مصر.. إسرائيل، منْ سيردع منْ؟

بقلم: ماجد ضيف

لم يكن السيد أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر هو أول من أكد في العديد من التصريحات أن إسرائيل تحاول منذ فترة إثارة القلاقل بين مصر ودول حوض النيل لتحقيق مصالح خاصة بها، كما أن السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى المصري وأمين عام الحزب الوطني لم يكن المسئول المصري الأول الذي سخر من وجهة النظر التي ترى إمكانية نشوء صراع عسكري بين مصر ودول الحوض من أجل المياه.
إن مصيبة مصر فيما بعد عهدي ناصر والسادات لم تتوقف عند تبريدها للعلاقات التي كانت دافئة مع الدول الإفريقية عامة وبخاصة مع دول حوض النيل، ولكن مصيبة مصر الأكبر في تقديري الشخصي هي أن توجهاتها وخياراتها وأفعالها وردود أفعالها فيما يخص قضايا المسيرة والمصير باتت مرهونة برؤى حفنة من السياسيين أثبتت الأحداث بما ليس فيه أدنى شك أن رؤاهم قاصرة عن تحقيق مصالح الوطن والمواطن في حاضرهما ومستقبلهما القريب والبعيد، وإلا فما معني تصريحات السيدين أبو الغيط والشريف وغيرهما.
إن السيد أبو الغيط قد يرمي من خلال تصريحاته الى إقناعنا بأن مصر يقظة لمخططات إسرائيل في حوض النيل، وقد يرمي السيد الشريف من خلال تصريحاته الى إقناعنا بأن أزمة المياه مع دول حوض النيل هي أهون من أن نعتبرها مسألة حياة أو موت وأنها بالتالي مجرد خلاف في وجهات النظر يمكن علاجه بكل بساطة بمجرد إجراء اتصال هاتفي ودي بين بعض المسئولين في مصر وبين أشقائهم في دول المنبع.
وقد غفل السيدان أبو الغيط والشريف أن تصريحاتهما هي جديرة بالمساءلة التي لا نملكها، لأننا فقط نملك التساؤل، فقط نملك أن نسأل السيدين وماذا فعلت مصر تجاه مخططات إسرائيل في دول حوض النيل، أم أن مصر يكفيها الإعلان عن علمها بهذه المخططات؟ ثم لماذا نستبعد في قراءتنا للواقع وتوقعاتنا للمستقبل أن يتطور الخلاف بين مصر والسودان من جهة وبين دول المنبع من جهة أخرى الى خصومة ثم الى صراع دبلوماسي ثم الى صراع عسكري، أم أن مصر ترى أن الواقع بكل مراراته ومؤشراته الواضحة وضوح الشمس والتي تتجه بكل إصرار صوب حرمان مصر من حصتها التاريخية هو مجرد أوهام وهواجس نفسية تطلقها وتروج لها حفنة من المفكرين والخبراء والكتاب المرضى نفسيًا والجاهلين بمدى عمق الروابط والجسور التاريخية التي تجمع بين أبناء النيل من المنبع الى المصب، تلك الروابط التي لا يمكن لإسرائيل وحلفائها (وعلى رأسهم أميركا) بكل ما لديهم من ثقل سياسي واقتصادي وبحثي وتكنولوجي وعسكري أن ينالوا من متانتها ورسوخها الأزلي الأبدي؟
أيها السادة حاكمي مصر المتحكمون في مسيرها ومصيرها، أظنكم تعلمون كما يعلم القاصي والداني أن النخبة السياسية التي حكمت وتحكم وستحكم في إسرائيل لها أطماع عقائدية وسياسية في سيناء، وأظنكم تعلمون كما يعلم القاصي والداني أن الغالبية العظمي من الشعب الإسرائيلي تتمني استعادة إسرائيل لسيناء وتأسف على إعادتها لمصر رغم بموجب اتفاقية سلام هي بكل المقاييس لا تعبر عن العمق الشعبي في البلدين، وأظنكم تعلمون كما يعلم القاصي والداني أن إسرائيل ليست مجرد صديق أو حليف تقليدي للولايات المتحدة ولكنها وفق أبسط الأوصاف المنطقية الواقعية لا تقل عن كونها إحدى الولايات المتحدة إن لم تكن أهم هذه الولايات بحكم موقعها الإستراتيجي الذي يحقق لأميركا ما لا تحققه لها أية ولاية أخري بما يعني أن الدعم الأميركي لإسرائيل كان ولا يزال وسيظل بلا حدود ولا شروط وبما يعني أن إسرائيل الأميركية لديها من القدرات الهائلة ما يمكنها من إجراء مسح تام لما تبقي من روابط بين دولتي المصب ودول المنبع ثم إعادة بناء روابط جديدة وفق قواعد جديدة وحسابات جديدة لا مكان فيها لمصر أو السودان.
إن أخشى ما أخشاه أن تظل مصر متباهية بمجرد تواجدها في الملعب دون مشاركة مؤثرة ودون رؤية إستراتيجية ناجحة ودون قدرة حقيقية على الفعل ورد الفعل، إن أخشى ما أخشاه أن يطول بنا زمن التباهي لنستيقظ ذات يوم على شعب مصري تحركه مخمصة الجوع وحرقة الظمأ نحو ثورة شعبية لن يستطيع أي مسئول كائنا من كان إلا أن يستجيب لها بإعلان الحرب على دول المنبع المصنعة والمعدلة إسرائيليًا وأميركيًا لتكون هي لحظة تحقيق الحلم الإسرائيلي الأبدي الأزلي باستعادة سيناء وحينها لن ينفع الندم ولن يجدي البكاء في المحافل الدولية التي لا تعترف بالحقوق إلا إذا كانت للأقوياء، أما حقوق الضعفاء فهي مجرد غنائم مستحقة لأسياد العالم.
إن أسمي أمنياتي هي أن تستيقظ مصر اليوم وليس غدًا، حينها فقط ستدرك حتمية تغيير بوصلتها السياسية، وستدرك حتمية الدخول في تحالفات إقليمية مع دول شقيقة وصديقة تمكنت من انتزاع احترام العالم لأنها قالت لا لأميركا ولا لإسرائيل وضحت بغرامهما الزائف من أجل حقيقة واحدة وهي أنك إن لم تصن كرامتك فلا خيار أمامك سوي المهانة والإحتقار من أعداء ظننتهم أصدقاء ورفاق المسيرة والمصير. ماجد ضيف
كاتب وشاعر مصري maged_daif@hotmail.com