مصر وسيناريوهات الحرب الأهلية السياسية الباردة

بقلم: علاء بيومي

السيناريوهات التالية قائمة ومحتملة للغاية وهي الأقرب للحدوث في مصر، فتعالوا معا نفكر في أفضلها وإلى أين ستقود مصر.

السيناريو الأول: فوز الإخوان بالحكومة والرئاسة بالإضافة إلى البرلمان كما يريدون حاليا بحكم أنهم الفصيل الأكبر في مصر حاليا وأن من حقهم الصعود السياسي والتربع على مؤسسات الحكم مادام قد جاءوا عبر صناديق الاقتراع.

السيناريو الثاني: فوز الإخوان بالحكومة والبرلمان وذهاب الرئاسة إلى عبد المنعم أبو الفتوح والذي يبدو أقرب مرشحي التيار الديني للرئاسة، وفي هذه الحالة سنكون أمام سيطرة كاملة لتيار ديني (وربما إخواني بحكم انتماء أبو الفتوح فكريا للإخوان حتى لو ترك الجماعة تنظيميا) متصارع داخليا على مؤسسات السلطة الثلاثة الأهم، ولن يكون للتيار المدني أو العلماني في مصر وهو ثلث الشعب تقريبا أو ربعه دور مناسب في السلطة على مدى السنوات الأربعة المقبلة.

السيناريو الثالث: فوز الإخوان بالحكومة والبرلمان وذهاب الرئاسة إلى عمرو موسى أوفر مرشحي التيار الليبرالي حظا كما يبدو حاليا، وهنا سيتقسم الأخوان مع موسى الحكم ويبقى الصراع بينه وبينهم من ناحية وبينه وبين من يرون أنه يمثل النظام القديم على جانب أخر.

السيناريو الرابع: آلا يفوز الإخوان بالحكومة أو الرئاسة وتذهب الرئاسة والحكومة لتيار الرئيس سواء كان موسى أو أبو الفتوح أو أي شخصية أخرى، وهنا أصبح لدينا انقسام في السلطة بين التيار الديني المتصارع داخليا والمهيمن على البرلمان والناقم على منهم انتزعوا منه الرئاسة والحكومة، وخصومه في الرئاسة والحكومة.

في رأيكم أي هذه السيناريوهات أفضل لمصر!؟ رأيي المتواضع أن السيناريوهات الأربعة كارثية ولن تفيد مصر في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها، بل ستقودها إلى سيناريو حرب أهلية باردة ضمنية أو معلنة، لسبب أساسي هو أن التيار الديني يمتلك الأصوات في حين أن القوى العلمانية تتحكم في مؤسسات الدولة منذ عقود، وأن صراعا بين الطرفين قادم لا محالة وفي حالة عدم الاستعداد له بصيغة توافقية جادة تقتسم السلطة بين أفضل التيارات الدينية والعلمانية في مصر.

وأرجو آلا يقول لي أحد أن القوى السياسية المصرية قادرة على التعالي على خلافاتها واقتسام السلطة عبر صناديق الاقتراع، فالواضح القوى السياسية في مصر والدولة السلطوية بشكل عام تعاني من عقود من عدم الثقة والريبة المتبادلة والعجز عن بناء التوافق السياسي، وأن الصراع هو السمة الأغلب لعلاقتها حتى لو تم عبر صناديق الاقتراع، فالصراع لا التوافق كان ومازال السمة الأبرز للعلاقة بين القوى السياسية المصرية منذ الثورة، وليس هناك سبب يجعلنا نعتقد أن العكس ممكن، بل أننا نتوقع أن يزداد الصراع مع تزايد المنافسة.

وبسبب هذا التعارض في المصالح ستعيش مصر سنوات من الحرب الأهلية الباردة داخليا يتمزق فيها المجتمع ومؤسسات الدولة بين النخب الجماهيرية الصاعدة قليلة الخبرة والدراية بمؤسسات الحكم والدولة، وبين النخب المتحكمة ضعيفة التمثيل الجماهيري ولكنها تمتلك مفاتيح الدولة وتسيطر على المؤسسات السيادية كالمؤسسات الأمنية المختلفة (الجيش والشرطة والمخابرات) والبيروقراطية والشركات الاقتصادية الكبرى.

ولا يخفى على أحد التحديات الداخلية الصعبة التي تواجه المصريين وعلى رأسها مشاكل الاقتصاد والأمن والتعليم والبنية التحتية المتهالكة، وهي صراعات تحتاج لتعاون فوري لا صراع يدوم لسنوات.

وقد يقول قائل وما هو ذنب الإخوان إذن، ألم يأتوا عبر صناديق الاقتراع، أليس من حقهم الحكم والسيطرة على كل مؤسسات الدولة لو اقتضى الأمر ذلك وتم بطريقة ديمقراطية، وهو سؤال لا يخلو من وجاهة وجدية ومنطق.

ولكنه يغفل جوانب هامة من الصورة، فمصر لا تمتلك تقاليد أو مؤسسات ديمقراطية راسخة، بمعني أن مصر تمر بحالة إعادة بناء وتحتاج شراكة الجميع وتضافر جهودهم، وهناك شكوك عميقة بين جميع القوى السياسية، وخوف من سيطرة فصيل سياسي واحد مهما كان، حتى أن هناك نسبة لا يستهان بها من الشارع المصري والقوى الثورية لا تثق في أي تيار سياسي مصري على ما يبدو.

كما أن التيارات الدينية لا تخلو من عيوب تضرب الديمقراطية في مقتل وخاصة فيما يتعلق بازدواجيتها فهي جماعات وأحزاب في آن واحد، وهو أمر يتنافى ويتعارض مع أبسط قواعد الديمقراطية التي تقوم على مبدأ المساواة والانتخاب المباشر.

وبالطبع لا يرى أنصار التيار الديني هذه العيوب ولا يهتمون بها أصلا إن رأوها، وقد لا يعتبرونها عيوبا أصلا، وهذا مفهوم، فالتيار المدني في مصر أيضا لا يرى حجم الخسائر التي لحقت به وحالة الضعف والانقسام التي يعيشها وكيف أصبح أحيانا "عبئا" على المصريين والذين كان يتمنون – أو على الأقل بعضهم - أن تكون مختلف تياراتهم السياسية في حالة أفضل وأكثر قدرة على المنافسة بما فيه صالح البلاد.

إذن ما الحل!؟ الحل مطروح منذ بداية الثورة ولم يتحقق حتى الآن، الحل هو شراكة بين التيار الديني والمدني، أو بالأحرى شراكة واعية ناضجة بين عقلاء التيارين، شراكة تقوم على البحث عن أفضل الشركاء وأكبرهم واقتسام السلطة معهم الآن طواعية قبل أن تفرض علينا غدا تحت نيران العسكر أو الحرب الأهلية السياسية.

ومازلت أعتقد أن هذه الشراكة هي المخرج من الأزمة، وأنه يجب توزيع المؤسسات الثلاثة في مصر على القوى السياسية المختلفة كما حدث في بلد كتونس، لذا أقترح أن يتبنى الإخوان – وهم الفصيل الأقوى جماهيريا والأكثر تنظيما والذي يمتلك شرعية سيطرته على البرلمان في الوقت الحالي - مبدأ الصعود التدريجي، وأن يقتسموا السلطة مع شريك رئاسي يحترمهم ويحترمونه ومع رئيس حكومة مشهود له بالكفاءة والحيادية والرؤية البعيدة القادرة على بناء مصر ديمقراطية يتنافس فيها الجميع على قدم المساواة.

أتمنى أن تدرك القوى السياسية الحاجة لأن تنظم صفوفها طواعية قبل أن يفرض عليها ذلك في وقت متأخر أو بعض ضياع الفرصة وإهدار كثير من موارد البلاد، وآلا يبقى الحال على ما هو عليه في مصر من هشاشة وخطة انتقالية مليئة بالعيوب ولا تنتج سوى بدائل ضعيف، فمصر لن تحصل من الخطة الانتقالية إلا على مؤسسات (برلمان وحكومة ورئاسة) ناقصة الصلاحيات.

كما ندعو الله آلا يأتي اليوم الذي نقول فيه أن المصريين أضاعوا على أنفسهم فرصة عظيمة لإعادة بناء بلدهم لأن كل فريق كانوا بما لديهم فرحون.

والله أعلم.

علاء بيومي