مصر في مصيدة العولمة

لم ينحصر التأثير المدمر لانتشار الفساد، خلال عصر مبارك، في نهب أموال الدولة ومواردها وعدم التوزيع العادل للثروة، بل إن الأخطر من ذلك كان تزاوج السلطة برجال المال والأعمال، وتحولهم إلى شريحة اجتماعية لها ثقافتها ورؤيتها المعولمة ومصالحها المشتركة التي غالباً ما تتناقض مع مصالح غالبية الشعب، وتجلت الانعكاسات الخطيرة لذلك في العديد من القضايا الجوهرية والمصيرية.

وهنا تكفينا الاشارات المتكررة إلي ما وصل إليه التعليم والبحث العلمي من تردٍ فاق كل وصف ممكن، حيث تعرضت هوية مصر العربية والإسلامية خلال هذا العصر، إلى عملية تحطيم وتجريف لم يسبق لها مثيل، وذلك بسبب الانسياق وراء مشروع العولمة الأميركية،الذي استهدف تحطيم وتدمير كل القوى التي يمكن أن تقف في وجهها، بعد سقوط المنظومة الاشتراكية التي كانت تقف كجدار في طريق هيمنتها بصورة مطلقة، كان لا بد من اختراع عدو جديد من أجل تسخير قوى الرأسمالية المتوحشة لمحاربته وإفساح الطريق أمام مشروعها، فكان لا بد من تحويل الصراع نحو الثقافات الوطنية والدينية التي كانت السبب الرئيس للتمسك بهوية المجتمعات، ومن أهمها الثقافة العربية والإسلامية. فبالرغم من أن العولمة الاقتصادية هي الأساس والهدف فإن الانعكاسات والامتدادات الاجتماعية والثقافية أصبحت واضحة ولا يمكن التغاضي عنها أو إغفالها مع التطورات السياسية العالمية من ناحية، وانتشار ثورة المعلومات والاتصالات من ناحية أخرى، وكانت هذه الامتدادات كجسر يوصل قوى العولمة للهدف الاقتصادي المنشود الذي لا يتحقق بإيديولوجيات وهويات قوية تستطيع التأسيس لقوى ذات أخلاقيات رافضة لظاهرة العولمة.

وبذلك واجهت الثقافة المصرية صراعا محتدما بين قوى التقييد والتطرف من جهة، وقوى التجديد والتحديث من جهة ثانية، وقوى الترويض والتهميش من جهة ثالثة، ففي علاقة الثقافة بالماضي نراها في الغالب تغالي في عرضه وتفسيره وتمجيده حينا، وتقع أسيرة لقيوده وإخفاقاته حينا ثانيا، وتنهل منه دون تجديد أو إبداع أو تطوير حينا ثالثا، أما فيما يتعلق بعلاقتها بالحاضر والمستقبل وما يرافقها من قوى العولمة وتأثيراتها فهي تتعامل معهما في الغالب بتمرد لا عقلاني غير مبرر، وبمحاولات للتجديد والتحديث دون شمولية أو قاعدة فلسفية أو مصداقية اجتماعية، وكل هذا بالطبع لا يقلل من أهمية الكثير من الأعمال والانتاج الثقافي الذي لم ينجح حتى الآن في بناء الزخم المناسب، وإيجاد الكتلة اللازمة لتشكيل الفضاء الثقافي المتكامل لإحداث التأثير التغيير المستهدف، وهو التغيير الذي يرتبط بالانفتاح الواعي والتفاعل الايجابي دون الانقطاع عن الجذور والتنازل عن الهوية والخصوصية.

على أن واحدة من أهم مشكلات الثقافة المصرية التي أدت إلى التردي الثقافي خصوصا والتردي الاجتماعي بشكل عام،هو الازدواجية الثقافية الفاضحة في البنية الثقافية، فهذه الثقافة تشكل مسرحا للفوضى والتناقضات بين الحداثة والمعاصرة، وبين الهوية الوطنية والعالمية وبين الإيمان والعلم، وبين الفكر والممارسة، وبين المبادئ والسلوك، وبين الدين والأخلاق.

وبالتالي فإن الشباب الناشئ في مجتمع يحفل بمثل هذه التناقضات، لا بد من أن يواجه المعاناة القيمية، وأن يعيش هذه الفوضى الفكرية المدمرة. وفي هذا النظام الثقافي تتصارع شبكة من الاتجاهات والمصالح التي يعوزها الائتلاف ويسودها الاختلاف. فهناك الثقافة التقليدية التي تمجد الماضي وتقدسه، والثقافة الحديثة التي بفعل ازدواجيتها وتناقضها ما بين الأصيل والدخيل، والتراثي والاستهلاكي يعيش الفرد فيها في ضياع شبه تام، لأن زمنها الثقافي بعيد كل البعد عن كينونة الفكر العربي وخصوصيته الحضارية.

إنها ازدواجية فاضحة يعانيها العقل الثقافي المصري إذا جاز التعبير، وهي مؤشر قوي على خلل عميق في بنية هذا العقل العاجز عن إنتاج ثقافته العصرية الخاصة، وتحوله إلى تركيب هجين من ثقافتين غير منسجمتين، ثقافة نظرية منقولة من الماضي الإسلامي، وأخرى عملية حياتية مأخوذة من الغرب، أي تركيب متناقض بين ماضوية الفكر وعصرية السلوك.

ولا تتوقف مشكلة الثقافة المصرية عند بنيتها التلفيقية هذه، بل تمتد أيضا إلى وظيفتها إذ أن هذه الثقافة أصبحت أساس التخلف، وأصبح دورها معرقلا لمساعي النهوض الوطني والقومي والتجدّد الفكري والحضاري.

ويقدم المشهد الثقافي المصري دليلا حيا على المرض العضال الذي أصاب اللغة والثقافة والفن. فهنا يبرز الفساد الثقافي واللغوي والموسيقي والدرامي والسينمائي على أشده، وتتحول كل هذه المجالات إلى وسائل لغرس قيم سلبية بالغة الخطورة في عقول الشباب بالإجهاز على ما تبقي من الانتماء الوطني والقومي، وخلق نموذج لشخصية مشوهة ومفككة ومقطوعة الجذور، يسهل تطويعها وقيادتها، وهذا هو الخطر بعينه.