مصر: خلاف حاد حول مشروع للتأمين ضد البطالة

الجلوس على المقاهي اصبح المتنفس الوحيد للشباب العاطلين

القاهرة - اعترضت أوساط اقتصادية مصرية على نظام للتأمين ضد البطالة مقترح من قبل وزارة الاقتصاد المصرية, على اعتبار أنه نظام غير عملي, ويتم في أجواء غير مستقرة داخليا وخارجيا, من شأنها أن تجعل من تطبيقه عسيرا, وأن تتسبب في خسائر طائلة تطال شركات التأمين على البطالة في مصر.
وخلصت دراسة مفصلة لمؤسسة مصر للتأمين, استعرضت مقترحات وزارة الاقتصاد المصرية بشأن نظام التأمين على البطالة, وتجارب التأمين في العديد من الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية, إلى كون المشروع الجديد لنظام التأمين على البطالة, مشروعا محفوفا بالكثير من المخاطر, وعسير التطبيق في الظروف المحلية والدولية الحالية, التي يعاني فيها الاقتصاد المصري من حالة من الركود الشديد.

مشروع نظام التأمين على البطالة

ينص النظام المقترح تطبيقه من قبل وزارة الاقتصاد المصرية, لنظام التأمين ضد البطالة في مصر, على أن يتكفل مستحقو التأمين, وهم كافة عمال مصر, بما في ذلك العمالة الموسمية, بدفع اشتراكات تتراوح بين 1 و2 في المائة من الرواتب مع ما بين 2 إلى 3 في المائة من الراتب من أصحاب العمل, لشركات التأمين على أن يكون العامل المستفيد من هذا التأمين قد أصبح عاطلا دون اختياره, وأن لا يكون قد فقد وظيفته بسبب خطأ منه. وأن يكون قادرا على العمل مرة أخرى, وأن لا يرفض أي عمل مناسب يعرض عليه.

ويقترح المشروع المقدم من قبل الوزارة إطارا زمنيا لتقديم التعويضات على أن تكون هناك فترة تحمل أسبوع على الأقل, وأن يتم صرف التعويض لمدد تتراوح ما بين ستة شهور وسنة, تبدأ في التناقص بما يحفز العمال على البحث عن عمل آخر.

اعتراضات جوهرية على المشروع

وبعد استعراض لنظم التأمين كما هي مطبقة في أميركا وفي عدد من الدول الأوروبية, تلاحظ الدراسة أن من الغريب أن تطرح الوزارة مقترح نظام التأمين ضد البطالة في ظل حالة الكساد الاقتصادي التي تعاني منها مصر, والتي تتوقع الدراسة استمرارها على الأقل خلال الأعوام الثلاثة القادمة, وفي ظل الاستمرار في عملية الخصخصة.

وتلاحظ الدراسة أن طرح المقترح السالف الذكر في ظل تشجيع الاستثمار واتباع سياسات اقتصاد تحررية, وما يتبع ذلك من مزيد من التغييرات للتشريعات القائمة, لجعلها أكثر تحررا, ومن هذه التشريعات ما يتعلق بحقوق العمال المكتسبة منذ الحقبة الاشتراكية, من شأنه أن يراكم الصعوبات في وجه تطبيق المقترح.

وترى الدراسة أن طرح المشروع في هذا الوقت بالذات, قد يعكس وجود نية لإحداث تغيير في التشريعات وقوانين العمل التي لا تسمح بالفصل من العمل بدون أي تقصير أو خطأ من جانب العمال.

وخلصت الدراسة من استعراض تجارب الدول الغربية في نظام التأمين وضرورة مساهمة الدولة في القسط الأوفر منه, وتجارب شركات التأمين, وخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية وحالة الركود, والأضرار التي تكبدتها بسبب ذلك, إلى أنها لا تعتقد إطلاقا بوجود أي إمكانية لأن تقوم شركات التأمين بتوفير هذا النوع من التغطيات, الذي لا توجد أي سابقة له, بأي من دول العالم الكبرى في الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية, بحسب قول الدراسة.

ورأت أن هذا الاستنتاج يقوم على عدد من الاعتبارات منها أن نتائج هذا النوع من التأمين تعتمد على المتغيرات الاقتصادية, من معدلات النمو العام, والنمو في الصادرات, والاستثمارات الجديدة, ومعدلات التضخم ..إلخ, وبالتالي يكون من الاستحالة التنبؤ بالتقلب في معدلات البطالة, ولذلك كثيرا ما تواجه صناديق إدارة تأمينات البطالة بوجود عجز في ميزانياتها, وتقوم الحكومات بتمويله.

وتوقعت الدراسة "كأثر للتحرير الكامل لسوق التجارة في السلع مع عام 2004, وما يتوقع من تدهور شديد في الصناعات الوطنية, التي لن تستطيع مطلقا مواجهة طوفان السلع الرخيصة والأعلى جودة, حدوث كساد شديد يترتب عليه ارتفاع في معدلات البطالة". وقالت إنه "يكفي مشاهدة ما حدث في روسيا والكتلة الشرقية, عندما تم فتح أسواقها تماما للتجارة في السلع, والمؤشرات الفلكية للبطالة بها".

وتساءلت الدراسة "هل يتخيل أحد, لو كان هذا التأمين موجودا عام 1997 عند وقوع حادث الأقصر الإرهابي, وما نتج عنه من كساد شديد في قطاع السياحة, وفقد عشرات آلاف لأعمالهم, حجم التعويضات التي كان يمكن أن تسدد" من قبل شركات التأمين.

وأضافت أن نتائج هذا التأمين تعتمد أيضا على النظام القانوني المنظم لحقوق العمال. وقالت "في اقتصاديات الدول الكبرى, أصبحت نقابات العمال ذات نفوذ سياسي كبير, وانعكس ذلك في زيادة حقوقهم. وعلى سبيل المثال الإضراب الأخير لعمال السكك الحديدية بفرنسا، وعددهم 180 ألف لزيادة رواتبهم, على الرغم من تأكيد هيئة السكك الحديدية الفرنسية أن ذلك سوف يؤدي إلى زيادة خسائرها السنوية بنحو مليار فرنك فرنسي". وأضافت تقول "بالطبع سوف تفضل الحكومة الحل الذي يحقق لها مزيدا من التأييد الشعبي, وهو "الموافقة على زيادة الرواتب".

وخلصت الدراسة إلى أن طرح وزارة الاقتصاد المصرية لهذا النوع من التأمين في هذه الفترة بالذات, إنما "يعكس وجود نية لإحداث تغيير في التشريعات, فقوانين العمل الحالية لا تسمح بالفصل من العمل بدون أي تقصير أو خطأ من جانب العمال. وبما أن الوزارة بتوجهاتها التحررية لتشجيع نمو الاستثمار واتباع سياسات اقتصاد تحررية, فذلك يعني أنه سوف تكون هنالك مزيد من التغييرات للتشريعات, في ما يتعلق بحقوق العمال المكتسبة منذ الحقبة الاشتراكية", وهو ما من شأنه التأثير على شركات التأمين.

وفي حديثها عن دور الدولة في دعم صناديق التأمين على البطالة قالت الدراسة "تقوم الحكومات بتمويل صناديق تأمين البطالة بنسب متفاوتة, تبلغ أقصاها في السويد بنحو 40 في المائة, تليها فرنسا فبريطانيا ثم الولايات المتحدة بنحو 10 في المائة. وقالت إن هذه النسب عرضة للتغيير, ويجوز أن ترتفع تبعا لتوافر الأموال اللازمة لسداد التأمينات للعمال' وهذا يعكس إلى حد كبير مدى التقلب في نتائج هذا التأمين.

ورأت أن من الحلول لهذه المعضلة زيادة إسهامات أصحاب الأعمال لمواجهة أي عدم كفاية لأموال التأمين لمواجهة تعويضات البطالة. واعتبرت أن التطبيق الجيد لهذا التأمين يحتاج إلى التعاون الكامل ما بين الحكومات ونقابات العمال ومنظمات الأعمال. (ق.ب)