مصر... النَزَعات الانتقامية والعدالة الناجزة

نفق مظلم ما يريدونه لمصر

منذ أن استجاب الجيش الوطني لرغبة المصريين في إنهاء حكم الإخوان، وعزل الرئيس السابق وتقديمه إلي المحاكمة، وبعد فض اعتصام رابعة العدوية، وقتل من قُتل من المصريين من الطرفين، تحولت بقايا الثورة وموجاتها من فعل اجتماعي سياسي رؤيوي إلي اقتتال يومي، عداء يتوالي ويزداد عنف درجاته، علي خلفية قصاص حتمي يعتقده أصحاب ادعاء اليقين الواحدي.

لقد أصبح المجتمع المصري يعاني من حالة تهديد ورعب يومي، صارت التفجيرات والقنابل وحتي الصواريخ المضادة للطائرات مشهدا معتادا، التراشق بالاتهامات والأسلحة والعبوات الناسفة، استهداف رجال الجيش والشرطة وقتلهم، ثم التمثيل بجثثهم قصاصا واجبا من الجماعة وأعوانها، تفجيرات مديريات الأمن، ومراكز ونقاط الشرطة والجيش إيقاعا متكرراً، دمويا ومجنونا، اضطراب الجامعات، ومظاهر الفوضي والعنف والحبس والتحفظ التي تشمل الشباب و تمثل ضياعا للمستقبل، الآتي الذي بات يحكمه نبرة يأس وانسحاب من قَبَل فصيل كبير من قوي الثورة الشبابية.

لم يكن القتل ودوي الانفجارات من يوميات الواقع المصري، لكن المراقب للمشهد الأن لابد أن يلاحظ النزعات الانتقامية التي يضمرها التنظيم العالمي للإخوان، الذي صور ما حدث مع مرسي وجماعته بأنه انقلاب فاستعدي القوي الدولية، وصور معطيات المشهد المصري في الخارج بأن ما حدث من الجيش رغبة في إعادة حكم البلاد إلي حوزة السلطة البرجوازية السياسية العسكرية.

الأمر الذي يدعو للتساؤل الأن: كيف نخرج من هذا النفق المظلم الملوث بالدماء والخراب والإحباط؟ كيف نقضي علي هذه النَزَعات الانتقامية التي باتت تحكم المشهد في كل أنحاء مصر بجميع محافظتها؟ فالجميع في هذا الوطن مصريين .

كما أطرح سؤالا أكثر حساسية كيف نساوي بين طرفين: أحدهما يستهدف الحفاظ علي أمن هذا الشعب، ويسهر علي حمايته من الإرهابيين ومجانين السلطة الذين يفرضون تقديسا علي توجهاتهم ورؤاهم وأصولياتهم، ويساوون بين تأويلاتهم للنصوص الدينية والدين ذاته، فريق يعرف معنى الوطن، استجاب بالفعل لرغبة غالبية المصريين في إسقاط حكم الإخوان ومواليهم، وفريق آخر يمارس كل أنواع العنف وزعزعة أمن هذه الدولة بكل مقوماتها السياسية والاقتصادية والأمنية؟ فريق يُحل قتل كل من يختلف معه علي أساس فتاوي قياداته وشيوخه، الذين لا يعرفون منطق براح الفكر الإنساني وتعدده، وتطوره لتاريخيته.

أما أن يستحوذون علي رأس السلطة، وجميع مفاصل الدولة، ويتم لهم التمكين الذي خططوا له، أو يسقطون مؤسسات هذا الوطن الراسخة التي تحفظ له تماسكه.

هل يمكن أن يتساوي المجند أو الضابط الذي يقوم بمهمته في الدفاع عن أمن الوطن مع الإرهابي الذي يروع معنى الحياة؛ لصالح أطماع جماعة جميع أسسها الفكرية بالية وغير عقلانية.

قد نسمع من يتقول بأن الطرفين يتساويان، وأن العنف يصدر من الجهتين، لكن قراءة الواقع وأحداثة تثبت أن الجماعة بتنظيمها، والجماعات التكفيرية التابعة لها هم من يبادرون بالعنف والتعدي علي مفهوم الوطن ومؤسساته، الوطن الذي استقر مفهوم التعدد والتداول من أهم مقوماته.

كما أن غالبية الشعب المصري بالفعل كان قد لفظهم إبان السنة التي حكموا فيها، وكان من غير الطبيعي انتظار ثلاث سنوات أخري من التخبط وانعدام الرؤية .

لكن المنطق الإنساني والقدرة علي قراءة الواقع ومعطياته الآنية لن يقبل بالطبع اقتصار الاعتماد علي الحل الأمني للخروج من حرمة الدماء التي تراق بشكل يومي، التغول الأمني الذي قامت الثورة بموجتيها للقضاء علي انتهاكاته، وتعديه علي الكرامة البشرية، فمن غير المقبول اعتقال أكثر من ثلاثة ملايين من الإخوان و المتعاطفين معهم، أو نبذهم والتغاضي عن أفكارهم التي يؤمنون بها، حتى وإن ثبتت بالتجربة عدم صلاحيتها وضيق مصالحها ورؤاها، كما أنه ليس من الطبيعي إقرار التصفية الجسدية لمن يحمل منهم السلاح دون محاولات من الدولة والقائمين علي الأمر فيها ببذل الجهود، لعقد جلسات نقاش متتالية لإيجاد طرق تفاهم، ووصول إلي حلول؛ لتلاشي الصدام المسلح بين كلا الفريقين.

فقدان العدالة

أين هي العدالة الناجزة التي من شأنها، مع استحقاقات وإجراءات أخري، أن تعجَّل بإنهاء هذا المشهد الدموي؟ والدماء التي تراق من الطرفين. كيف يخرج علينا القضاه في كثير من القضايا المنظورة لمحاكمة رموز وقيادات الرئيس السابق وجماعته بمقولة :" التنحي إستشعارا للحرج"، أليس هناك حرجا وخطرا في بقاء واستمرار الوضع الدموي الذي تحياه البلد الأن؟

هل يأتي الحرج من خوف القضاء من انتقام الجماعة وتنظيمها الدولي من القضاة بتصفيتهم هم أو ذويهم ؟ أم أن الحرج من أن الأسانيد القانونية المقدمة في هذه القضايا غير كافية لإثبات اتهامات قطعية علي هؤلاء الإرهابيين؟

يبقي الحرج والخطر الحقيقي في أن ينسحب بعض القضاه من مواجهات هي الأخطر من نوعها علي حاضر ومستقبل مصر دولة وشعباً، سياسة واقتصاداً، فالعدالة الناجزة والحكم بنصوص الدستور وقوانينه المنظمة هو ما يطلبه المجتمع للحد من هذا العنف الموجة ضد المجتمع المصري ومؤسساته.

تتطلب اللحظة أحكاما سريعة لا تخالف حقوق الإنسان ولا الدستور، لكن إن تطلب الأمر محاكم ثورية تفصل في كل القضايا التي لم يستطع القضاء العادي إثبات أحكام بشأنها منذ 25 يناير 2011 وحتى الأن، بداية من عهد مبارك، فالمجلس العسكري، ثم حكم مرسي وجماعته، فلتكن هناك عدالة انتقالية دون مخالفات قانونية، لكن لسرعة الإنجاز، أليس لكل سياق مقتضياته ؟ إن خوف السلطة القائمة الأن من الرأي العام العالمي باتخاذ أي إجراءات استثنائية يجعل يد الدولة وحكومتها المرتعشة مغلولة ومقيدة.

كما أنني أعني بالاستحقاقات والإجراءات الأخرى الجلوس على مائدة المفاوضات للوصول إلي صيغ سياسية، لا تتهاون مع عنف هذا الفصيل الديني السياسي وأعوانه، لكن تسعي إلي توضيح ضرورة الانتماء لهذا الوطن، وفق مصالح البلد بكل فصائلها وطوائفها، ضرورة مراجعة وتوضيح كثير من الأسس الفكرية التي يستندون عليها في رؤاهم القاصرة لطرق وأساليب حكم البلاد، وتوجيههم لعصرنة تلك الأساليب، إلى أن تنفتح صياغة وعيهم لمفاهيم الدول الحديثة، توضيح الخطورة في أولوية الانتماء إلي جماعة لها أهداف مهما اتسعت لا ترقى أن تضم أطياف وفصائل ومؤسسات دولة كبيرة بحجم مصر، وإلي أن يحدث هذا وهو ما سيتطلب وقتا ومجادلات ونقاشات كثيرة، لا مجال لخوضهم المعترك السياسي أو الحزبي.

ضرورة إجراء حوارات لا يشوبها اليأس السريع، بل رغبة حقيقية في التواصل، وليس لمجرد إبراء الذمة أمام الميديا محليا وعالميا، وإعلان تلك الحوارات ونتائجها علي المواطنين، لا بمنطق الجبهتين الإعلاميتين المضللتين أو المبالغتين لكلا الطرفين، لكن لتوضيح مناهج فكر الطرفين دون مبالغة أو رغبة في التكفير والإقصاء، ذلك حتى تتضح الحقائق كاملة للرأي العام.

وقت أن يحدث هذا سيصبح الشعب يدا فاعلة، تدرك سريعا الأقنعة التي تتخفى وراءها كل القوي التي تلعب علي الساحة السياسية وراء العديد من الشعارات، تكشُّف المعرفة يساعد الدولة وسلطاتها لفضح ولفظ هذا الفكر الإرهابي ثم تقويمه أو إحاطته إن لم يكن هناك أملا في تغيير فكر بعض قيادات هذه الجماعة والموالين لها، كما من شأنه أن يجعل مؤسسات الدولة ذاتها تراجع أدواتها وأداءها، أي تطور من منظومة إدارتها وتسعى إلي القضاء علي عناصر الفساد فيها، إن الحلول الأمنية وحدها لن تكون أبدا هي السبيل الوحيد الناجع لحل الأزمة الفكرية السياسية التي تحياها مصر، فالسير في مسارات متوازية ومتعددة مجتمعة، أساسها المعرفة والعقل وتنويره هو الذي سيدفع الجميع لغربلة الأفكار والادعاءات، وهو ما سيدفع لعدم تعاطف البعض مع هذه الجماعات لمجرد ما يتعرضون له من مواجهات تعتمد علي النهج الأمني سواء بالاعتقال أو التصفية.

العاصم اللازم

إن المعرفة المنفتحة والمتعددة، وحوار الأفكار، وقبول فكر الآخر، وثقافة عدم ادعاء يقين لا وجود لسواه، هو العاصم اللازم، مع توافر عدالة ناجزة، مع منظومة إعلام واع لا يقتصر سعيه علي إشعال معارك متطرفة بين القوي متباينة المصالح، بل يلتزم بمنهج احترافي لا يخدم توجهات بعينها، ويعرض للواقع برؤية تتسم بالاعتدال، في ظل دولة قوية، تستطيع بعد خوض كل تلك المسارات المتعددة تفعيل قوانينها التي يراعي فيها أمن الدولة بمواطنيها مجتمعين، وسيادة نصوص دستورها الذي يؤكد علي التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وواجباته تجاه الوطن الذي يضمنا جميعا.

من شأن العدالة الناجزة أيضا أن تسرع بالإفراج عن من لم يثبت عليه تهم جنائية من المتحفظ عليهم، أو ثبت عدم ضلوعهم في تعكير الأمن العام، أواستعداء الآخرين والحض علي العنف والفوضى، ومن المؤكد أن استشعار عدم التجني من الطرف القابض علي السلطة سيعمل علي التخفف من احتقان الوضع العام، والشعور بالعدل الذي يعيد للأوضاع سوائها تدريجيا.

كما أن الأمر الذي لا استطيع أن أفسره جيداً هو موقف من يتقولون بالنقاء الثوري دون أن يملكوا أدوات تحقيق أحلامهم، التي غالبا ما تعلو علي سياق الواقع ومعطياته التي تتطلب أحيانا حلولا قاطعة، تتملكهم المعارضة والسخط من كل المبادرات والمساعي التي تقدمها الحكومات وما تقترحه من مبادرات أو قوانين، إن المأساة التي دائما ما تواجه الفكر اليساري هي الصراع بين القضايا الضرورية: الحرية والعدالة والمساواة، وبين الاستحالة العملية لتحقيقها المطلق في التو واللحظة، بل ويغفلون تماما أن السياق الذي تحياه مصر الأن حرج للغاية، فانسحابهم من المشهد الأن يأسا، أو تعاطفا مع من يتعمدون إرهاب الدولة لهو موقف يدعو للحيرة، دموية وعنف اللحظة لا يحتمل الاعتماد علي الحلول الإقناعية والمراجعات الفكرية وحدها، ودعوات الاعتذار والمصالحة إن كانت لمجرد الخروج من المأزق الحالي لن تعود بفائدة، ليتهم يقدمون بدائل! حلول منطقية وقابلة للتنفيذ علي أرض الواقع شديد التراكب والتعقيد، ويحمل أولويات لا مجال للجدل حولها.

مع فصيل في المجتمع يتصور أنه إذا لم يتمكن من الحكم سيدمر هذا البلد لن ينجح معه حل وحيد يعتمد علي القمع الأمني فقط، أو المصالحة والمراجعة فقط، أو القضاء العادي الذي يستشعر حرجاً، نحن بحاجة أن نعتمد علي كل هذه المحاور مجتمعة، وتأخذ آفاقا متوازية. لنخرج من هذا النفق الدموي.

أماني فؤاد

كاتبة مصرية