مصر وأحداث الساعات الأخيرة

بقلم: عبدالكريم بن يخلف

بعد 45 جلسة للمرافعات، وقرابة السنة من التجادبات الإجرائية والسياسية، أسدل الستار على أشهر محاكمة في تاريخ مصر وربما العالم العربي، محاكمة من كان قرابة 30 سنة رجل مصر القوي، والرقم الصعب في الشرق الأوسط، والمحور الأساسي لما سمي آنذاك دول الاعتدال العربي، محاكمة من كان يمثل أكبر حليف للكيان الإسرائيلي، وأكبر ضمانة لأمنها، والعمود الفقري لكل الاستراتيجيات الغربية في الشرق الأوسط، محاكمة رمز التربع على الحكم ومثال الاستبداد السياسي والاستنزاف الاقتصادي، وخدمة مصالح الغرب على حساب تطلعات الشعب المشروعة.

وكان يقاسم حسني مبارك الزنزانة في هذه المحاكمة كل من نجليه، وحسين سالم ووزير داخليته حبيب العادلي وكبار مساعديه، وكان الشعب المصري يأمل الكثير من هذه المحاكمة، كان يطمح أن تكون محاكمة نظام بالكامل، وأن تختم بأحكام مثالية تطفأ فورة غضب الشعب المصري، وتطمئنه على نتائج ثورته، وتزيح من ذاكرته كابوساً ما زال يراوده في اللحظة والأخرى.

وسقط في صبيحة السبت 02 يونيو/حزيران الحكم، بل سقط القناع، حكمت محكمة الجنايات المصرية بعقوبة السجن المؤبد على الرئيس المخلوع بتهمة التحريض على قتل المتظاهرين السلميين والفساد والإثراء غير المشروع، كما حكمت على وزير داخليته حبيب العادلي بالمؤبد أيضا، فيما تمت تبرئة نجليه جمال وعلاء وحسين سالم وكبار مساعدي وزير الداخلية.

أكثر من 850 قتلوا في الثورة التي اندلعت في مصر يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011 والتي استمرت 18 يوماً وأرغمت مبارك على التنحي في 11 فبراير/شباط من العام نفسه. في بلد يشنق الكثير بالشبهة لقتلهم نفساً واحدة، يحكم بالمؤبد على من قتل المئات باليقين، وتبرأ ساحة من أسسوا جهازاً احترافياً لاستنزاف مقدرات البلد وتقاضي الرشوة واستغلال النفوذ والإثراء الفاحش غير المشروع بدعوى التقادم، ويسجن مع الأشغال الشاقة من يسرق رغيفاً لسد رمق عيش أبنائه.

في عالم لا يعرف الرحمة، ولا مكان للأحاسيس وهزات العاطفة، عملت الغرف السوداء بصمت واحترافية، ولم يبخل عليها أولو "الرأي" و"المشورة" من جهد ومعونة، رأت هذه الغرف أن تضحي بمن عنده 84 سنة و74 سنة وبمن لم يعودوا يمثلون "المشروع" الذي أرادوه لمصر وما زالوا يريدونه، وأبقت أصحاب 49 عاماً و52 عاماً في الاحتياط، عسى ولعل تحدث متغيرات أو تحتاج لتوظيفهم، فلنهدأ من غضب الشارع بالحكم المؤبد أو الاستراحة المؤبدة في المستشفى لكبار سن النظام، ولنبرأ كل من لا زالت فيهم الكثير من "الطاقة" و"العطاء" من صغار السن ليقدموه في المستقبل.

ماذا يريد هؤلاء من التخطيط ووضع ألغام في الطريق إلى 17 و18 يونيو/حزيران؟ النطق بالحكم في 02 يونيو/حزيران في قضية مبارك وأعوانه وأبنائه، والنطق بالحكم في11 يونيو/حزيران في قضية الحكم بدستورية قانون العزل السياسي! لماذا هذه الفترة بالذات؟ فترة، من المفروض أن تمنع كل الأشياء التي قد تشوش أو تؤثر على الناخب المصري.

ماذا يأملون من موعد الجولة الثانية والأخيرة من الانتخابات الرئاسية المصرية، التي من المفروض أن تسقط آخر القلاع المتحصنة المناوئة للثورة؟. ماذا يريدون؟ أن يؤثروا بكل ما أوتوا من قوة وحيلة في نتائج الانتخابات ومستقبل مصر المرتبط أساساً بمستقبل المنطقة والخريطة الجيوسياسية والجيواقتصادية العالمية.

يبدو أن أيام مبارك وآله ونظامه ما زالت أمامها جولات وجولات، فالأفعى قطع ذيلها واعتقد خطأ موتها، فهي ما زالت بسمها ولسعاتها تشكل الخطر، على مستقبل شعب مصر وثورته وتطلعاته.

ما كان توجسا أصبح يقيناً؛ فما زال النظام واللوبي المضاد للثورة نافذاً وقوياً، فهو يتحكم في الكثير من القطاعات الاستراتيجية من جيش وقوات أمن وأجهزة مخابرات وإعلام وقضاء والماكينة الاقتصادية.

في أيام حاسمة من مستقبل مصر، والرئاسيات على الأبواب، وقع الحكم القضائي ليزيد ضبابية للمشهد السياسي، وقع كالمطرقة على رؤوس الكثير من الشعب، أفسد فرح المصريين بثورتهم ولوث الأجواء بشكوك وتوجسات لا أول لها ولا آخر. ماذا سيحدث في الأيام القليلة المقبلة؟ عيون المصريين والعالم شاخصة للمستقبل وما يخبئه لهم وقلوبهم متوجسة من الغد المجهول وآذانهم مستمعة ومتلهفة لكل من يخبرهم بانتهاء الكابوس وبداية حياة جديدة ملؤها السعادة والرفاهية والهناء، وهذا كل الخير الذي نأمله للشعب المصري الحبيب.

بن يخلف عبد الكريم رضا

Amidz29@yahoo.fr