مصر ... هل انتخب الناس مرسى والجماعة؟!

أخونة الدولة حقيقة أم إشاعة؟

هل صحيح أن الدكتور محمد مرسى نجح فى انتخابات رئاسة الجمهورية بوصفه مرشح الإخوان؟ وأن الإخوان هم سبب نجاحه؟ وهل صحيح أن الناس عندما أعطت صوتها فى الانتخابات الرئاسية لمرسى فقد كانت تعطيه أيضًا لجماعة الإخوان؟ وأخيرًا هل من اختاروا مرسى اختاروه عن قناعة أم اضطرارًا؟

هذه أسئلة شائعة فى الأسابيع الماضية بفعل الجدل الذى يدور حول تسارع وتيرة أخونة أجهزة الدولة، والحقيقة التى لا تقبل أى جدل أن الدكتور محمد مرسى كان سيفشل حتمًا إذا قدم نفسه بوصفه مرشح جماعة الإخوان المسلمين، ولذلك سارع المرشد العام للجماعة إلى توجيه بيان للرأى العام المصرى يؤكد فيه إعلان خروج مرسى من جماعة الإخوان وأنه أحله من بيعته.

وأن بيعة مرسى من الآن هى للشعب المصرى، وليس للإخوان المسلمين، لأن المرشد العام كان يعرف حساسية الناس تجاه هذه المسألة، ويعرف أن ارتباط مرسى بجماعة الإخوان سيكون عائقاً دون نجاحه بكل تأكيد، المسألة الثانية أن الإخوان المسلمين عندما اعتصروا جهدهم وأنصارهم ومحبيهم والمؤمنين بفكرتهم حتى آخر قطرة منها فى الجولة الأولى للانتخابات لم ينجحوا سوى فى الحصول على حوالى خمسة ملايين ونصف المليون صوت تقريبًا لمرسى، منهم كمية لا بأس بها من الأصوات ليست للإخوان، وإنما لقطاع من السلفيين الذين دعموه خوفاً من المرشحين الآخرين، ولكن سنفترض أن كل ما حصل عليه فى تلك الجولة من أصوات الإخوان، ولما دخل الدكتور مرسى جولة الإعادة حصل على ثلاثة عشر مليونًا ونصف المليون صوت.

الأمر الذى مكنه من الفوز على شفيق بفارق يقترب من مليون صوت فقط لا غير، أى أن هناك ثمانية ملايين صوت من الشعب المصرى رفضت أن تمنح مرسى أصواتها فى الجولة الأولى ثم منحته فى الجولة الثانية، وهذا قطعًا يعنى أنها اعتبرته مرشح الثورة الوحيد الباقى فى مواجهة مرشح الفلول، ويستحيل عقلاً ومنطقاً أن تحسب هذه الملايين الثمانية على الإخوان، وإلا لكان حصل عليها من الجولة الأولى، ومن ثم فإن الشعب المصرى اختار محمد مرسى ليس بصفته ينتمى إلى الإخوان وإنما بصفته منحازًا للثورة ومبادئها وأهدافها وقواها.

فهل يليق عقلاً وخلقاً أن يقال الآن إن الشعب المصرى عندما اختار محمد مرسى كان يختاره هو وجماعته "سلة واحدة"، وهل هذا يبرر لأى عاقل أو منصف أن يقول إن تصويت المصريين لمحمد مرسى فى الجولة الثانية كان تصويتًا للإخوان المسلمين، وبذلك يمنحهم ذلك شرعية السلطة فى مصر والانفراد بالدولة وقراراتها وأجهزتها كما يروج له الآن، وهل يليق أن يعلن الإخوان خلع ولاء محمد مرسى لهم قبل انتخابه وأن ولاءه أصبح للشعب وبيعته للشعب وليست للجماعة، فلما نجح فى الانتخابات وتوسد كرسى السلطة يقال الآن إنه ممثل الجماعة والجماعة جزء من سلطته، لأنها هى التى أوصلته إلى كرسى الرئاسة، وأن الناس منحت أصواتها للجماعة والرئيس معًا واختارت مشروع الجماعة للحكم.

إن الحقيقة التى لا يصح تجاهلها أو ادعاء عدم إدراكها، أن هناك ثمانية ملايين صوت انتخابى ذهبت لمرسى، لا لشخصه ولا لجماعته، بل رغم عدم الاقتناع به وبجماعته لأنها الأصوات التى رفضته وجماعته بوضوح فى الجولة الأولى، ولكنها عادت ومنحته أصواتها فى جولة الإعادة لأنه المهرب الوحيد من عودة الفلول، لم يكن مرسى هو المرشح المفضل أو المختار من هذه الملايين، ولكنها انتخبته اضطرارا.

لأن عدم منحه أصواتها يعنى منحها للفلول أو التمكين لعودة حكم مبارك من جديد ممثلاً فى الفريق شفيق بما يمثل انتكاسة للثورة، وكان مصير الجماعة ذاتها على مقصلة شفيق والفلول لو نجح، وأذكر أن الدكتور بديع أيامها وقبل إعلان النتائج كان يطلب من أبناء جماعته الدعاء لأن هذه أصعب محنة تهدد جماعته فى تاريخها، فمن أعطوا أصواتهم لمرسى رغم عدم اقتناعهم به حركتهم نبل مشاعر الثورة وإرادة التغيير والإصرار على قطع الطريق على عودة الفلول، فأنقذوا الثورة وأنقذوا الإخوان أنفسهم، ثم ها هم أولئك الملايين يعاقبون اليوم ويجلدون بالقول إنهم لم يختاروا مرسى فقط، وإنما اختاروا جماعته معه، أو أنهم اختاروه قناعة منهم بمنهج جماعة الإخوان أو رسالتهم ومنحوهم الحق فى أن يفعلوا ما يشاؤون طوال أربع سنوات وأن يؤخونوا الدولة كما يردد المتشنجون بعصبية مثيرة، هذا كثير جدًا على العقل والأخلاق.

جمال سلطان

نشر في المصريين القاهرية