'مصحف أحمر' تؤكد وحدة الديانات وتجاهد من أجل وحدة اليمن

كتب ـ أحمد فضل شبلول
رائحة المصحف

تعتمد رواية "مصحف أحمر" لمحمد الغربي عمران على تقنية الرسائل من طرف واحد، فالأم "سمبريه" تكتب رسائل لابنها "حنظلة" الذي يدرس الطب في بغداد، ولا ترسلها، والأب "تبعة" يكتب رسائل لزوجته "سمبريه" دون رد عليها، لأنها لا تعرف مكانه بالضبط في مدن وقرى وصحارى وجبال ووديان وكهوف ومغارات اليمن. وعلى الرغم من ذلك فنحن نحصل على رواية ممتعة بها الكثير من التشويق والإثارة والمتعة الفنية والحياتية، إلى جانب معرفة جغرافية ويوميات الثوار اليمنيين أثناء انقسام اليمن إلى دولتين جنوبا وشمالا، وعاصمتين: عدن وصنعاء.

وتتداخل ثلاثة أزمنة في رواية "مصحف أحمر"، هي زمن الجد، والأب الذي لم يجد بديلا سوى الانضمام إلى الثوار الذين يطالبون بوحدة اليمن، بعد هروبه من قريته "حصن عرفطة" لأسباب تتعلق برفضه الانصياع إلى أوامر شيخ القرية والتنازل عن أرض عائلته له. وزمن الابن الذي تكتب له أمه الكثير من الرسائل وتشرح له فيها أحوالهم وتستدعي ذكرياتها وأحلامها وكأنها تكتب لنفسها، والزمن الحاضر بعد عودة الابن من بغداد، وقد تغيرت شخصيته تماما، بعد انضمامه إلى إحدى الجماعات المتشددة، فينهار حلم الأم في ابنها، وتتحطم كل الصور التي رسمتها له قائلة: "تبدو لي شخصا غريبا .. لست ابني الذي غادرني منذ سنوات".

ويبلغ التداخل مبلغه حين تكتب سمبريه لابنها رسائل في الزمن الحاضر وتضمنها رسائل من أبيه لها كي يطلع عليها الابن فيفهم طبيعة العلاقة غير الشرعية التي قامت بين الأم والأب الثوري الذي لم يستقر يوما في مكان ما، ولم يمكث أبدا في بيته مع زوجته وابنه، لدرجة أن حنظلة لم يرَ اباه ـ طيلة حياته ـ إلا في المطار قبل أن تقلع الطائرة إلى بغداد، فينكر أنه أبوه، فقد جاء الأب الأعرج سكرانا إلى المطار، لقد أصبح بقايا إنسان يتفوه بعبارات أحرجت الأم والابن في صالة المطار، وكان هدف الأم ساميا ونبيلا بأن تجعل الأب يرى ولده لأول مرة، ويرى الابن أباه قبل سفره للدراسة خارج وطنه، بعد أن فشلت من قبل في تنفيذ سيناريو رؤية الأب لابنه، أو رؤية الابن لأبيه منذ لحظة الميلاد وحتى لحظة السفر. إنها اللحظة التي يتقاطع فيها الماضي مع الحاضر مع المستقبل في مشهد دال، وهي اللحظة نفسها التي انكسرت فيها صورة الأب في عيني ابنه. وهي اللحظة نفسها التي قالت فيها الزوجة لزوجها: "الله يخبو بداخلي من جديد، كنت مخطئة حين رجوتك بالمجئ لوداعه .. أراك تبتسم كالأبله لا كمن يفارق ابنه".

لم يكن زواج سمبريه من تبعة تقليديا، ولم يتم بالطريقة الرسمية المعتادة، ولكن في لحظة حب جارفة ولحظة شبق متناهية في مغارة الجن، نجد تفاصيلها مدونة على الغلاف الخلفي للرواية الصادرة عن الكوكب رياض الريس للكتب والنشر 2010، يتم هذ اللقاء في مناخ صحراوي أو جبلي قاس. ووسط خوف من المطاردة والقبض على تبعة، تسلم سمبريه نفسها له، ثم يختفي تبعة سنوات، وكانت إحدى الشابات الثوريات وهي خمينة ـ التي ذبحت فيما بعد ـ هي همزة الوصل بين تبعة وسمبريه، وكان الجد العطوي صاحب المصحف الأحمر يعرف كل ما يدور بينهما ويباركه. غير أن أم سمبريه تكاد تنكر على ابنتها كل أفعالها وتتهمها بالعهر والخلاعة، وتظن أن خمينة من صديقات السوء لابنتها.

إن هذا المناخ الثوري الذي تعيشه سمبريه جعل منها هي الأخرى ثورية تطالب بوحدة اليمنين ليكونا يمنا واحدا، لذا نرى أن تبعة يمثل لها حالة بطولية نادرة، أخذت تجملها وتضيف عليها وهي تحكي لوليدها عن أبيه البطل الذي لا يقر في مكان، إلى أن جاءت لحظة المواجهة الحاسمة بين الابن وأبيه.

لم يخجل تبعة من أن يكتب ويروي لحبيبته وزوجته سمبريه تفاصيل ما يحدث له منذ أن هرب وتركها في المكان الذي شهد فجر علاقتهما ومتعتهما ونشوتهما في مغارة الجن، فكان يحدثها عن العلاقة الجنسية الخاصة التي نشأت بينه وبين "مولانا" الذي فقد عضوه في حادثة أليمة، ولم تخجل سمبريه من أن تكتب لابنها أو لنفسها عن العلاقة الجنسية المثلية التي نشأت بينها وبين الفتاة شخنما التي تعمل لدى الأم فطمينا (فطمينا التي تذكرني ـ بعد أن قامت الساردة بوصفها ـ بتحية كاريوكا في فيلم "خان الخليلي")، وهكذا تنحو الرواية في بعض جوانبها منحى الاعترافات والبوح وكشف المسكوت عنه في مجتمع مغلق، كثير السراديب والدهاليز والجبال والأودية والمغارات والزوايا المجهولة.

أما عن المصحف الأحمر الذي يحمله الجد العطوي وبه سميت الرواية، فإنه مصحف أو مجلد يحوي بين دفتيه أكثر من كتاب لمعتقدات شتى، منها مبادئ لديانات عدة، ومنها الزرادشتية والصابئة والبوذية الكنفشيوسية والمانوية، كما يحتوي على آيات قرآنية، ونصوص من التوراة والإنجيل، أو من الكتاب المقدس، يحاول العطوي أن يجمعها في مصحفه الأحمر، للدلالة على مبدأ وحدة الديانات والعقائد، وأن كلها تصب في مصحفه الأحمر الذي ينبغي أن يكون متداولا بين البشر.

تقول سمبريه في إحدى رسائلها التي لم تصل لابنها حنظلة: "لم يكن العطوي يتبع مذهبا بعينه .. ولم يكن الحوار معه تقليديا .. أعلن لهم منذ البداية أنه يستوعب الإسلام، كما يستوعب اليهودية ومثلها المسيحية، يصف نفسه بالمؤمن وليس بالمسلم، ويبرر لهم أن الإسلام جزء من الإيمان، وان الإيمان اختص به أولو العلم والحكمة وسعة الاطلاع، والإسلام اختص به العامة من الناس. لم يكن العطوي يشبه أحدا ممن سبقوه. كان تأثيره على من جاءوا بهم من رجال الدين واضحا".

الكاتب اليمني محمد الغربي عمران

تحتوي الرواية على عشرين فصلا، وتبدأ بأولى الرسائل إلى الابن "حنظلة" في شهر أغسطس من عام 2000 وأودعت فيها سمبريه كل مشاعر لهفة الأم وحنينها إلى ابنها الغائب، وتتنوع النداءات والصفات على مدى الرواية بين وحيدي حنظلة، وعزيزي حنظلة، وابني العزيز، وفلذة كبدي، وحنظلي الجميل، وصغيري حنظلة، ونور عيوني حنظلة .. الخ، وتنتهي بالفصل العشرين المعنون بـ "إرهاب" وفيه الرسالة رقم 17 حيث تقول سمبريه: "شهور 2006 تتهادى .. وأنا أتخيل وجودك"، وفيه يظهر حنظلة ثم يختفي، وما بين الظهور والاختفاء دراما التحول في العلاقة بين الأم والابن: "أدركت لحظتها أن حوارنا وصل إلى طريق مسدود .. وأن حياتي في خطر .. وأنك تعتقد بكل ما تنطقه .. وأنك تعتقد أن الله معك وحدك". وعلى الرغم من ذلك تكتب رسالتها الأخيرة التي تقول فيها: "طفلي الغالي .. لم يعد لوجودي معنى إلا بوجودك .. سأظل أبحث عنك بعد مغيب كل شمس عند فراش أمي".

غير أن صديقتها شخنما تخبرها أنها سمعت اسم حنظلة ورد ضمن أشخاص أعلنت أجهزة أمن إحدى الدول عبر رسائلها الإعلامية عن رصد جائزة مالية مغرية لمن يدلها على أماكنهم .. أو يقدم معلومات عنهم .. وقالت إنهم نشروا صورا لمجموعة من الشباب كانت إحداها له.

هكذا تعيش تلك الأسرة اليمنية المفككة بين أب يعيش مع ثوار يتم التلاعب بهم كورقة ضغط بين الكبار، خاصة بعد تكليف الثوار بمهام قتالية واغتيالية لشخصيات معينة في أوقات محددة ثم التراجع عن التنفيذ في آخر وقت، وأم تعيش مخلصة وفية لزوجها وابنها رغم كل ما ارتكبته من ملذات حسية مع صديقتها (التي زوجتها نفسها) شخنما، وابن انتمى إلى إحدى الجماعات الدينية المتطرفة، وجد لا يزال متمسكا بمذهبه حول "المصحف الأحمر".

وللجد العطوي قسط وافر في الرواية خاصة بعد أن تم القبض عليه في شتاء 1977، لتدور رواية محمد الغربي عمران فيما يشبه أجواء الرواية البوليسية وخاصة أثناء بحث سمبريه عنه ومعرفتها بعشرات السجون السرية المنتشرة في معظم أحياء صنعاء في دور يلفها الغموض، لتكتشف أن صنعاء متاهة مخيفة وأن عليها الحذر ومضاعفة جهودها في البحث عن مكان الجد، وتقودها رائحة المصحف إلى المكان الموجود فيه الجد، لنجد تناصا في هذه الجزئية مع رواية "العطر" لباتريك زوسكيند، حيث تقود الرائحة بطلها غرنوي إلى أماكن وجود الفتيات الجميلات فيقتلهن لاستخلاص الرائحة الجميلة من أجسادهن وصناعة عطره الفريد في العالم.

رائحة مصحف الجد الأحمر المنزوع منه التوراة وبعض صفحات الأنجيل، وتطابقها مع رائحة البخور التي تتصاعد من الجامع المقدس، هي التي جذبت انتباه سمبريه لتفكر في احتمالية وجود جدها قريبا من هذا المكان: "مررت جوار الجامع المقدس .. بابه الكبير .. شدتني رائحة زكية .. أريج بخور نفاذ .. وقفت .. رائحته تشبه رائحة المصحف ..". لنكتشف بعد ذلك صدق حدسها وصدق حاستها الشمية، وأن "مولانا" صاحب الذكر المقطوع الذي حدثها عنه تبعة في إحدى رسائله لها، يظهر من جديد ليعاون سمبريه على الوصول إلى المكان الذي كان فيه الجد بداخل الجامع المقدس.

إنها رواية اليمن في سعيه إلى الوحدة بين شطريه، يصاحبها قدرة فذة على الكتابة، وإيمان الساردة بأن الكتابة تخفف عن وحدتها "أود أن أكتب حتى أخفف عن وحدتي .. لم أحدد لمن أبوح .. شعرت وأنا أمسك القلم بأني أكتب إلى روحي .. أضحى علي أن أكتب فحسب". و"اكتشفت أن الكتابة اليوم لم تعد لدي ترفا .. أمست إدمانا للون البياض .. لرائحة المداد .. أمست عشقي .. حياة أتنفسها في سعادة .. أقاوم بها هزائمي".

ويختتم الكاتب اليمني محمد الغربي عمران سطور روايته التي جاءت في 345 صفحة على لسان سمبريه قولها لابنها الغائب: "سأواصل الكتابة إليك .. سأكتب كل التفاصيل الصغيرة دون تنميق .. ولا خوف .. كل مشاعري .. وسأتخيل طرقات كفك على الباب".