مصير العراق يمكنه ان يحدد مصير النظام العالمي الجديد

بقلم: الجنرال نيكولاي ليونوف

اجبرت مظاهرات الملايين في شباط/فبراير احتجاجا على السياسة الاميركية المتبعة حيال العراق الزعماء الغربيين على الاجتماع على مستوى القمة في الاتحاد الاوروبي لصياغة موقف مشترك من المسألة. والصفة التي تميزت بها المظاهرات هي انها كانت الاضخم في تلك الدول التي تدعم حكوماتها السياسة الاميركية ضد العراق: ايطاليا واسبانبا وبريطانيا. مثل هذه المظاهرات التي شارك في تنظيمها عشرات الاحزاب السياسية والمنظمات النقابية الاساسية في الدول الاوروبية لم يشهد التاريخ مثلها منذ زمن بعيد.
وتبين ان نتائج اللقاءات على مستوى القمة للاتحاد الاوروبي شكلت مفاجأة غير سارة للولايات المتحدة. فقد اصطدمت واشنطن عمليا للمرة الاولى بتضامن اوروبي عام احتجاجا على السياسة الاستعمارية لجورج بوش. على الرغم من ان القرارات التي اقرت تسمح في اقصى الاحتمالات باستخدام القوة لنزع سلاح العراق الا ان الاعتماد الرئيسي هو على اي حال في البحث عن الحلول السياسية في اطار الامم المتحدة ولمواصلة مهمة المفتشين الدوليين في العراق. واذا القينا جانبا كل الكلمات الدبلوماسية الزائدة فيتعين الاعتراف بان موقف الاتحاد الاوروبي يتعارض بشكل جدي مع خط واشنطن. وهذان الموقفان متناقضان كمفهومي "السلام" و"الحرب" مهما اجتهد السياسيون والدبلوماسيون لاخفاء هذا الواقع.
واظهر قرار الاتحاد الاوروبي تنامي الدور التوحيدي بين فرنسا والمانيا ليس فقط في اوروبا ولكن في العالم. وجلي للغاية الانتقاد العلني الذي وجهه الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى قادة بولونيا، وتشيكيا وبلغاريا ورومانيا وغيرهم من الدول الاوروبية الشرقية التي تمالىء اسيادها الجدد في ما وراء المحيط من خلال دعمهم لخط الحرب, وحذرهم من مسؤولية بث الشقاق داخل الوحدة الاوروبية ولاحظ بحدة بانهم في هذه الحالة "فوتوا على نفسهم فرصة كبيرة بالتزام الصمت".
وروسيا عموما تدعم موقف الاتحاد الاوروبي كما الصين ايضا الى جانب غالبية الدول العربية وغيرها من الدول النامية. ولو تم دعوة الجمعية العمومية للامم المتحدة للانعقاد في دورة خاصة فان واشنطن كانت لتبقى في اقلية اذا لم نقل في عزلة تامة. ويمكن القول بثقة مطلقة بانه والى جانب الولايات المتحدة ستقف فقط اسرائيل, لانه وعندما يجري الترداد الآن على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد باصرار بان العراق يشكل تهديدا عسكريا فانه يتعين التحديد بان الخطر هو فقط على اسرائيل. لان العراق قد سوى علاقاته مع كل جيرانه. فكل انواع الاسلحة التي يملكها العراق تقاس خطورتها فقط بمدى وصولها الى الاراضي الاسرائيلية وان المسافة بين اقرب نقطة في العراق واسرائيل تبلغ 240 كلم, ولذلك فان الصواريخ التي عثر عليها في العراق والتي يصل مداها الى 180 كلم ينظر اليها كمبرر كامل لقصف العراق بوابل من القنابل.
في وقت من الاوقات قصف الاسرائيليون ودمروا المفاعل النووي حيث وحسب اعتقادهم كان يمكن للعراقيين ان ينتجوا السلاح النووي, وان العراقيين اطلقوا على الاراضي الاسرائيلية عدة صواريخ سوفياتية قديمة من طراز "سكود" احدثت انفجاراتها تأثيرات نفسية أكثر منها عسكرية. واليوم يتعين الاعتراف بان المجتمع الدولي مهتم بنزع سلاح العراق بالدرجة الاولى من اجل ضمان امن اسرائيل لان لا احد غيرها يمكن للاسلحة العراقية ان تهدده.
وكيف حدث ان الولايات المتحدة التي وعلى مدى عشرات السنين لاقت استحسان فئات واسعة من الرأي العام في القارتين القديمة والجديدة بدأت بالانحدار الى وضع غير سار من جانب بقية العالم؟ فقد مضى 12 عاما فقط على انهيار الاتحاد السوفياتي واعلنت الولايات المتحدة علنا نفسها القوة العظمى الوحيدة في العالم والدولة المسؤولة عن النظام العالمي الجديد . فكيف العمل الآن مع الادعاء بان لها الصدارة العالمية اذا كان غالبية المجتمع الدولي يتظاهر علنا ولا يتقبل نشاطات الزعيم الذي نصب نفسه؟
لا يمكن للاسبان ان ينسوا كيف ان قاذفة اميركية القت منذ سنوات عديدة وبسبب عطل تقني قنبلة نووية في مكان غير بعيد كثيرا عن شواطئهم ولحسن الحظ فان القنبلة لم تكن في وضعية قتالية. ويتذكر الايطاليون كيف ان طيارا اهوج اميركي اصطدم بالمصاعد الجبلية السياحية "تلفريك" ما ادى الى مصرع 20 شخصا، والالمان واليابانيون عادت بهم الذاكرة الى "مآثر" متكررة لعسكريين اميركيين مخمورين اغتصبوا فتيات قاصرات، ان الالم يحتدم في الادراك ويعود في مثل هذه الاوقات.
احد المفكرين السياسيين الاميركيين المعاصرين غير العاديين ليندون لاروش الذي يعتزم طرح ترشيحه الى الانتخابات الرئاسية المقبلة حاول تحديد الوقت الذي تحولت فيه الولايات المتحدة من مدينة مشعة على قمة الهرم" الى دولة مستعدة "لفتح ابوابها للجحيم"، وهو يعتقد ان هذه الحدود هي العام 1964 عندما صدّق البيت الابيض على قرار يسمح له بالتدخل في الشؤون الداخلية الفيتنامية وارسل جنوده الى هناك، كما يمكن وبقدر لا يقل ايضا اعتبار هذه الحدود العام 1961 عندما ارسلت الولايات المتحدة المرتزقة الى خليج الخنازير في كوبا حيث انتهى انزالهم هناك لاول هزيمة في التاريخ للاميركيين في جزئهم الغربي وثارت في كل العالم موجة من التعاطف نحو الكوبيين.
وبعد، وبالرغم من كل الادعاءات بالدور الريادي العالمي فان الولايات المتحدة لم تتمكن من ايجاد وصفة عامة شاملة للتطور الثابت للدول الاخرى، والامثلة هي في الكوارث الاجتماعية – الاقتصادية في الارجنتين وروسيا والبرازيل التي جرت بسبب الوصفات غير الممعنة التفكير التي قدمتها الولايات المتحدة والتي تثير الشكوك في اهلية الناصحين من الولايات المتحدة. واوروبا الغربية هي خير مثال على محاولات توحيد الجهود لمواجهة السياسة الاميركية الفظة. عندما كان الاتحاد السوفياتي سلمت اوروبا باملاء الجد الغني وراء المحيط. ومنذ اربع سنوات وعندما جرى في واشنطن الاحتفال باليوبيل الخمسين لتأسيس الناتو اتخذ الاميركيون من وجهة نظرية اخر محاولة ناجحة لوضع اوروبا الغربية تحت بردعتهم، وحينها فرضوا الاصلاحات على ميثاق الناتو من خلال نشر نشاطه على كل العالم وبهذا الشكل حصلت على امكانية استخدام الحلف كاداة عسكرية من اجل تحقيق مساعيها للعولمة.
الاحداث في السنوات العشر اقنعت الاوروبيين بان الولايات المتحدة تسير من دون الاكتراث لاي معوق نحو تحقيق اهدافها القومية بالدرجة الاولى وان الوقت قد مضى للذود عن المصالح الاوروبية، الخطوط تحددت بدقة متناهية وفيها سعي لتحديد قوات التدخل السريع الاوروبي وانشاء نقدهم الخاص وتعزيز الاتحاد الاوروبي ليس فقط كمجتمع اقتصادي بل وكمنظمة سياسية.
وقد اثارت احداث 11 ايلول/سبتمبر استعطافا قصير الامد من قبل العالم ناحية الولايات المتحدة الا ان هذا الاستلطاف سرعان ما خمد بسبب الاتجاهات الانانية لواشنطن بحل الامور منفردة من خلال قيامها بدور المحقق والقاضي وحتى الجلاد. الولايات المتحدة وكما يبدو لم تستطع القيام بكل تلك المسؤوليات التي اخذتها على عاتقها امام الانسانية والتي انهالت عليها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وقد اثار عدم احترامها للشعوب والدول الاخرى وفي مدة قصيرة نسبيا (من حيث المعايير التاريخية) رفضا من غالبية المجتمع الدولي. ولهذا السبب بالذات فان مصير العراق يمكنه ان يحدد مصير النظام العالمي الجديد، وان النزاع الذي نضج يمكنه ان يصبح صاعقا لتحرك كل النظام الجغرافي السياسي. عمل الجنرال نيكولاي ليونوف 33 عاما في المديرية الرئيسية للـ "كي جي بي" السوفياتية (تسمى حاليا الاستخبارات الخارجية الروسية), من بينها 7 سنوات كان فيها نائبا لرئيس الاستخبارات, ومشرفا على العمل الاستخباراتي السوفياتي في القارة الاميركية. في العام 1991 تقاعد من منصب رئيس قسم النشاطات التحليلية في الـ "كي جي بي" في الاتحاد السوفياتي.