مصر ومأزق غياب الدولة!

(1)

بابتسامة عريضة وروح شبابية عالية يواصل المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي جولاته الميدانية فوق دراجته، في شوارع غير شوارعنا، بمدن غير مدننا التي يعرفها ملايين المصريين، تلاحقه كاميرات وعدسات دعاية على مقاسه وحده؛ لتجسد ارتباطه المتين بواقع من صنعه، نحاول اكتشافه الآن!

أقلب في دفاتري وأوراقي القديمة بمقهى شعبي عتيق، تعجبني أبيات من قصيدة فاروق جويدة أغضب:

ارفض زمان العهر

والمجد المدنس تحت أقدام الطغاة المعتدين

اغضب

فإنك إن ركعت اليوم

سوف تظل تركع بعد آلاف السنين

أتذكر مصر المشغولة الآن بجمع توكيلات مرشحي الرئاسة في استحقاق انتخابي عبثي، تعد له لجانه وحملاته وسرادقاته، المجاورة لسرادقات العزاء في كل بقعة على أرض المحروسة.

لا أميل للتشاؤم بطبعي ولا أحب النظرة السوداوية للأمور كما لا تخدعني الورود المدججة بالأشواك! آلة القتل تعمل "بحماس" في مصر؛ الضحايا جنود وضباط ومدنيون وطلبة وإعلاميون.. مسيحيون ومسلمون.. التهمة جاهزة، والجاني الذي جرت شيطنته قبل شهور يدفع الثمن، والحرب ضد الإرهاب لا ترحم ولا تبدأ ببدايات منطقية، ولا تنتهي إلى نهايات سعيدة.. وهل للحروب نهايات سعيدة؟!

(2)

أسوان تحترق، ولا صوت يعلو فوق صوت السلاح والمخدرات وأعمال البلطجة منذ 25 يناير 2011 وحتى الآن. خلاف عائلي قبلي بين قبيلتي بني هلال والدابودية النوبية لا شبهة فيه للسياسة بحسب روايات أطراف النزاع، يسقط عشرات القتلى والجرحى وحرائق لا تنتهي بالبيوت في منطقة السيل الريفي، ولأن المشهد يمثل عنواناً للفشل وتأكيداً لغياب الدولة وسقوط هيبتها في الوحل، إذن قل الإخوان، للتنصل الفوري من هذا الفشل!

في زمن مبارك العادلي كانت معظم الجرائم تقيد ضد من اسموهم عناصر من مثيري الفتنة، الذين يستهدفون نسيج الوطن وعنصري الأمة، في الكشح 1999-2000 ودير المحرق 1993، والماريناب والقديسين 2011، ليظل الفاعل مجهولاً، رغم أن 23 يناير 2011 م يظل تاريخاً فارقاً في عمر الوطن، ففيه نطق وزير داخلية مبارك، اللواء حبيب العادلي للمرة الأخيرة في آخر احتفال بعيد الشرطة، أمام رئيسه قائلاً: "توصلنا للمتورطين في تفجير كنسية القديسين وسوف نعلن عنهم". للأسف العادلي حي يحاكم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، والجناة أحرار في علم الغيب!

يكشف ما حدث في أسوان أن فضاءات مصر أرحب كثيراً، من ثنائية مرسي والسيسي، العسكر والإخوان، وأن الأمر يتجاوز حدود تأمين محيط جامعة القاهرة أو جامعة الأزهر، إلى ضرورة تأمين كل ربوع الوطن التي غاب عنها الأمن، وإن مهام وزير الداخلية تتجاوز حدود تلقي التعازي في الضباط والجنود والمدنيين واسرهم، تلك المهمة الوطنية التي دأب عليها بامتياز طيلة الشهور الماضية!

معظم الجرائم التي وقعت في عصر مبارك العادلي، كانت تنسب إلى "مختل" عقلياً، وبعد وصول الإخوان للحكم وفشلهم الذريع الذي أنتهى بقلبهم خارج المعادلة السياسية بالكامل، لم تتوقف الجرائم، لكنها صارت تنسب الآن إلى "ملتح" عقلياً، حتى لو وقعت في جامايكا!

في زمن مبارك مللنا من حكايات الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وفي حكم مرسي كدنا نصل إلى شبه فتنة بين السنة والشيعة، انتهت في 23 يونيو 2013 بمشاهد قتل وسحل 3 شيعة، من بينهم القطب الشيعي الشهير الشيخ حسن شحاتة، بمنطقة زاوية أبومسلم بقرية أبوالنمرس والذي جرى التمثيل بجثته في الشارع. وفي ظل الحكم المؤقت الراهن وخارطة الطريق، انتقلنا الى الحرب المفتوحة على الإرهاب في سيناء والتي لا نعرف يقيناً إلام انتهت، ثم استيقظنا بعد 48 ساعة من النوم الحكومي والغياب الأمني التام، على وقائع فتنة قبلية في أسوان، بتداعيات مخيفة تعكس دون مواربة حقيقة غياب الدولة، والأسوأ لم يأت بعد!

(3)

يتردد بقوة أن الإخوان أرادوها حرباً طويلة بلا هوادة لانهاك الجيش والشرطة، إذن على الجيش والشرطة الذي حصل على تفويض قبل عشرة أشهر – وهو بالمناسبة لم يكن بحاجة لتفويض في ممارسة مهمة هي من صميم أعماله وصلاحياته بحكم الدستور والقانون – أن يثبت نجاحه أو فشله في مهمته، كما على الجماعة الموصومة بالإرهاب أن تبرئ ساحتها مما هو منسوب إليها، ولا أظنها تقدر، كما لا أحسب أن الأمن القائم- بجناحيه من شرطة وجيش - قد نجح في حسم حربه ضد ما أسماه بالإرهاب، وإن شارك في صنعه وضاعف من وتيرته؛ إزاء فصيل لا يرى بديلاً عن القصاص الذي صار بمثابة "تار بايت"!

(4)

دراجة السيسي لن تتوقف أو تركن لالتقاط الأنفاس وأخذ قسط من الراحة تٌمكن الجنرال من متابعة ألسنة النار والدخان التي تركها خلف ظهره قبل أن يخلع بزته العسكرية، والدولة المصرية غائبة عن المشهد، وغالباً تصل كما الإسعاف بعد فوات الأوان، وكأنها ارتضت الحياد وعدم التدخل في شؤون المحافظات الشقيقة والمدن الصديقة بأسوان والنوبة، التي ضربها طوفان نوح، وهنا أستدعي كلمات الرائع أمل دنقل:

ها همُ الجُبناءُ يفرّون نحو السَّفينهْ

بينما كُنتُ..

كانَ شبابُ المدينةْ

يلجمونَ جوادَ المياه الجَمُوحْ

ينقلونَ المِياهَ على الكَتفين.

ويستبقونَ الزمنْ

يبتنونَ سُدود الحجارةِ

عَلَّهم يُنقذونَ مِهادَ الصِّبا والحضارة

علَّهم يُنقذونَ.. الوطنْ!

(5)

أنحي أوراقي جانباً وأطالع عناوين الصحف، وأحملق بعين متعبة في شريط الأخبار المتحرك بتليفزيون المقهى:

- مرسي يصل قاعة المحاكمة لاستئناف محاكمته في قضية الاتحادية!

- مبارك يدعو لانتخاب السيسي في مداخلة هاتفية لفضائية مصرية!

- لا رجعة عن تحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية. محنة كبرى من ويلات دولة 3 يوليو 2013م، التي تبشر بشكل دولة الجنرال الجديدة!

- إقرار قانون مكافحة الإرهاب، وقانون منع التظاهر- غير الدستوري أساساً– لا يزال قائماً. ومئات الثوار في المعتقلات.. تلك أبرز منجزات الحكم المؤقت!

- خطف عمال مصريين بليبيا ومطار القاهرة يستقبل جثمان مصرية قتلت بقطر.

- الحكم بالسجن لعشرات من جماعة الإخوان الإرهابية.

- مقتل عناصر تكفيرية إرهابية في سيناء.

- الداخلية تفض احتفالية الفن ميدان بالإسكندرية وتقبض على بعض المنظمين. ألم يكن لديها القدرة نفسها على وقف الاقتتال في أسوان والقبض على المتسببين فيه؟!

(6)

أخيراً حضر رئيس الحكومة محلب ووزير الداخلية إلى أسوان، الدم والسلاح يحكمان المشهد هناك رغم الانتشار الأمني، أعداد القتلى مرشحة للزيادة وحرائق البيوت لا تتوقف؛ دروس التاريخ تؤكد أن القمع لا يقضى على الإرهاب، وإنما يبرر لاستمراره. العدل وحده هو الذى يقضى على الإرهاب، لأنه يقضى على أسبابه، ولكن الفرق شاسع بين العدالة الناجزة، وتلك العاجزة التي تقضي في جلستين وخلال دقائق معدودة بإعدام 529، والسجن 17 و11 سنة للمشاركة في مظاهرة أو الشروع في التظاهر، وتقضي بالبراءة في الوقت نفسه لكل قتلة المتظاهرين، وكل رموز فساد دولة مبارك!

وبينما تنهب عجلة الجنرال الرياضي طريقها مسرعة نحو الهدف، أوٌقفت عجلة الإنتاج تماماً، ولما العجلة يا رجل؟ العجلة من الشيطان، دعك من الإنتاج وهيا بنا نلهو ونلعب: هل تابعتم تسريبات عبدالرحيم علي، تخصص الإخوان وتشويه من كانوا يسمون بالثوار وبعض من كانوا يسمون بالورد اللي فتح في جناين مصر؟!. الثوار أصبحوا عملاء ومخربين وممولين من الخارج؛ شأنهم شأن أي صوت معارض يجب إسكاته، والورد ذبل ولم تعد بمصر جناين، بل حمامات دم ليس آخرها جثت عشرات القتلى من أسوان، وهي محمولة كالحيوانات فوق عربات الكارو وملقاة على قارعة الطريق في وضح النهار.. هذا عن النهار، لكن الليل حكاية أخرى، وقد أقبل الليل يا حبيبي، وفيه يحلو السهر، ويحلو تمزيق مصر في جميع علب الليل المسماة بالفضائيات، فكفى نحيباً على قتلى النهار، ولنستبدل بالصرخات ضحكات مصطنعة داخل الاستديوهات مبهرة الإضاءة: فهل شاهدتم الساخر باسم يوسف الليلة؟! لقد سخر من فلان وتهكم على فلانة، لكنه لم يقترب من السيسي، لا بل سخر منه..عفارم عليك يا باسم.. خاين عميل يا باسم.. باسم أساساً إخوان..لا باسم تبع الأميركان..أقولك باسم أساساً حرام!

(7)

فجأة ينقطع الإرسال عن المقهى الذي أجلس فيه، ويعم الظلام لساعات طويلة أحياء ومدن عدة في القاهرة والمحافظات؛ يردد الجالس إلى الطاولة بجواري: "يخرب بيتك يا مرسي"؛ يبدو أن الكهرباء التي كنت تقدمها لبضع ملايين في غزة، صارت اليوم تذهب وبسخاء لمئات الملايين في الصين لنعيش الآن أسود أيامنا.. أهدئ من روع الرجل، وأذكره: مرسي محبوس الآن يا صديقي، تشبت بالأمل واتبع سياسة النفس الطويل بينما تدخن الشيشة، وانتظر "فالفحم" آت لا محالة، ولا تنسى أبداً أنك نور عينين الجنرال!