساند عملاءها الأكراد في شمال العراق، أن تتخذ موقفا واضحا حيال الإرهاب الذي يمارسه المتمردون الأكراد. وترى انه ليس من المعقول ان تقوم الولايات المتحدة (قادمة من الجهة الأخرى من الكرة الأرضية) بملاحقة "إرهابيين" في افغانستان والعراق كبّدوها بضعة آلاف من القتلى، بينما لا يحق لتركيا ان تلاحق "الإرهابيين" الذي يعسكرون في جوارها والذين كبّدوها عشرات الآلاف من القتلى.
وتقول أنقرة ان الكيل بمكيالين من جانب الولايات المتحدة تجاه "أعداء" قد يكون مفهوما، إلا ان الكيل بمكيالين تجاه "حلفاء"، ينم عن مستوى غير مقبول من الانتهازية السياسية. وفي الأقل، فان تركيا عضو في الحلف الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة. وهذا يعني:
1- ان واشنطن لا تستطيع ان تحارب نوعا من الإرهاب ضدها، بينما تدعم نوعا آخر ضد حلفائها.
2- حقيقة ان المليشيات الكردية العراقية تقدم خدمات العمالة لواشنطن، لكي تعزز طموحاتها الإنفصالية، لا يمنح هذه المليشيات الحق في إلحاق الأذى بالمصالح الإستراتيجية لتركيا.
3- قد يبدو نشر الفوضى وعدم الاستقرار مفيدا للاستراتيجية الاميركية في العراق، وقد يكون هو تلك الإستراتيجية نفسها، إلا انه يجب التمعن في عواقبه الخطيرة بالنسبة لدول الجوار.
وتعتبر انقرة ان المشروع الإنفصالي الكردي في شمال العراق يجب ألا يحصل على ترخيص من جانب الولايات المتحدة لمجرد ان زعماء المليشيات الكردية يمثلون وسادة سهلة للإحتلال الاميركي في العراق. لان الخطر الناجم عن هذا المشروع لن يتوقف على العراق وحده. ولا بد للكتلة السكانية الكردية الأكبر التي تعيش في تركيا (نحو 15 مليون نسمة) ان تتأثر، في آخر المطاف، بالإمتيازات التي يحصل عليها الأكراد العراقيون. وحتى لو إقتصر الأمر على ما يفترض انه حقوق ثقافية وإدارية، فان منح الأكراد الأتراك هذه الحقوق، في جوار مشروع انفصالي حقيقي، سوف يمثل تهديدا لوحدة تركيا ويزعزع المفهوم القومي الذي قامت عليه الجمهورية التركية.
ولهذا السبب، فان الأمر لا يتعلق بمصالح استراتيجية مؤقتة، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة مثل السيطرة على نفط العراق، وانما بأسس بقاء تركيا نفسها.
وتورد المصادر التركية التأكيد تلو الآخر على ان تركيا، إذا كانت قادرة على التعايش مع الأعمال الإرهابية التي تشنها الحركات المسلحة الكردية، إلا انها لن تكون قادرة على التعايش مع الحافز الإنفصالي الذي تمثله هيمنة المليشيات الكردية في شمال العراق.
***
ويعني القرار الذي اتخذه البرلمان التركي بإجازة ملاحقة المتمردين، ان الجيش التركي حصل على تخويل مفتوح، يستمر لمدة عام، قابل للتجديد، باجتياح كل مناطق هيمنة المليشيات الكردية. نظريا، لتدمير مراكز المجموعات الكردية التركية المسلحة، ولكن عمليا، لتدمير أي مسعى لإقامة منطقة تتمتع بالاستقلال عن العراق.
ويبدو ان زعماء المليشيات الكردية العراقية استوعبوا الرسالة، فقدموا إشارات، ولو غير جديرة بالثقة، على انهم لا يعتزمون الانفصال عن العراق، وانهم سعداء تماما بالوضع الراهن الذي يتمتعون فيه بكل مميزات الانفصال باستثناء الإعلان عنه. وعندما زادت الضغوط التركية، فانهم أطلقوا تعهدات، ما يزال من المنتظر اختبارها، للعمل على تطهير مناطقهم من العناصر الإرهابية الكردية التركية.
وقد يعني هذا ان زعماء المليشيات الكردية العراقية سيتخلون سريعا عن ورقة الضغط، وسينقلبون على أشقائهم الأتراك، وسيقدمون أنفسهم لملايين الأكراد في تركيا على انهم ليسوا سوى مأجورين يسهل التلاعب بهم، إلا ان التعقيدات لن تتوقف عند هذا الحد.
فما يقلق تركيا هو هيمنة المليشيات الكردية العراقية، وليس ما إذا كان هناك متمردون مسلحون أتراك يتخذون من مناطق شمال العراق مقرا لعملياتهم.
والحقيقة، هي ان انقلاب المليشيات الكردية العراقية على أشقائهم الإرهابيين الأتراك سوف يدفع هؤلاء الى العمل من داخل تركيا. مما يعني ان الجرح سيظل مفتوحا، ونزيفه قد يزداد سوءا.
وهكذا، فان بقاء مقرات الإرهابيين خارج الحدود التركية ربما يكون، من هذه الناحية، مفيدا (لتركيا) أكثر، لانه سيعطي انقرة الفرصة لترحيل المشكلة الى الخارج. وهذه "رفاهية" قد لا يمكن الحصول عليها إذا بدا ان المليشيات الكردية العراقية تبني مشروعها الإنفصالي، بينما يقوم الإنفصاليون الأتراك بتحويل المعركة الى معركة "حقوق قومية مشروعة" داخل تركيا نفسها.
وعلى هذا الأساس، فإذا تخلى زعماء المليشيات الكردية العراقية عن دعم حزب العمال الكردستاني فستكون هناك مشكلة (نقل الأزمة الى داخل تركيا). وإذا لم يتخلوا عن هذا الدعم فستكون هناك مشكلة أيضا (استمرار التمرد المسلح). انما من دون ان يلاحظوا ان مشروعهم الإنفصالي نفسه، هو جوهر هذه المشكلة في الحالتين.
وتريد تركيا، فيما يبدو، ان تواجه هذا المشروع، وان تجعله يجلس على حديد ساخن طوال الوقت تحت طائلة التهديد بالاجتياح.
وهذه هي الصفعة التي يتوجب على زعماء المليشيات الكردية العراقية ان يقدموا لها خدهم الأيمن، كلما تعرض لها خدهم الأيسر.
واليوم يتراكض قادة حكومة المليشيات في المنطقة الخضراء، لتقديم التعهدات وتوفير الضمانات بعدم قيام المتمردين الأكراد بشن هجمات ضد تركيا إنطلاقا من الأراضي العراقية. ولكن، في الوقت الذي تستطيع تركيا ان تحوّل هذه التعهدات والضمانات الى أداة للتدخل في شؤون إدارة المناطق في شمال العراق، فان هذه الضمانات لا تعني، في الواقع، شيئا بالنسبة لأنقرة. المشكلة بالنسبة لها لا تكمن هنا، بل في الطموح الإنفصالي نفسه الذي تمثله المليشيات الكردية العراقية.
وحيال الإغلاق المستمر للحدود بين إيران وإقليم شمال العراق (وهو ما يتزامن مع حملة قمع شعواء بلغت حد قيام طهران بإعدام متمردين أكراد) فان عسكرة الحدود العراقية-التركية، وتأييد سوريا المعلن لحق تركيا بملاحقة المتمردين داخل الأراضي العراقية، يعني ان دول الجوار تحاول ان تُفهم زعماء المليشيات الكردية العراقية انهم، بنزعاتهم الإنفصالية، يتلاعبون بمصيرهم قبل ان يتمكنوا من التلاعب بمصائر الآخرين.
***
بعض الظن قد يذهب الى القول ان هذا ربما يكون هو الوقت المناسب، لدفع زعماء المليشيات الكردية العراقية الى الإنفصال فعلا، بل والى طردهم طردا من وطن خانوه ومواطنة لم يحترموها. فهم من أجل هذا الطموح الإنفصالي دمروا العراق وحولوا كل بقعة فيه الى أرض يباب والى مستنقع قتل وسفك دماء بالتحالف مع عصابات طائفية أخرى على شاكلتهم.
وبعض الظن قد يذهب الى القول انه ربما كان من الأولى قطع دابر سرطان الأحقاد المتعفن، ليكون زعماء تلك المليشيات تحت رحمة تركيا وإيران التي ليس لديها صدام حسين يمنح الأكراد حقوقا قومية وثقافية ويمنحهم حكما ذاتيا.
ولكن بعض الظن إثم أيضا.
فالمشروع الانفصالي نفسه هو ما يجب ان يتهدم على رؤوس المليشياويين والإرهابيين والعملاء.
لا يستطيع قادة المليشيات الكردية العراقية ان يشكوا كثيرا من غزو تركي، وذلك بينما هم كانوا، وما يزالون، عملاء وأتباعا ومأجورين لغزو آخر.
ليس من المنطق ان يكون هناك "كشمش حلال، وكشمش حرام". فإما هذا، أو ذاك.
ومن الواضح ان زعماء المليشيات الكردية أوغلوا في خيانة وطنهم وفي تهديد وحدته الى درجة أصبح معها ركلهم، بعد استمطائهم، سهلا لكل من يشاء.
والخونة يجب ان يدفعوا الثمن عن كل المآسي والآلام التي تسببوا بها للعراق.
ان ملاحقتهم كمجرمين وعملاء، حقٌ مشروع للوطنية العراقية. بل ان الموقف من خيانتهم يجب ان يكون معيارا من معايير التمييز بين الشرف والنذالة؛ الكرامة والانحطاط؛ الرفعة والإبتذال.
أما أكراد العراق، فهم أكرادنا. أنهم أهلنا وأقاربنا وجزء من أنسابنا. وحقوقهم الثقافية والقومية والادارية هي حقوق علينا ويجب ان نؤديها كما نؤدي الحقوق لأبناء وأخوة. وفوق ذلك، فهم مواطنوننا، الذين يجب ان يساووا بقية العراقيين في كل شيء. لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
الوطنيون الحقيقيون، الذين يدافعون عن العراق ضد كل أنواع الغزاة، هم وحدهم الذين يحق لهم ان يقولوا: "عفارم" تركيا، إذ تدافع عن وحدتها وسيادتها ضد إنفصالييها، وأن يقولوا في الوقت نفسه: لا للغزو. ببساطة، لأن الوطنيين العراقيين، إذ يدعمون حق تركيا في الدفاع عن وحدتها، فمن حقهم أيضا أن يخشوا تحول الغزو الجديد الى تعلّة لمطامع إضافية في العراق.
صفعُ العملاء، من أي كان، أمر طيّب على أي حال.
وهو أمر طبيعي للغاية. فالذين يستمطون انفسهم لا يحق لهم ان يشكوا كثيرا إذا زادت عليهم الركلات. علي الصراف alialsarraf@hotmail.com