مصر والسعودية.. وشيزوفرينيا البيوت الزجاجية

أزعم أني وثيق الصلة والاطلاع على الحراك السياسي أو الثقافي الخليجي، وتحديداً السعودي، بحكم إقامتي لأكثر من ربع قرن في السعودية، لم أستغرب كل هذا الهجوم الحاد ـ والبذيء أحياناً ـ على مصر، ووصول بعض عباراته إلى التهجم الشخصي على الرئيس عبدالفتاح السيسي، من قبل نخبة معينة، وقذفه بأبشع ألفاظ الخيانة والسباب.. ووصلت في تطرفها إلى قطع العلاقات.

كل هذا.. لأن مندوب مصر في الأمم المتحدة صوّت مع مشروع القرار الروسي حول سوريا، والذي لم يحظ بأغلبية في الأصوات، إذ اعتبرته هذه النخبة تصويتاً معادياً للسعودية، وأنه "قرار مُذل وعديم الإنسانية وشذوذ عن العرب" كما أنه في لهجة أقرب للتكفير "ضد الدين ثم الإنسانية".!

هذه النغمة غير الرسميّة بالطبع، تعيدنا إلى الحساسية السعودية الشديدة تجاه أي موقف سياسي مخالف في الرأي أو الاستراتيجية، وكأن المطلوب أن تكون مصر مجرد تابع، وهو ما لا نرضاه للسعودية أو لأي شقيق عربي، قبل أن نرضاه لأنفسنا. وحجة هذا الأصوات أنها وقفت مع مصر في أزمتها، وساعدتها مادياً ومعنوياً، وهذا بالطبع لا يمكن إنكاره أو تجاهله أو نسيانه، لكنه لا يعني بالمقابل أن نرهن سياسة دولة ما، للرؤى والأفكار السعودية أو غيرها، لأن لكل دولة منظورها الوطني الذي تعبر به عن مصالحها وتنفذ استراتيجياتها، كحق سيادي وأصيل.

الوقفة السعودية مع مصر، في السنوات الأخيرة، والدعم المالي الهائل للشعب المصري، لم يكن لوجه الله، ولكنه كان رؤية وفق مصلحة وطنية بالدرجة الأولى، ملخصها أن السعودية تعرف جيداً أنها مستهدفة، كما مصر، من قبل قوى إقليمية وخارجية ـ ومن يريد أن يعرف التفاصيل فليرجع لكتاب "اعترافات قرصان اقتصادي" لمؤلفه الأميركي جون بروكنز ـ إضافة إلى أنها جغرافياً باتت محاصرة بأطماع إيرانية شرقاً وإثارة قلاقل في منطقتها الشرقية، ومعها مملكة البحرين، وسقوط العراق شمالاً في قبضة نظام آيات الله في طهران، وفقدان نفوذها في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري، والانقلاب الحوثي وتهديدات عصاباته الطائفية على حدوده الجنوبية، قبيل وقوع كل دول حدودها الغربية (مصر وليبيا وتونس) بيد تيارات وميليشيات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية، بالتزامن مع تغلغل الجماعات التكفيرية في سوريا ووقوعها فيما يُشبه الحرب الأهلية، وتحولها إلى ساعة صراع إقليمي ودولي لا يمكن إنكاره.

بتقديري، فإن الوقوف السعودي مع مصر في هذه الفترة، كان محاولة استراتيجية ذكية لضرب هذا الطوق في أقوى نقاطه الحصينة، ووقف مدّ الحصار غير المعلن، والمدعوم إقليمياً ودولياً من قوى معادية للسعودية بالأساس، كما أنه محاولة لاستعادة بعض النفوذ الجيوسياسي في المنطقة عقب التغلغل الإيراني الواضح سياسياً ومذهبياً وعسكرياً.

وهنا، لا يمكن تصديق أن دولة ما تقف مع دولة أخرى بهذه القوة، لوجه الله ولوجه تعبير العروبة الخالي من المصالح الوطنية الخالصة، وهو ما ينطبق على التدخل السعودي في اليمن بالضبط، إذ لو لم تشعر السعودية بتهديدات تمس سيادتها وحدودها ووضعها في شبه الجزيرة العربية، ما أنفقت كل هذه الأموال وما تحملت كل هذه الخسائر من أجل مجرد شرعية حكومة الرئيس هادي.

النخبة وربما الفكر السياسي السعودي، لم يستوعب أن سوريا واليمن بالذات تمثلان لمصر حساسية فائقة، من سوريا كان درس الوحدة الأول، وفي اليمن كانت تجربة أليمة، لا يريد المصريون تكرار نتائجها في ستينيات القرن الماضي، لذا كان الوقوف المصري مع السعودية ضمن التحالف العربي "معقولاً" ولا يسمح لمصر بالانجرار مرة أخرى لذات المستنقع القديم، الذي تورّطت فيه السعودية باليمن، وسيكون عليها المشاركة في إعادة إعماره عقب الوصول لحل سياسي لا يبدو قريباً، وهو ذات الموقف من الأزمة السورية، التي ترى مصر فيها دولة كانت يوماً إقليمها الشمالي وجيشها الأول، يتعرض للتدخل من كل الجهات وبعضها عربي كما حدث في ليبيا، ويعمد للإطاحة بحكومته وهزيمة جيشه، مع الاحترام لانتفاضة شعبية داخلية في سوريا لها طموحا في البداية وتحولت على أيدي كل أصابع العبث والتدخل للحرب بالوكالة عن دول وأنظمة وتنظيمات خارجية، كلٌّ له أجندته باسم الدين وباسم السياسة وباسم المصالح.. حتى تحولت سوريا لمستنقع إرهاب واضح يتورط فيه الجميع.

النخبة السعودية، التي تهلل كثيراً لأردوغان وترى فيه "خليفة المسلمين" نسيت أن بلادها نفسها تأمل في قيادة العالم الإسلامي ـ ربما بمفهوم مختلف عن فكرة الخلافة ـ وأن مشروعها هذا يصطدم عملياً بالمشروع الإيراني الطائفي المروّج لـ"خلافة شيعية" وتدويل الحرمين الشريفين، ويواجه نظرياً مشروعاً أردوغانياً بإعادة كابوس الخلافة العثمانية، ونجاح أي من المشروعين يزيح السعودية من هذه الريادة، مع أنني كمصري مع المشروع السعودي.

النخبة السعودية التي يقودها أشخاص معروفون، بانتماءاتهم الإخوانية أو المتعاطفة معها وبعض رموزهم كانت له علاقة بـ"القاعدة"، تتحدث عن الديموقراطية والحرية في مصر أو سوريا، وتدافع عن "أول رئيس منتخب" وتندد بـ"حكم العسكر" لدرجة أن أحدهم ـ وهو كاتب مغمور ـ يتهمنا كمصريين بأننا "عبيد البيادة" ويسخر من صورة أم ذلك الجندي الشهيد، التي رفعت ما تبقى منه، وهو حذاؤه أو "بيادته" فوق رأسها، وبعدها بأسابيع ينشر فخوراً على صفحته الشخصية بأحد مواقع التواصل الاجتماعي صورة لجندي سعودي، تقوم ابنته الصغيرة بمساعدته في ربط حذائه أو "بيادته".. لتصبح الصورة تناقضاً وشيزوفرينيا غريبة، لا تحترم مشاعر أم فقدت ابنها وفلذة كبدها في عمل إرهابي في مصر، ويتباهى كثيراً بصورة الطفلة، مع أن هذا جندي وهذا جندي، وهذه أم وتلك طفلة، والمشترك الوحيد هو "البيادة" التي أصبح رمزاً لعبودية المصريين من جهة، ثم شرفاً للسعوديين من جهة أخرى.

مشكلة هذا الفكر النخبوي والفوقي، أنه يتحدث عن أمور يغلق عينيه تماماً عنه في بيته الزجاجي، ويربط دائماً مواقفه بـ"المنِّ" بالمساعدات، وعند أي اختلاف يسترجع مفردات "الكفيل" وما تعنيه من تهديد ووعيد وتحكم بالرقاب. وأذكر أنني ذات مرّة انتقدت مواقف بعض شخوص هذا الفكر، فعاجلني صديق سعودي بالتذكير أنني عشت في السعودية "ولحم أكتافي من خيرها" وتناسى هذا الصديق العزيز، أن لحم أكتافي في خير جهدي أولاً، ولم آخذ مرتبي منّةً أو إحساناً أو صدقة، ولو لم أكن أستحقه ما أخذته، أو استمريت في عملي.. ولو كان عملي من ضمن "العطايا"، لكانوا قد أرسلوا لي مرتباً وأنا في بلدي دون عمل!

وسط هذه الحملة المحمومة على مصر، ورئيسها، التي نظرت فقط لتصويت مصر مع المشروع الروسي واعتبرته خيانة، مع أن مصر أيضاً صوّتت ضد روسيا في المشروع الأول الذي قدمته فرنسا وأسبانيا.. توجد بعض الأصوات العاقلة التي ترى ما هو أبعد من اختلاف في التقييم السياسي، وآمل أنها تسود وترتقي فوق الفتنة المنشودة.

أخيراً.. لكل أصدقائي السعوديين وغير السعوديين، أقول باختصار إن بيوتنا كلها من زجاج.. فلا تقذفونا بالحجارة، وتنسوا أنفسكم!