مصر: توصيات 'الفراق القومي'

بقلم: أحمد أبودوح

منذ أيام قليلة، أنتهت فعليات مؤتمر "الوفاق القومي" الذي تم انعقاده لتقريب وجهات النظر بين القوى المختلفة على الساحة السياسية المصرية، وقد خلص هذا المؤتمر إلى عدة توصيات قام برفعها إلى مجلس الوزراء، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وقد اقتضت بعض بنود هذه التوصيات ابعاد المنتمين إلى "الحزب الوطني المنحل"، والأعضاء المعينين في المجالس النيابية، المنتمين إلى المعارضة، عن ممارسة الحياة السياسية لمدة لا تقل عن 5 سنوات، مما أثار حفيظة رموز الحزب المنحل، وبعض رموز المعارضة، الذين اعترضوا على وصف أحزابهم "بالورقية".

ولكن في حقيقة الأمر، يجب الاعتراف بأن لجنة النظام الانتخابي، التي أصدرت هذه التوصيات قد أصابت بدرجة كبيرة، لأنها طرقت على الحديد قبل أن يبرد، في نفس التوقيت الذي بدأ فيه الاحباط يتسلل إلى نفوسنا كنتيجة طبيعية لظهور قيادات الحزب المنحل، وبداية احتلالهم المنابر السياسية مجددا.

قام رموز الحزب الوطني بالاعتراض (كما كان متوقعا) على هذه التوصيات، ووصفوها بمحاكم التفتيش التي لا تمت للديمقراطية بصلة، كما طالبوا بالرجوع إلى الشعب ليقرر استمرار هؤلاء في ممارسة السياسة من عدمه.

هنا يتضح أن هؤلاء الوطنيين (نسبة إلى الحزب المنحل) يسعون لتطبيق نفس الطريقة التي انتقدوها منذ أشهر قليلة، عندما اتبعها الاخوان المسلمون في مراهنتهم على فهم الشعب "المسكين" لما يحدث الآن على الساحة السياسية، وهم بهذه الطريقة يعزفون على أوتار العاطفة التي يتميز بها الشعب المصري، أملين في الحصول على تأييد شعبي، مما يعني اكتسابهم الشرعية، التي تعتبر نتيجة أولية لما سوف يحصدونه بعد ذلك من مكاسب عند نزولهم من جديد إلى معترك الحياة السياسية.

ولكن اعتراض بعض أفراد من الحزب الوطني لا يدعوا للتعجب، بقدر ما يدعو اليه الاعتراض (الغير مفهوم، حقيقة) من قبل بعض الأحزاب والقوي السياسية على هذا القرار.

جاء اعتراض بعض هذه القوى السياسية بمثابة "حق يراد به باطل"، فقد كشفت صيغة هذا الاعتراض عن الأسباب الحقيقية من وراءه، والنوايا الخبيثة التي دعتهم إلى تسجيل هذا الاعتراض، وهو في حقيقة الأمر، الخوف الشديد من خلو الساحة أمام مرشحي جماعة الاخوان المسلمين دون منافسة في الانتخابات التشريعية المقبلة، ونجاحهم في حصد أكبر عدد من المقاعد.

هم في نفس الوقت يعترضون على وصف اللجنة لكياناتهم "بالأحزاب الورقية"، وهم لا يدركون (حقيقة) أن اعتراضهم على استبعاد بعض رموز الحزب المنحل، ما هو الا اثبات لهذا الوصف، فهم لا يمتلكون الشارع، لأنهم عمليا لم يتمتعوا بيوم واحد من الاستقلالية عن النظام السابق ماليا، وهيكليا، وتنظيميا، وحتى أمنيا.. باستثناء حزبي الوفد والتجمع الذين يمتلكان مواردهما الخاصة.

لذا يجب أن نتفهم أن توصيات هذه اللجنة من الممكن أن تساهم في تغيير خريطة الحياة السياسية المصرية، تبعا لطريقة التطبيق، فلا نستطيع (مثلا) أن نستبعد كل الأعضاء والمنتمين لهذا الحزب، لأننا نعلم جيدا أن منهم من أقدم على ذلك لمصلحة شخصية، أو للتمتع بسلطة محدودة.. فقط، دون الاضرار بالمصلحة العامة، وبدون ارتكاب جرائم سياسية يحاسب عليها القانون.

ولكن في الوقت نفسه يجب أن تشمل هذه التوصيات القيادات التي ساهمت في افساد الحياة السياسية بالفعل في مصر، والتي لعبت دورا بارزا في التزوير الفج الذي شهدته الانتخابات التشريعية الأخيرة، منهم: أعضاء لجنة السياسات، والهيئات العليا، والمكاتب السياسية ورؤساء الحزب في المحافظات، وأعضاء البرلمان، والمجالس المحلية...

قد يرى البعض أن من ضمن هؤلاء، أشخاص لم يشاركوا في التجريف المنتظم الذي شهدته الحياة السياسية في ظل حكم الرئيس المخلوع..وهذا قد يبدو منطقيا، ولكن كان انضمامهم وقبولهم لاعتلاء هذه المناصب القيادية في الحزب المنحل، هو أكبر دليل على موافقتهم لما يحدث على مسمع ومرئى منهم، بل يجب أيضا توجيه تهمة "السكوت على الفساد والتزوير" لهم، لاعتبار أن هؤلاء لعبوا دورا مهما بسكوتهم عما يحدث، وبالتالي استبعادهم أيضا.

لقد قام بعض أعضاء الحزب الوطني أيضا بتوجيه تهمة تبني "النظرية الاقصائية" للجان الوفاق القومي في عملية الفرز السياسي التي قامت بها هذه اللجان، ولكنهم واقعيا لا يدركون أن من اتبع النظرية الاقصائية هو النظام الذي كانوا ينتمون اليه عندما استبعد بعض الجماعات والائتلافات من ممارسة العمل السياسي وضيق على البعض الأخر، كما انهم تناسوا أيضا أننا، في حقيقة الأمر، لا نعيد اختراع العجلة، وأن ما قامت هذه اللجان باصداره هو انعكاس "للنظرية الثورة" وليست الاقصائية، لأنه من الطبيعي بعد انتهاء جميع الثورات أن تقوم القوي الثورية باجتثاث شجرة الفساد من جذورها، يتبعها حرث التربة السياسية جيدا حتى نضمن نمو الديمقراطية بطريقة صحية بعد رمي بذورها.

من اشهر هذه الثورات التي اتبعت نفس النظرية هي "الثورة الألمانية"، حيث قام الثوار بعد هدم حائط برلين مباشرة باستبعاد قرابة 3 ملايين شخص من ممارسة الحياة السياسية، أو أي عمل عام، أو أي وظيفة حكومية لمدة 5 سنوات، وسمحت لهم بممارسة الأعمال اليدوية فقط.

ولكن لا يجب في مصر (اذا تبنى المجلس العسكري هذه التوصيات) أن يصل عدد المستبعدين إلى هذه الحد، حتى لا نفقد القيم والمكتسبات التي جاءت بها ثورة يناير العظيمة. في نفس الوقت الذي ندعوا فيه المجلس العسكري إلى النظر إلى هذه التوصيات بعين الاعتبار، حتى يصبح هذا المؤتمر، لجميع القوى السياسية الوطنية التي تعمل بشكل جاد على النهوض بهذا الوطن العظيم، وعبوره هذه الفترة العصيبة "مؤتمرا لبدأ الوفاق".. وحتى يكون، لمن لا يريدون خيرا لمصر، وانما يريدون العودة للاستمرار في تحقيق مكاسبهم الشخصية فقط.. "مؤتمرا للفراق".

أحمد أبودوح