مصر وجبهات المصالح العليا للجزائر

بقلم: محمد بغداد

أخير انجلى الأمر ووضحت المواقف، وبدت الرؤية واضحة في المشهد الثقافي الجزائري، الذي يجد نفسه منقسما على نفسه ولكن ليس على القضايا الجوهرية التي تهم وضعيته الضبابية الحالية، وليس ما تعلق بغموض مستقبله في المقبل من الأيام.
إن المهم في انجلاء الأمر يتمثل هذه المرة في الاصطفاف الغريب للمؤسسات الرسمية للدولة الجزائرية، من موضوع يعتبر بالدرجة الأولى من اختصاص وزارة الشؤون الخارجية وقبلها من صميم وظائف رئاسة الجمهورية، التي يخولها الدستور تحديد المصالح العليا للبلاد وتنفيذها عبر الأجهزة والقنوات الرسمية.
الخريطة الجديدة تقول أن هناك ثلاث جبهات تتخندق فيها المؤسسات الرسمية من قضية واحدة هي العلاقات الجزائرية المصرية، والجبهة الأولى تقودها محافظة الصالون الدولي للكتاب، التي ترفض حضور الكتاب والناشر المصري، بحجة الانتقام من المصريين الذين تجاوز حدود الأدب والأخوة وتطاولوا على مقدسات الجزائر، وطبعا هذا الكلام لا يقال لمن دماء الجزائريين ما تزال تنزف من وحشيتهم، مؤكدا أن الجزائر لا تملك الإمكانيات والأجهزة القادرة على توفير الأمن للكتب المصرية، التي يفترض إن تدخل إلى الجزائر، وإن حاولت وزارة الثقافة التنصل من الأمر وتحميل مسؤولية قطع العلاقات الثقافية بين الجزائر ومصر على عاتق محافظة الصالون الدولي للكتاب، إلا أن وزارة الشؤون الدينية ممثلة في مسؤولها الأول قد ورط وزارة الثقافة وأزاح عنها تحفظها وتنصلها من الموضوع، وإن استغرب الكثير من الملاحظين المناصرة الشديدة من طرف وزير الشؤون الدينية لوزارة الثقافة، وتكذيب تصريحات الوزيرة، إلا أن هذه الجبهة يدعمها تيار قوي من الإعلام الجزائري الذي تمكن من تحويل الدولة المصرية إلى الخطر الأكبر على المصالح العليا للدولة الجزائرية.
أما الجبهة الثانية فيتزعمها رئيس أكبر فريق رياضي في الجزائر السيد محند شريف حناشي، الذي فضل استقبال فريق الأهلي في تيزي وزو، وانتقل بفريقه إلى القاهرة ولعب مباراة وربحها وعاد إلى الجزائر ولم يعلن حناشي أن التعامل مع مصر خطر على الجزائر، ونفس الموقف اتخذته الزاوية الهبرية البلقايدية التي استضافت عدد من العلماء والشيوخ الذي قدموا محاضرات في مؤتمر الدروس المحمدية، ولم تعلن الزاوية البلقايدية أنها غير قادرة على حماية هؤلاء الشيوخ، ولم تعلن كذلك أن التعامل مع مصر يشكل خطرا على الجزائر، وحتى وزير الشؤون الدينية نفسه الذي يطالب بقطع العلاقات بين الجزائر ومصر وافق على مشاركة الطلبة المصريين في المسابقة الدولية لحفظ وتجويد القرآن التي تنظمها وزارته.
ونفس الموقف اتخذته مؤسسة رسمية تابعة لرئاسة الجمهورية، فقد أعلن المجلس الإسلامي الأعلى رفضه المطلق لقطع العلاقات الجزائرية المصرية، وذهب رئيسه إلى حد المطالبة بتوثيق العلاقة بين البلدين لما فيها من مصالح مهمة للطرفين.
أما الجبهة الثالثة فهي جبهة الصامتين الذي فضلوا عدم التورط في الموضوع، كونه بالدرجة الأولى يخص مؤسسات رسمية منوط بها اتخاذ مثل هذه القرارات، وهي المخولة دستوريا وأخلاقيا ممارسة صلاحياتها.
إلا أن خريطة المشهد القائم تفرض علينا مجموعة من الأسئلة نوجزها فيما يلي:
- لمصلحة من الإصرار على قطع العلاقات الجزائرية المصرية؟ وأين كان المتكالبون على الموضوع عندما نزل الرئيس المصري في ارض الجزائر واستقبل من طرف رئيس الجمهورية؟ وهل هؤلاء أولى من الرجل الأول في الجزائر بمعرفة خطورة التعامل مع مصر؟
- وإذا وافقنا جدلا أن التعامل مع مصر يضر بالمصالح العليا للجزائر، فمن هي الدولة والجهة التي تتحقق معها مصالح الجزائر ونعوضها بمصر، وكلنا نعرف من هي الجهة التي يسارع إليها المبشرون بالخطورة في التعامل مع مصر.
- المشكلة ليست في حضور الكتاب المصري في الصالون الدولي للكتاب أو غيابه، فحضوره لن يضمن نجاح الصالون وغيابه لن يفشل المناسبة، ولكن المشكلة في الذين يعطون لأنفسهم صلاحيات تحديد المصالح العليا للبلاد طبعا لا يمكن تصديق أن كل طرف يتحمل مسؤولية ما يصدره من قرارات فلو أعلن مسؤول تظاهرة ما انه سيقوم بدعوة إسرائيل للمشاركة في التظاهرة فوق ارض الجزائر لقال البعض هذا قرار يتحمله صاحبه؟
- كلنا يعلم أن المصريين لن يتضرروا من عدم حضورهم إلى الصالون الدولي للكتاب وأنهم تمكنوا من قلب الطاولة وأعلنوا أنهم يقدمون الدعوة للجزائر لحضور صالون القاهرة الدولي للكتاب، ولكن لمصلحة من توجه الضربات القوية والقاصمة للكتاب الجزائري والمثقف الجزائري عندما يظهر أن المسؤولين على المشهد الثقافي الجزائري مزاجيون وسوف يرفضون حضور أية دولة غدا فيما هو قادم من تظاهرات.
- إنها مجرد أسئلة نود أن نبوح بها في هذا المقام دون أن نتهم بمناصرة جهة من الجهات على الأخرى، ولكن المهم في الموضوع ليس التعامل مع دولة من الدول، ولكن الخطورة تكمن في الذهنية التي تسير المشهد اليوم وكيفية تعاملها مع الأحداث. محمد بغداد