مصر... أهي 'ولاية الفقيه الدستوري'؟!

بقلم: جواد البشيتي

إنَّها ليست المرَّة الأولى؛ ففي تركيا رأَيْنا هذا "الزَّواج"، "زواج المصالح الفئوية الضيِّقة"، والمناوئ لمصلحة الشعب، ولحِّقه السياسي والديمقراطي، بين "العسكر" و"المحكمة الدستورية العليا"؛ فكلا الطرفين يخدم الآخر، مُدِّعياً خدمة "الأُمَّة"، و"الوطن"، و"المصالح العليا" للبلاد.

وإنَّها في مصر الآن "لولاية الفقيه الدستوري"؛ فـ "الوَضْعي" من الشرائع أصبح، بفضل السلطة التي استأثر بها "المجلس العسكري الأعلى"، كـ "الحقِّ الإلهي"، وما عاد للشعب وثورته (ورئيس الجمهورية المدني المنتخَب) من خيارٍ إلاَّ "السَّمْع والطَّاعة"، والاستخذاء لحُكْم "المحكمة الدستورية العليا" ببطلان "مجلس الشعب (المُنْتَخَب)"، والذي (أيْ هذا الحُكْم) ألبسوه من "القداسة" ما جَعَل تمييزه من "الأمر الإلهي" من الصعوبة بمكان؛ فـ "المحكمة" تأمُر؛ وأمْرُها فَوْق الشبهات السياسية، وغير السياسية؛ لا يُرْجَع عنه، ولا يُجادَل، ولا يُطْعَن، فيه؛ نهائيٌ قاطِع مُلْزِم، وكأنَّه " كلمة التَّقوى" تُلْزِم المصريين كافَّة بها؛ فإنْ أبى بعضهم واستكبر، رافضاً الامتثال والالتزام، أخَذَ "العسكري" على عاتقه مسؤولية إلزامه بالتي هي أسوأ، عندئذٍ، وبدعوى أنَّه "حامي الدستور"، وحارس "مصالح الأُمَّة والوطن".

و"حُكْم المحكمة" هو الآن و"حُكْم الشعب" في نزاعٍ؛ فإمَّا أنْ ينتصر "الدستور" على "الديمقراطية"، وإمَّا أنْ تنتصر "الديمقراطية" على "الدستور"؛ ولو لم يكن "المجلس العسكري الأعلى (بما يُمثِّل، ومع من يُمثِّل)" مُغْتَصِباً للسلطة (الفعلية) في البلاد لَمَا نشأ (واحتدم) هذا النزاع؛ فالأصل في العلاقة بين "الدستور" و"الديمقراطية"، في الدول والمجتمعات الديمقراطية، هو "التصالح" و"التوافُق" و"الانسجام".

إنَّ أحداً من "الديمقراطيين الأقحاح"، في داخل مصر، وفي خارجها، لا يُجادِل (من حيث المبدأ والأساس على الأقل) في "ديمقراطية" و"نزاهة" و"شفافية" انتخاب الشعب لممثِّليه البرلمانيين، أيْ "مجلس الشعب"؛ حتى تلك الهيئة، أو الجماعة، المتوفِّرة على "تصنيع" الأحكام الدستورية، وهي "المحكمة الدستورية العليا"، لا تُجادِل في هذا الأمر، أيْ لا تجرؤ على أنْ تُجادِل فيه.

وإذا أردتم دليلاً على أنَّ هذه "المحكمة" تُفضِّل دائماً الانتصار للدستور ولو ذهبت الديمقراطية ضحيةً لهذا الانتصار، فلتَنْظروا في مواقفها الدستورية من كل ما اتَّسَم به عهد الدكتاتور مبارك من فساد دستوري وسياسي؛ فلم تَقُلْ ببطلان كل ما تمخَّض عن عَبَث مبارك بالدستور، ولا ببطلان ما عرفه عهده من انتخابات برلمانية ورئاسية، يشهد القاصي والدَّاني على أنَّها كانت فاقدةً "الديمقراطية" و"النزاهة" و"الشفافية" و"الشَّرعية"؛ وكأنَّ تلك "المحكمة"، التي هي في حدِّ ذاتها نَفْيٌ للديمقراطية، بمبادئها وقيمها كافَّة، وامتهان للشعب بصفة كونه مَصْدَر السلطات جميعاً، أيْ مَصْدَر السلطة القضائية أيضاً، على ما يجب أنْ يكون، أرادت أنْ تقول (بمواقفها تلك، والتي بعضها من نوع "اللاموقف") إنَّ تلك الانتخابات، مع ما أفضت إليه، "كانت دستورية، وإنْ لم تكن ديمقراطية"!

ولا أعْرِف حتى "المرجعية الدستورية" التي إليها رَجَعَت "المحكمة الدستورية العليا" لَمَّا حَكَمَت ببطلان "مجلس الشعب"؛ فهل الدستور الذي صَلُح دائماً لـ "دَسْتَرة" السلطة المُغْتَصَبَة، في عهد الدكتاتور مبارك، هو "مرجعيتها"، أمْ تلك "النُّتَف الدستورية" التي أعلنها ومرَّرها "المجلس العسكري الأعلى" لغايةٍ هي بِنْت مصالحه الفئوية الضيِّقة؟!

وهل من "الشَّرعية الدستورية" في شيء أنْ يأخذ هذا "المجلس" على عاتقه مسؤولية "تنفيذ" حُكْم تلك المحكمة؟!

زمرة القضاء هؤلاء، أيْ أعضاء "المحكمة الدستورية العليا"، يَنْظرون إلى أنفسهم، ويُراد للشعب المصري (وثورته) أنْ يَنْظُر إليهم، على أنَّهم "الأئمَّة المَعْصومين"، والذين لا أعْرِف مَنْ ذا الذي عَصَمهم عن الخطأ والفاحشة، ومن ذا الذي خَلَّصَهم وصَفَّاهم من "النَّفس الأمَّارة بالسوء"، فأصبحوا كالصَّخرة لا ينال من صلابتها ضغط ناعم أو خَشِن، إغراء ظاهِر أو مستتر، لا يستعبدهم إلاَّ معبودهم، ألا وهو "الدستور" الذي أُنْزِل عليهم من "إرادة عليا"، هي شكلاً إرادة الأُمَّة؛ لكنَّها محتوىً إرادة الحاكم؛ فـ "مسطرتهم"، التي بها يقيسون دستورية، أو عدم دستورية، أمْرٍ ما، صَنَعَها الحاكم (بأمره) من "تزوير إرادة الشعب"!

لقد نَفَى "الدستوريون"، الذي لا يشبههم التزاماً للمبادئ السامية إلاَّ المُطْربين العرب، "الحقَّ الديمقراطي" للشعب المصري إذ حَكَموا (بعدما حَكَّمهم العسكر) ببطلان "مجلس الشعب (المُنْتَخَب)"؛ ولقد نَفَى الرئيس المُنْتَخَب مرسي ذاك النَّفي، فتأكَّد ما يجب أنْ يتأكَّد، ألا وهو أنْ لا شرعية تعلو شرعية الثورة، والشرعية الانتخابية؛ وإنَّ مهمة الساعة الآن هي أنْ يعصي "رئيس الجمهورية" و"مجلس الشعب" و"الشعب" و"الثورة" و"الميدان" أوامر البيروقراطيين من "عسكر" و"قضاة"، وأنْ تُنْجِز "الجمعية التأسيسية" العمل سريعاً، وأنْ يُقِرَّ الشعب دستوراً ديمقراطياً جديداً للبلاد، وأنْ يُنْتَخَب، بعد ذلك، برلمان جديد.

جواد البشيتي