مصر: الإسلاميون يتنكرون 'للم الشمل' بـ'تطبيق الشريعة'

القاهرة ـ من محمد الحمامصي
'إسلامية إسلامية، رغم أنف العلمانية'

من كل حدب وصوب، من قرى ونجوع محافظات مصر بوجهيها القبلي والبحري، جاء الإسلاميون إلى جمعة 29 يوليو، من إخوان وسلفيين وأنصار سنة وجماعة إسلامية، إلى ميدان التحرير وسيطروا عليه وعلى المداخل المؤدية إليه وممراته الجانبية ومنصاته وشعاراته في تجمع لم تشهده مصر ـ برأيي ـ في تاريخها الحديث كله، وتلاشت كافة القوى الليبرالية والعلمانية والنخب المثقفة.

كل ما تراه ذقون تتدلى، ومصاحف ترفع ولافتات وشعارات وهتافات تزلزل الميدان دون أن تخرج عن سياق "إسلامية..إسلامية"، "الشعب يريد تطبيق شرع الله"، "الله أكبر"، "إسلامية..إسلامية..لا شرقية ولا غربية"، "إسلامية إسلامية..رغم أنف العلمانية"، "بالروح بالدم نفديك يا إسلام"، "ارفع رأسك فوق أنت مسلم"!

جمعة 29 يوليو تمثل جمعة "الإسلاميين" أو جمعة "الشريعة الإسلامية" بامتياز، لتسقط كل الأسماء التي اقترحت الأسبوع الماضي واختلفت باختلاف المتظاهرين وتوجهاتهم ومطالبهم، هذا على الرغم من اتفاقات ومبادرات لتوحيد الاسم.

فبالنسبة لائتلافات الثورة وحركاتها المعتصمة في الميدان هي جمعة "لم الشمل" و"التوافق"، و"وحدة الصف"، وأما بالنسبة للجماعة الإسلامية فهي جمعة "الشرفاء"، و"التطهير"، والإخوان المسلمين وائتلافات القوى الإسلامية "جمعة الإرادة الشعبية".

لكن الإسلاميين حولوها إلى جمعة "تطبيق الشريعة"، ليخلو الميدان من أي حديث عن القصاص من قتلة الثوار ومحاكمة مبارك ورموز نظامه أو الحرية والعدالة الاجتماعية وغيرها من المطالب المتفق عليها بين قوى وحركات الثورة من كل التوجهات، وباستثناء البيان الذي تلاه المستشار محمد فؤاد نائب رئيس مجلس الدولة والذي اتفقت عليه القوى السياسية وطالب 14 مطلباً تلبي تقريباً مطالب الجميع بما فيهم الإسلاميون، لم يرفع شعار واحد مدني.

وطالب البيان المجلس العسكري والحكومة بجدول زمني واضح وصريح لتحقيق مطالب الثورة، محاكمة الرئيس المخلوع وعائلته وقتلة الثوار وكافة رموز الفساد في عهده، سرعة نقل الرئيس المخلوع إلى سجن طرة ومحاكمته محاكمة علنية، محاكمة المتورطين في قتل الثوار خاصة القناصة.

وأكد البيان على عدم رضا مختلف القوى والحركات والأحزاب عن حكومة عصام شرف الجديدة، وطالب بالإفراج الفوري عن المدنيين الثوار الذين تمت محاكمتهم أمام محاكم عسكرية، ورفض ما يسمى بالمبادئ الحاكمة أو فوق الدستورية لأنها اعتداء صارخ على إرادة الشعب، مؤكداً أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

وكانت قد سرت شائعات استباقية اجتاحت الشارع المصري في أسبوع جمعة "29 يوليو" حملت تحذيرات تؤكد أن هذه الجمعة سوف تحمل حرباً بين الإسلاميين وعلى رأسهم الجماعة الإسلامية وبعض ائتلافات القوى الإسلامية وبين ائتلافات وحركات ثورة 25 يناير وفي مقدمتهم حركتي 6 أبريل وكفاية وحزب المصريين الأحرار، لكن الأمور بدت هادئة.

الهدوء لم يكن له إلا تفسير واحد يستشعره كل من تواجد داخل الميدان، فلا يمكن أن تهتف "مدنية..مدنية"، أو "علمانية..علمانية"، أو تهاجم المجلس العسكري ورئيسه المشير محمد حسين طنطاوي، وإلا قضي عليك، لا مجال للحوار أو النقاش أو الاختلاف، وقد رأيت سيدة تخترق الميدان هاتفة "مدنية مدنية" فالتف حولها المئات حتى غابت بين أجسادهم وأصواتهم الهاتفة "إسلامية إسلامية"، بل سمعت من يقول "إنها علمانية كافرة"، فمن يجرؤ ويرفع صوته بمدنية مصر أو علمانيتها فكأنما يقرر الانتحار!

المنصات التي شهدها الميدان كلها كانت إسلامية، وقد اعتلاها مشاهير شيوخ القنوات الفضائية الدينية، أما خطباؤها من غير الإسلاميين فقد تحروا الدقة في كل لفظة وجملة ولم يتطرق أحد منهم إلى مدنية الدولة أو صياغة دستور جديد، ولم يهاجم أحد منهم أو ينتقد لا تقاعس المجلس العسكري ولا فشل حكومة عصام شرف، وكان الرد على أي هتاف يصدر منها "إسلامية..إسلامية".

وقد دعا مظهر شاهين شيخ جامع عمر مكرم وخطيب الجمعة بالميدان إلى مليونية "إفطار الثورة" الجمعة القادمة التي توافق الخامس من رمضان، حيث يؤم المتظاهرين لصلاة المغرب والعشاء وصلاة التراويح الشيخ محمد جبريل، ويخطب فيهم الشيخان عمر عبد الكافي ومحمد حسان.

الرسالة إذن واضحة وقد وصلت ـ برأيي ـ أن الإسلاميين بكل تصنيفاتهم يحتشدون للانقضاض لا على الثورة فقط ولكن على مستقبل مصر القادم، والسؤال من سيحصد عائدات هذه الرسالة الإسلاميون أم العسكريون؟