مصر بعيون الفرنسيس: ما الذي يغري الغرب فينا؟

في البدء كان غزو مصر

باريس - يصدر خلال الاسابيع الثلاثة المقبلة لفيصل جلول كتاب "مصر بعيون الفرنسيس: بحث في اصول الثقافة السياسية العربية" وذلك عن الدار العربية للعلوم في بيروت ومكتبة مدبولي في القاهرة.
ينطوي الكتاب على قسمين وستة ابواب.
في القسم الاول يتحدث المؤلف عن اصول الثقافة السياسية العربية ويرى ان اهم عناصرها التأسيسية تكونت مع حملة نابليون بونابرت على مصر لكن ابرز مصادرها تكونت في مطالع الالفية الثانية مع القطيعة التي اعلنها الفقهاء المسلمون بين علوم العرب وعلوم الاجانب وما ترتب عنها من حرق كتب ابن رشد وتدمير محاولته الشهيرة في اثبات الصلة بين الحكمة والايمان. ويقترح جلول في نهاية هذا القسم عناصر منهجية لتغيير جدي في الثقافة السياسية العربية معتبرا ان مصير العرب متصل بنوع ثقافتهم السياسية.
في القسم الثاني من الكتاب يترجم المؤلف ستة نصوص فرنسية حول حملة بونابرت على مصر وعن حريق القاهرة وغزو السويس وحرب حزيران ووفاة عبد الناصر وبورتريه عن الرئيس المصري الراحل ويقدم قراءة نقدية لهذه النصوص مرفقة مع كل نص على حدة. وفي هذه القراءة يرصد الكاتب كيفية فهم الفرنسيين لقضايا واحداث مصرية اساسية بل فاصلة ويبدي اراء تقييمية لها.
ويتضح من تمهيد الكتاب ان اختيار مصر جاء بناء على تقدير الكاتب لاهمية هذا البلد في تكوين الوعي السياسي العربي وتكوين النخب العربية خلال ما ينوف عن القرنين.
يقع الكتاب في 160 صفحة من القطع المتوسط وفيما يلي كلمة الغلاف الاخير:
غلاف الكتاب الأخير
تفيد وقائع الغزوات التي تعرض لها العالم العربي خلال تاريخه الطويل أن الغزاة كانوا يأتون إلى منطقتنا بدوافع "نبيلة" في ظاهرها إلى أن يستقر بهم المقام فيسعون إلى أهدافهم الحقيقية من وراء الغزو وهي في الغالب اقتصادية أو دينية أو جيوستراتيجية أو مختلطة. في غزوه لمصر كان نابليون بونابرت يرغب في خلق مستعمرة على مقربة من بلاده بعد خسارة فرنسا لمستعمراتها الأمريكية وكان يخطط لقطع طريق الهند على الإمبراطورية البريطانية وبعد أن فشل في تحقيق هذا الغرض اخترع شعار "تحديث" مصر و"تحريرها" من المماليك عله يتمكن من البقاء في ارض الكنانة.
وفي الجزائر قال الفرنسيون لحظة احتلال العاصمة أنهم جاءوا لتخليص السكان من عسف "البايات" حكام البلاد المحليين وأنهم سيغادرون في شهور معدودة وسيسعون إلى "تحديث" هذا البلد فكان أن استوطنوا الجزائر 130 عاما واعتبروها مقاطعة فرنسية.
وفي تاريخ قريب ادعى الصهاينة أنهم جاءوا إلى فلسطين من اجل زرع التقدم وتوفير الخدمات الطبية والتربوية للفلسطينيين غير أنهم التهموا أراضي أبناء البلد الأصليين وأقاموا دولتهم العنصرية عليها.
وادعى البريطانيون خلال الحرب العالمية الأولى أنهم يقيمون دولة عربية متحدة إذا ما انضم العرب إلى الحلفاء في الحرب العالمية الأولى فكان أن ضاعت فلسطين جراء وعد بلفور وتشرذم العالم العربي بفعل اتفاقية سايكس ـ بيكو الشهيرة ومازال على حاله حتى اللحظة. واليوم تقول الولايات المتحدة الأمريكية أنها احتلت العراق من أجل نشر "الديموقراطية" في حين نراها بأم العين تهدم هذا البلد بحجره وبشره.
ما من شك أن الضعف العربي كان وما زال يغري المستعمرين ويستدرج المهيمنين إلى
منطقتنا. والضعف لا يختزل بنقص التسلح ومحدودية المقاومة وإنما بنوع الثقافة السياسية التي سادت وتسود بلداننا. ذلك أن السيطرة تتم أولا في العقول وليس بالسلاح والقوة العسكرية. فالغالب يبحث دائما عن إقناع المغلوب بعدم جدوى المغالبة فيسيطر عليه بأرخص الأثمان أي برضا المغلوب نفسه.