مصير الجنوب... والوحدة اليمنية

ما سيكون مصير الجنوب اليمني؟ ما مصير الوحدة اليمنية في ظلّ ما حقّقه الحوثيون اخيرا؟ هل الحوثيون مهتمّون ببقاء اليمن موحّدا؟

عاجلا أم آجلا ستعود قضية الجنوب اليمني، الذي كان إلى ما قبل اربعة وعشرين عاما دولة مستقلّة، إلى الواجهة. سيطلّ الجنوب، الذي كان في مرحلة ما قبل الإستقلال مشيخات وسلطنات، برأسه قريبا في ضوء سيطرة الحوثيين (انصار الله) على صنعاء وتحكّمهم بالقرار السياسي فيها. ستطرح قضية الجنوب من زاوية اعادة النظر في القرارات التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في العاصمة اليمنية وأفضى إلى قيام الأقاليم الستة من منطلق أنّ اليمن الجديد، يمن ما بعد علي عبدالله صالح صار "دولة اتّحادية".

سيلبي طرح مسألة تعديل حدود الأقاليم جزءا يسيرا فقط من طموحات قسم من الجنوبيين يطالبون بالإنفصال والعودة عن الوحدة الإندماجية التي اعلنت من عدن في الثاني والعشرين من ايار ـ مايو من السنة الف وتسعمئة وتسعين.

قبل كلّ شيء، لا يمكن تجاهل أنّ الإتفاق الذي توصّل إليه "انصار الله" مع الرئيس الإنتقالي عبدربّه منصور هادي تحت عنوان "السلم والشراكة الوطنية" يتجاهل كلّيا المبادرة الخليجية التي وقّعها الرئيس السابق علي عبدالله صالح في خريف العام 2011 بعد شفائه من الحروق الجسيمة التي اصيب بها اثر محاولة الإغتيال التي تعرّض لها في الثالث من حزيران ـ يونيو من تلك السنة.

تشمل المبادرة الخليجية، بين ما تشمل، تسليم علي عبدالله صالح السلطة لنائبه في شباط ـ فبراير 2012، على أن تكون هناك فترة انتقالية مدتها سنتان يتخلّلها انعقاد مؤتمر للحوار الوطني يؤسس لدولة جديدة استنادا إلى دستور جديد تتولى لجنة خاصة منبثقة عن مؤتمر الحوار صياغته.

هذا الدستور لم ير النور بعد، ومن الصعب أن يرى النور يوما في حال كان مطلوبا بقاء الأقاليم الستة ضمن الحدود المرسومة نتيجة مؤتمر الحوار الوطني الذي كان برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمم المتحدة وفي ظل حضور دائم للولايات المتحدة عبر سفيرها في صنعاء.

لن يقبل الحوثيون في ضوء الإتفاق الموقع مع الرئيس الإنتقالي بالحدود التي فرضت على الإقليم الذي يتحكّمون به. كذلك، هناك جنوبيون يصرّون على الإنفصال وقد قاطعوا مؤتمر الحوار الوطني ورفضوا التزام قراراته. بين هؤلاء الجنوبيين من هو مرتبط إلى حدّ ما بالحوثيين، مباشرة أو عبر ايران أو من يمثّل ايران. علاقات هؤلاء الجنوبيين بايران مكشوفة. لذلك كان اصرار "انصار الله" على تعيين ممثل لهم مستشارا لرئيس الجمهورية وأن يتمتع بحقّ المشاركة في اختيار الوزراء الجدد في الحكومة التي ستخلف حكومة محمّد سالم باسندوة.

في كلّ الأحوال، ليس في الإمكان تجاوز الواقع الجديد في اليمن. اختلطت الأوراق كلّيا بعد سيطرة الحوثيين على مدينة عمران الإستراتيجية في مطلع تمّوز ـ يوليو الماضي ودحرهم آل الأحمر، أي ابناء الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي كان شيخ مشائخ قبيلة حاشد، والقوات الموالية لهم وللواء علي محسن الأحمر ثم الإنتقال إلى صنعاء لفرض اجندتهم.

من الصعب التكهّن بما اذا كان في استطاعة "انصار الله" النجاح خارج نطاق الشمال اليمني، أي خارج المناطق الزيدية وهي محافظات صعدة والجوف وعمران وحجّة وامانة العاصمة والعاصمة نفسها. صحيح أنّهم سعوا الى اقامة علاقات عبر طهران أو من خلال الرابطة الهاشمية مع جماعات جنوبية تدعو إلى الإنفصال، خصوصا في حضرموت، لكنّ الصحيح ايضا أنّ الجنوب قضية معقّدة مرتبطة إلى حدّ ما بالوسط الشافعي الذي عاصمته تعز. تاريخيا واجتماعيا، تعز اقرب إلى عدن من المكلا عاصمة حضرموت. والعكس صحيح، أي أنّ عدن تُعتبر أقرب إلى تعز من أي مدينة يمنية أخرى في الجنوب.

ما يؤكّد إلى أي حدّ الجنوب قضية معقّدة الحروب الأهلية المستمرّة التي مرّت بها الدولة التي استقلت في العام 1967 اثر الإنسحاب البريطاني وصولا إلى الوحدة الإندماجية في 1990. كلّ تاريخ الجمهورية التي قامت في 1967 والتي عرفت بعد قيام الحزب الواحد الحاكم فيها بـ"جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية"، هو حروب اهلية وصراعات ونزاعات بين مناطق وقبائل وزعامات... أو حروب مع الشمال. كان الجنوب يعتقد في اثناء الحرب الباردة أنّ في استطاعته قلب النظام في الشمال وضمّه إليه. هذا الجنوب هرب إلى الوحدة من أجل التخلص من نظام انهار عمليا مع بدء انهيار الإتحاد السوفياتي.

توّجت هذه الحروب الداخلية والخارجية بما حصل في الثالث عشر من كانون الثاني ـ يناير 1986 حين بدأ سقوط النظام، نظام الحزب الواحد، بعد المواجهة بين علي ناصر محمّد وخصومه، على رأسهم علي سالم البيض الذي سرّع الوحدة في 1990 وانتقل إلى موقع الإنفصالي الأوّل في 1994. البيض معروف بعناده وتمسّكه بمبادئ معينة. ادرك باكرا أنّ ليس في استطاعته التعايش، في ظلّ الوحدة، مع نظام معيّن في الشمال لديه مفهومه الخاص لكيفية ادارة الدولة ومؤسساتها...

هناك يَمنٌ يتكوّن في ضوء سيطرة الحوثيين على معظم الشمال. سيمرّ وقت طويل قبل تبلور صورة واضحة للبلد. اليمن الجديد هذا لا علاقة له باليمن الذي عرفناه لا قبل الوحدة ولا بعد الوحدة. العامل الحوثي غيّر المعطيات كلّيا، خصوصا أن بين زعماء الحركة من يريد العودة باليمن إلى عصر الإمامة، أي إلى ما قبل السادس والعشرين من ايلول ـ سبتمبر 1962 عندما اعلنت الجمهورية.

من الواضح أن لدى "انصار الله" ومن يقف خلفهم طموحات تتجاوز الشمال وتتجاوز المحافظات التي تعتبر زيدية، في مقدّمها محافظة حجّة التي لديها ميناء ميدي المطلّ على البحر الأحمر. ولكن، ما لا يمكن الإستخفاف به التعقيدات التي سيتسبب بها الجنوب ومشاكله مستقبلا، خصوصا في ظلّ الدعوات التي لم تتوقف يوما لقيام دولة حضرموت المستقلّة من جهة والوجود القوي لـ"القاعدة" في غير مكان من جهة اخرى.

مشاكل الجنوب وتعقيداته التي تشمل "القاعدة" والتحولات التي طرأت على التركيبة الإجتماعية في غير منطقة، يمكن أن تدفع الحوثيين إلى الإهتمام بالسيطرة على الشمال. ثمّة من يعتقد أنّهم سيركّزون على شمال الشمال في حال وجدوا أنّهم لا يستطيع ابتلاع ما هو خارج المناطق الزيدية التي يتحكّمون حاليا بمعظمها.