مصر... نقطة انطلاق خليجية

هناك مكان واحد تستطيع فيه دول مجلس التعاون الخليجي (إسمه الرسمي مجلس التعاون لدول الخليج العربية) إثبات جديتها. المكان مصر والموقف من مصر لا أكثر ولا أقلّ. المجلس يستطيع السماح لنفسه بالإقدام على خطوات إيجابية في مصر. هذا عائد أساسا إلى أن مصر ساعدت نفسها عندما وجدت أنّ هناك من يريد مساعدتها. من اراد مساعتها معروف وهو يجسّد الفكر الجديد في العالم العربي.

خارج مصر، أي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، من الصعب التحرّك سريعا على نحو مفيد نظرا إلى التعقيدات التي تحيق بالوضع في كلّ من البلدان الأربعة. في هذه البلدان، هناك الدور الإيراني المهيمن الذي يأتي نتيجة تراكمات عمرها عشرات السنين. تضاعفت آثار هذه التراكمات مرات عدّة ولم يعد ممكنا فصلها عن الخلل الجذري الذي طرأ على التوازن الإقليمي في ضوء الإحتلال الأميركي للعراق في آذار ـ مارس من العام 2003.

صدر عن القمة الخليجية التي انعقدت في الدوحة قبل أيّام ما يوحي بأن هناك خطوة نوعية ما زالت، أقلّه إلى الآن، ذات طابع شكلي. نعم نوعية ولكن ذات طابع شكلي في اتجاه مصر، علما أن الخطوة النوعية الحقيقية والأولى كانت إتخذت منذ بعض الوقت. إتخذت هذه الخطوة قبل "ثورة الثلاثين من يونيو" في العام 2013 ومباشرة بعدها.

ثمّة دول عربية واعية لم تتأخّر لحظة في استيعاب ما يدور في مصر. قرّرت هذه الدول دعم الشعب المصري في ثورته على الإخوان المسلمين. بدأ كلّ شيء بثلاثة مليارات دولار جاءت من دولة الإمارات العربية المتحدة لمصر. تلا ذلك دعم سعودي بخمسة مليارات دولار ثم دعم كويتي بأربعة مليارات دولار. بطبيعة الحال، لم يكن لدى الأردن ما يتبرّع به، فكانت زيارة الملك عبدالله الثاني للقاهرة وهي الأولى لرئيس دولة عربية منذ الثورة الشعبية التي أعادت مصر إلى أهلها. كذلك، وقفت البحرين موقفا إيجابيا من مصر. لم تتأخّر المنامة لحظة في القيام بما تستطيع القيام به، على الرغم من الوضع الداخلي فيها بسبب التدخل الإيراني من جهة وإمكاناتها المحدودة من جهة أخرى.

كان لأمير الكويت الشيخ صُباح الأحمد دور محوري في جعل القمة الخليجية الخامسة والثلاثين تنعقد وذلك بعدما سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة قبل تسعة أشهر. كان لا بدّ من طرف حكيم يقنع القيادة في قطر بأنّ موضوع عدم انعقاد القمّة مطروح بشكل جدّي، خصوصا أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز إتخذ موقفا في غاية التشدّد من كلّ ما له علاقة من قريب أو بعيد بالإخوان المسلمين ومن يدعمهم.

نجحت جهود الشيخ صُباح الذي كرّمته قمّة الدوحة بعدما كرّمته الأمم المتحدة بصفة كونه "قائد العمل الإنساني". بذل جهودا مستمرّة أكّدت أنّه سياسي وديبلوماسي استثنائي وذلك في وقت لم يعد هناك ما يُمكن وصفه بوساطة. بات مطلوبا إتخاذ موقف واضح لا لبس فيه من أحداث مصر. لا لشيء، سوى لأنّ بداية استعادة التوازن على الصعيد الإقليمي ليست ممكنة من دون استعادة مصر لدورها.

وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير ما صدر عن القمّة وما تضمّنه البيان الختامي. هناك إتفاق دول بين دول مجلس التعاون على "الموقف الثابت من دعم مصر بشكل كامل ودعم برنامج الرئيس عبدالفتّاح السيسي المتمثّل في خريطة الطريق". ليس الإتيان على ذكر الرئيس المصري بالإسم سوى إشارة لا بدّ من التوقف عندها إلى مدى التزام الجميع طي صفحة التشكيك بما حصل في مصر. ما حصل كان ثورة حقيقية على الإخوان المسلمين الذين أرادوا ربط مصر بكلّ أنواع التخلف وتمكين ايران من إختراقها في ظلّ الضياع السياسي للرئيس المخلوع محمّد مرسي الذي لم يكن سوى واجهة لآخرين.

هل من يريد أن يتذكّر كيف زار الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد القاهرة والظروف التي أحاطت بتلك الزيارة؟ هل من يريد استعادة خطورة الرحلات المكوكية بين القاهرة وطهران لأحد مبعوثي مرسي من القياديين الإخوانيين؟ هل من يريد أن يعي خطورة الإختراق الإيراني للإعلام المصري في مرحلة حكم الإخوان وحتّى قبل ذلك؟

كان لا بدّ من دعم ثورة مصر التي ليست إنقلابا. فمصر هي المكان شبه الوحيد الذي في الإمكان ممارسة دور إيجابي فيه يؤدي إلى نتائج سريعة نسبيا. أكثر من ذلك، إنّ لمصر دورا على الصعيد الإقليمي. هناك دور أمني لمصر في منطقة الخليج. كذلك، إن استعادة مصر يسمح في المستقبل في تصحيح الأوضاع في المحيط المباشر للدولة العربية الكبرى، خصوصا في ليبيا التي باتت مصدر قلق لكلّ منطقة شمال افريقيا... وقطاع غزّة الذي بات يشكّل تهديدا للأمن العربي ككلّ وللوضع في صحراء سيناء تحديدا.

لولا ثورة مصر لما كان ممكنا بدء التحرّك من أجل تصحيح الوضع في تونس، على سبيل المثال وليس الحصر.

وحده الوقت سيكشف ما إذا كان سيكون هناك التزام من الجميع في ما يخصّ مصر. وحده الوقت سيسمح بمعرفة ما إذا كان هناك استيعاب لمدى خطورة الإخوان المسلمين على صعيد الإقليم، فضلا عن قدرة ايران على استيعابهم من أجل تحقيق مآرب محدّدة مرتبطة بمشروعها التوسّعي القائم على إثارة الغرائز المذهبية.

إتسم نهج مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ قيامه في العام 1981 في رحاب دولة الإمارات والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بالعقلانية. في السنة 2014، تعني العقلانية الوقوف صفّا واحدا في وجه الإخوان المسلمين الذين حاولوا ركوب موجة "الربيع العربي". والعقلانية تعنى أن النجاح في مصر يسمح بتحقيق نجاحات في أماكن أخرى، بما في ذلك اليمن حيث يسعى الحوثيون (انصار الله) إلى قيام نظام جديد على حدود المملكة العربية السعودية تسيطر عليه ايران سيطرة كاملة.

ما يدعو إلى تغليب التفاؤل إنعقاد القمّة الخليجية في موعدها والبيان الصادر عنها والذي يمثّل إطارا للعمل المشترك، خصوصا في مجال محاربة الإرهاب والتطرّف.

الأهمّ من ذلك، تحديد الخليجيين لنقطة الإنطلاق عبر الموقف الواضح من مصر. إنّها بداية جيدة. المهمّ الآن التصويب الدقيق بغية بلوغ النجاح في استعادة مصر لدورها. فالنجاح في مصر خطوة على الطريق الوصول إلى خط النهاية، مع التركيز المستمرّ على أنّ "جميع الخليجيين في مركب واحد". هذا ما كان يقوله مسؤول كبير سابق في إحدى دول المنطقة عرف دائما، مهما تغيّرت الظروف، كيف الإبقاء على شعرة معاوية مع الآخر.