مصر لم تعد تحتمل الغباء السياسي

بقلم: سيد يوسف

حين نسأل شخصا كم حاصل جمع 1+1 فيجيبك بأنها خمسة فهذا شخص يمكنك أن تحاوره لكن حين تسأل شخصا كم حاصل 1+1 فيجيبك بأنها بطيخة فاعلم انك أمام امرئ لا يمكنكما أبدا أن تلتقيا وهكذا حال إدارة الأمور في مصر لا سيما فيما يتعلق بالحريات وبمطالب الناس العادلة في حياة كريمة.

هل حقا كانت مصر تدار بمنطق الغباء الممزوج بالبلطجة والقهر؟ من كان يحكم مصر؟ إن استدعاء أمثلة للإدارة الغبية والقرارات التي تنضح بقمة الغباء لا يمثل عناء يذكر فتقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم وإفساد الحياة العلمية والصحية والاجتماعية والثقافية وتبوء سفلة القوم لمناصب حساسة والتباطؤ السخيف في اتخاذ القرارات ونضج العامة عن الحكام فيما يتعلق بتقديم مقترحات فاعلة وابتكارات ممكنة لأزماتنا التي صنعها أولئك الساسة السفهاء نماذج واضحة للعيان لتبيان تلك الغباوة التي لم تنفك عن أولي الأمر في مصر سواء فيما مضي أو فيما هو حاضر...ولا يعقل أن الذي كان يحكم مصر من خلف الستار قد توارى مع هذه الثورة ذلك أننا ما زلنا نشهد منطق الغباء سائدا...فمن ذا الذي كان يحكم مصر؟ من ذلك اللهو الخفي الذي جعل من سفهاء قومنا كنزا استراتيجيا للكيان الصهيوني؟ من ذلك الذي لم يطق أن يتحمل أو أن يفهم أن مصر تغيرت وأن المصريين تغبروا بالفعل وأن الجيل الذي تشهده مصر الآن لم يعد يمكنه أن يتحمل الغباء أو أن يظل اللهو الخفي يلقي بقرارات غبية من خلف ستار كما كان العهد من قبل.

إن البطء في اتخاذ القرارات التي لطالما نادى بها الناس من شهور مضت يثبت أن اللهو الخفي وأدواته وذراعه بعيد عن الواقع ولا يمارس مهامه وفقا لوجود ثورة ولم يع بعد أن المصريين تغيروا، وأنهم لن يرجعوا للوراء ثانية وأن عليهم أن يدركوا أن هناك فارقا في السرعة بين مطالب الثوار المشروعة والعادلة والسريعة وبين تفكير السلحفاة.

إن استمرار الحال هكذا ينذر بعواقب وخيمة سوف تطال نارها الوطن كله... على صناع القرار في مصر أيا كانوا ينبغي أن يصل إليهم – إذا كانوا لا يقرأون الواقع- أن مصر بالفعل تغيرت، شبابها غير كهولها ولو أن أولي الأمر يقيسون على أنفسهم لفسد الأمر ذلك أن شبابها لن يسمح - والله لن يسمح- بسرقة ثورتهم فإما ثورة صحيحة تنهض بها مصر وإما فوضي عارمة تقضي على كل متباطئ وخوار ومتواطئ وصاحب أجندة بالفعل خارجية (وهو يرمي الشرفاء بها بالباطل) مطلوب منه أن ينفذها دون وعي بحقيقة تغير الشباب وساعتئذ ستكون أيضا دمار على رأس اللهو الخفي صانع الأجندة الحقيقية ألا من يعي؟ ألا من يفهم؟ ألا من مبلغ؟

أرأيتم شعبا أنضج من حكامه مثل المصريين؟ يقترحون حلولا مبدعة لمشكلات ما صنعها المواطنون بل الساسة الأغبياء ومن معهم من مسئولين نافذين انظروا إلى إبداعات بنك الأفكار وما فيها من حلول مبدعه ومبتكره لمشكلات اقتصادية تبحث فقط عن إداري مخلص صاحب قرار...ما دلالة أن يبدع المواطنون حلولا لمشكلاتنا الاقتصادية ولا يقترب منها المسئولون إلا أن يكون ذلك عن قصد الإفساد وزيادة معاناة الناس؟

إن الجدية مفقودة في تحقيق مطالب الثورة الحقيقية ويبدو أن استهبال المصريين يتم بصورة فجة وغبية ولربما انقلب السحر على الساحر...خذوا مثلا اللغط التي يتناول حياة/ صحة الرئيس السابق تمهيدا لعدم مثوله أمام المحكمة في أوائل أغسطس القادم وكما هو معروف لدى الساسة أن شغل يوم الخميس يتم التحضير له من يوم السبت السابق، ومثال آخر عودة رئيس مصلحة الطب الشرعي بعد أسابيع من عزله فضلا عن تكريم قتلة الثوار بنقلهم إلى مؤسسات تعطي راتبا أكبر وترقية بعض القتلة من الضباط.

وعلى صعيد آخر ففي تقديري أن أكثر من 90% من مشكلاتنا المصرية يكمن في غياب العدالة الاجتماعية فأمراض التحاسد والتباغض وما يستتبعها من شكاوي واعتصامات وإضرابات فئوية بعضها مشروع وبعضها ليس ذاك أوانه وبعضها الآخر مستفز وغير مشروع إنما يرجع إلى غياب تلك العدالة الاجتماعية وإلي التفاوت العريض والغبي في الأجور بين العاملين في الدولة.

خاتمة وملاحظات

1/ إن مصر كلها تعيش الحالة الثورية بالمزاج الثوري إلا ثلاث فئات ما تزال تعيش بعقلية العصر الحجري حيث الغباء والبطء وردود الفعل غير المتزنة مع الحدث والتعطيل والتأجيل والخبث وهذه الفئات هي: الفئة الحاكمة بمن فيهم "اللهو الخفي" والفئة التنفيذية وأخيرا البلهاء الذين لا يعنيهم من أمر دنيتهم إلا شهوتي البطن والفرج وربما من أجل ذلك باعوا أنفسهم ووظفوا أصابعهم للدفاع الالكتروني عن الفئتين الأولي والثانية.

2/ لقد استبان لي أن أمتنا في حاجة ماسة إلي مفردات تتسم بالوضوح والإمكانية والثبات لتقرير طريق النهضة ولا شك عندي أن مفردات من قبيل (1) العلم، (2) والعدل، (3) والصلاح أو الاستقامة، (4) والقوة أو الشجاعة هي مفردات أصيلة (واضحة، وممكنة، وثابتة) للبناء الحضاري والسير في ركب الحضارة الإنسانية.

3/ قيل إن عصفوراً خرج من عشه مستغرباً ضجيج الناس من صراخ وهلع وتدافع، فسأل عن الخبر، فقيل إن السماء ستسقط على الأرض بعد قليل والناس حياري لا يدرون ماذا يفعلون غير الصراخ والعويل. فما كان من عصفورنا الناعم، إلا أن جعل ظهره على الأرض ورفع رجليه الصغيرتين إلى أعلي، وقال هذا واجبي، أنا أدافع عن الأرض بما أستطيع. إذا لم يتحرك الفاقهون فلن يتحرك الكسالى والعجزة والقاعدون.

4/ وإن أقوى ما يمكننا أن نواجه به الطغيان الظاهر والباطن (اللهو الخفي) هو توحدنا على قلب رجل واحد وتوحد مطالبنا السياسية وتنحية إيديولوجياتنا جانبا لكن يبدو أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

سيد يوسف