مصر: نهاية عهد ام نهاية نظام مستمر منذ 1952؟

بقلم: خيرالله خيرالله

انها نهاية عهد في مصر، لكنها ليست بالضرورة نهاية نظام قائم منذ العام 1952، خصوصا اذا استطاع الجيش السيطرة على الوضع مجددا ووضع حدّ لحال من الفوضى في ظل فراغ سياسي وامني يصعب على زائر القاهرة تخيله.

من فندق يقع على جزيرة وسط القاهرة الى المطار، استغرقت الرحلة الى المطار زهاء ساعة. كان ذلك ظهر السبت وذلك قبل ان يطرأ مزيد من التدهور على الوضع. كانت تلك الساعة كافية للتحقق من الانهيار الذي اصاب قوات الامن الداخلي التي اسمها "الامن المركزي" والتي لم يعد لها اثر في اي زاوية من زوايا العاصمة المصرية. حتى شرطة السير لم تعد موجودة. كان مواطنون عاديون يشرفون في منطقة الجيزة وغيرها على تنظيم السيرعند تقاطع الطرق الرئيسية او المستديرات الكبيرة!

قبل اربع وعشرين ساعة، كان افراد الامن المركزي منتشرين بالآلاف في الشوارع الرئيسية وعند مداخل الجسور التي تربط بين ضفتي النيل وفي ميدان التحرير. كان عدد هؤلاء يتجاوز في احيان كثيرة عدد المتظاهرين. فجأة لم يعد لهم اثر. كل ما يمكن مشاهدته هو آليات تابعة لهم احرقها المتظاهرون الذين تجرّأوا حتى على ملاحقة افراد المركزي المدربين اصلا على قمع التظاهرات وتفريقها والقاء القنابل المسيلة للدموع.

ما الذي جعل المتظاهرين يتجرّأون على الامن المركزي؟ ذلك السؤال يطرح نفسه بحدة وهو احد الاسئلة الكثيرة التي يتداولها المواطنون العاديون في وقت يبدو واضحا ان مصر دخلت مرحلة جديدة بكل معنى الكلمة فيما يمكن القول ان القاهرة تغيّرت. تغيّرت الى درجة لم تعد هناك اي هيبة لرجل الامن الذي بات عليه ان يحمي نفسه من المتظاهرين وليس العكس.

خلال اسبوع، شهدت القاهرة ومدن مصرية اخرى لاحقا نوعين من التظاهرات. في مرحلة اولى، كانت هناك تظاهرات يمكن وصفها بـ"المؤدبة" يشارك فيها شبان من كل الطبقات يطالبون باصلاحات سياسية. بدا في تلك المرحلة ان الامور لا تزال تحت السيطرة وان كل ما في الامر ان هناك طلابا جامعيين ومثقفين من كل الانواع والفئات يريدون استعادة التجربة التونسية في مصر، لكنّ الناس ليست كلها معهم وهم يمثلون نخبة لا اكثر.

كانت نقطة التحول يوم الجمعة الماضي. فجأة، بعد صلاة الجمعة، صار على رأس التظاهرات شبان مدربون على كيفية التعامل مع قوات الامن المركزي. كان هناك محترفون يلتقطون القنابل المسيلة للدموع ويعيدون القاءها على عناصر الامن. كان بينهم من يسارع الى اشعال النار في الشاحنات الخاصة بالشرطة والتي كان رجال الامن المركزي يستخدمونها دروعا. انهارت معنويات الامن وفتح المجال واسعا امام سرقات من كل نوع شملت حتى مصارف ومخازن في احياء راقية مثل المعادي وشارع قصر النيل والمهندسين وميدان التحرير. في حيّ المهندسين، تعرضت المحلات التي في شارع لبنان الى عملية نهب منظمة. كان هناك ايضا اعتداء على فنادق وحتى على بيوت. لكنّ الاهمّ من ذلك كلّه، انه كانت هناك عمليات اقتحام للمخافر التابعة للشرطة وسرقة ما فيها من اسلحة ووثائق ثم احراقها. كان هناك ايضا اذلال مبرمج للحزب الوطني الديموقراطي الحاكم الذي حصد مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات الاخيرة. وقد تبين نتيجة الاحداث الاخيرة ان الحزب غير قادر حتى على الدفاع عن مقره الرئيسي الذي احرقه المتظاهرون!

انهارت مؤسسات الدولة في مصر، على رأسها وزارة الداخلية، ولم يبق غير الجيش. ساهم في الانهيار الاعلان يوم الجمعة عن ان الرئيس حسني مبارك سيلقي كلمة موجهة الى المصريين. لم يلقها الاّ بعد مضي خمس ساعات على صدور الاعلان عن نيته التوجه الى مواطنيه. شرّع ذلك الابواب امام كل انواع الاشاعات والبلبلة. استغل المتظاهرون ما يشبه الفراغ ليزيدوا ضغطهم في كل الاتجاهات متحدّين حظر التجول في وقت كان الجيش ينتشر ببطء شديد لحماية المؤسسات الرسمية والمراكز الحيوية. لم تكن هناك اي حماسة لدى الجنود للتصدي للمتظاهرين. اكتفوا بابعادهم قليلا عن مبنى الاذاعة والتلفزيون في شارع قصر النيل المحاذي للنيل الذي تقع قربه وزارة الخارجية. لم يتدخل الجنود لفرض منع التجول الذي كان بدأ سريانه في السابعة مساء. على العكس من ذلك كانوا يتحدثون الى المتظاهرين الذين راحوا يكتبون عبارة "يسقط مبارك" على الدبابات والمدرعات. كان ملفتا ان الجنود لم يمحوا العبارة، التي بقيت على الآليات.

ماذا يريد الجيش؟ كان ذلك هو السؤال المطروح في القاهرة مساء السبت الماضي. وصلت البلبلة حتى الى مطار العاصمة المصرية الذي تدفق عليه آلاف الرعايا العرب والاجانب الذين ارادوا مغادرة مصر بعد شعورهم بالتهديد المباشر في الفنادق التي حلّوا فيها. كان واضحا ان معنويات الجنود والضباط وعناصر الاجهزة الامنية في المطار منهارة. لم يكن هناك من يريد اجراء تفتيش جدي للمسافرين.

بدا واضحا ان الجيش ليس مستعدا للدفاع عن التركيبة الحالية للنظام اذا لم تتوفر شروط معيّنة كان الرئيس حسني مبارك يرفضها في استمرار. من بين هذه الشروط تعيين نائب للرئيس يمتلك خلفية عسكرية. وجاء اسناد هذا المنصب للواء عمر سليمان (75 عاما) بمثابة تنازل كبير من مبارك من دون ان يعني ذلك ان الجيش حقق كل مطالبه نظرا الى انه كان يفضل تعيين ضابط كبير يصغر عمر سليمان سنّا في هذا الموقع كي يقطع الطريق على اي تفكير في التوريث. وتردد في هذا المجال ان الفريق سامي عنان رئيس الاركان رفض عرض مبارك تولي رئاسة الوزارة نظرا الى انه موقع يمكن ان "يحرق" مستقبله السياسي...

بعد اقلّ من اسبوع على الاحداث التي تشهدها مصر. تبدو الصورة كالآتي: هناك خاسر كبير هو الرئيس حسني مبارك، الذي لم يعد الحاكم المطلق لمصر، ومعه الحزب الحاكم برموزه القديمة والجديدة مثل السيد صفوت الشريف والسيد احمد عزّ. هناك خاسر آخر هو المؤسسة الامنية التي كانت تديرها وزارة الداخلية بشخص الوزير حبيب العادلي الذي يظهر انه دخل في مواجهة مباشرة مع المؤسسة العسكرية. ولدخول الجيش مبنى وزارة الداخلية امس لتمكين العادلي من مغادرتها سالما، معنى كبير. يعني ذلك ان الامن، كل الامن، صار في عهدة مؤسسة واحدة هي القوات المسلحة. فقدت وزارة الداخلية والاجهزة التابعة لها استقلاليتها عن المؤسسة العسكرية.

هناك رابحان كبيران هما المؤسسة العسكرية التي تحلق حولها المصريون علما بانهم لا يعرفون ماذا تريد بالضبط باستثناء استبعاد احتمال التوريث. وهناك الاحزاب المصرية، على رأسها "الاخوان المسلمون" الذين اظهروا قدرة كبيرة على تنظيم انفسهم وتوفير زخم مستمر للتظاهرات ومواجهة قوات الامن المركزي التي انهارت كليا.

هناك رابح اخير هو الفوضى. هل من يخرج مصر من الفوضى التي يمكن ان تتطيح كل المؤسسات. هل تدخل الجيش في الوقت المناسب؟ هل لا يزال الوقت يسمح له بلملمة الاوضاع والمحافظة على النظام؟ الاكيد انه صار شريكا اساسيا في السلطة وان مصر دخلت مرحلة انتقالية. بعد يوم الجمعة 28 كانون الثاني- يناير 2011، هناك مصر اخرى. هناك قاهرة اخرى. شكل الناس في الشارع تغيّر. صار المصريون يتحدثون بلغة اخرى. صاروا يتحدثون عن الديموقراطية بصوت عال منتقدين كل المسؤولين. ربما كان الصوت العالي يستهدف التغلب على القلق الذي يساورهم اكثر من اي شيء آخر!

خيرالله خيرالله

القاهرة