مشكلات 'انشقاق' سمر الشيخ مع دور النشر

بيروت
'لن يقرأ احد القصيدة..يظل ديواني الاخير اخرس على الرفّ'

في مجموعة "انشقاق" للشاعرة سمر الشيخ متعة وتأثير وايحاءات ..وفيها ما يثير مشكلات يجد القارئ والناقد انه لم يعد من الجائز السكوت عنها.

اولى هذه المشكلات بل الاولى والثانية تتمثلان في المجموعة التي بين أيدينا. اذا تساءل من يقرأ هذا الموضوع عن الشاعرة سمر الشيخ فالجواب هو ان كاتب هذا الموضوع نفسه لم يستطع ان يعرف عنها شيئا. فدار النشر كما يبدو تعتبر ان كل الشعراء هم ادونيس وكل الروائيين هم نجيب محفوظ.

المشكلة الثانية التي يبدو انه لا بد من تحميلها لدور النشر هي الاخطاء اللغوية وفي المجموعة منها ما لا يجوز وما لا يقبل. اذا كانت عند شاعر او كاتب ما مشكلة مهما كان حجمها فمن مسؤوليات دور النشر حلها لا تركها احيانا "تصفع" عين القاريء حتى ذاك الذي ليس "حنبليا" مدققا في الشأن اللغوي.

فليس من المقبول "اتحاف" القراء بأخطاء كأخطاء قسم من تلامذة المدارس. ومعظم الكتب يكاد لا يخلو من اخطاء محدودة تفوت الكاتب والمصحح لكن الامر هنا تجاوز ذلك.

المشكلة الثالثة التي تقع فيها بعض دور النشر بل توقع القارئ العادي والقارئ الناقد والباحث احيانا فيها هي اصدار كتاب جديد وفيه قول انه الطبعة الاولى ليعود ويكتشف بعد فوات الاوان احيانا انها ثانية او ثالثة. الامثلة كثيرة على هذه الحال وينبغي عدم السكوت على ذلك.

نعود الى مجموعة سمر الشيخ الشعرية وفيها الان تتمثل مشكلتان من الثلاث.. التعريف بالشاعر او الكاتب وترك الاخطاء اللغوية في حدها غير المقبول.

صدرت المجموعة عن دار نشر بارزة هي "الدار العربية للعلوم ناشرون" وجاءت في 111 صفحة متوسطة القطع احتوت على ما لا يقل عن 51 قصيدة.

قصائد سمر الشيخ لا ينقصها النبض والتوتر الشعريين ولا الصور ولا الموسيقى. أهدت الشاعرة مجموعتها الى ما يشبه "جودو". جاء هذا في قولها "للحب ... الحب الذي لا يأتي".

واذا كانت المقدمة تتكلم عن حب لا يأتي فقراءة قصائد المجموعة عامة تحملنا الى عالم حب مقيم ..لم يبتعد ولم يهاجر.

القصيدة الاولى عالم من الحزن والحسرة وصور ونبض مع سمات "ماغوطية." موسيقى القصيدة كمعظم قصائد المجموعة واضحة بيّنة في النبض والايقاع تتشكل من خلال تجربة لا تعوزها الحرارة من تقطيع الجمل وتنظيم مواقع الكلمات وتتحول الحال احيانا الى ما اطلق عليه اسم "الموسيقى الداخلية".

عنوان القصيدة هو "شاعرة." انها عن عبثية الكلام ولاجدواه او عبثية الشعر وهي تشكل نموذجا كبير الشبه بما يأتي بعده. تقول "لا احد يتفيء بالشعر/سأموت ../ لكن جنازتي تعبر../ بلا اكاليل / مطر../ لن يقرأ احد القصيدة / يظل ديواني الاخير اخرس على الرفّ.." ثم تقول "امي وحدها ..تزرع يدها سروة في قلبي / تأخذني الجنة / الجنة الفارغة مني".

في قصيدة "جنة في الطريق" تفلسف حزين في صور ومجازات اذ تقول الشاعرة "الوجود داخلي../ يقرؤني سلامه كل صباح/ افتح عينيّ/ امدّ له يدي ( تنبلج منهما عشر زهرات وبحيرة ...) ان الحزن خلق وحيدا ( ليموت وحيدا".

في قصيدة "رغيف ينبض" مطلع يحمل غلطتين من حيث سوء فهم عمل "كان واخواتها" مع اسمها وخبرها. تقول الشاعرة "هل كان لك يوما قلبا ساخنا كخبز محروق في التنور..) هل تذوقت دموع الفقر.. ( هل شممت رائحة الجوع) وانزرعت في وحدة قاحلة ( هل ..".

في قصيدة "الحرية ان لا تنتظر شيئا" تقول الشاعرة في صور موحية وموسيقى تحمل الى الذهن صورة افول ينساب حزنا "انت تكتب حزنك/ ان الحزن يفقد ذاكرته / يعرف موعد الرحيل /والموت الذي لا يبالي بنا/الموت العابر المقيم/ الوجه الثالث والاخير لحياتك/ الوقت يمر كما هو /احمل قدميك وامض حيث تريد / افرد اصابعك العشر." .. انها هنا العشرة لا العشر.

في قصيده "هي" صورة جميلة ترد بهدوء تقول "كان صوتي حكاية../ لم يرتق لان يكون اغنية / صوتي ليس جميلا../ انه فقط عميق ولا يتكلم".

قصيدة "بعيدة حتى انني لا اتي" تسيل حزنا دون دوي حزنا هادئا كالاعترافات .تقول "كل يوم ../ تسقط شيئا/وكأنك ذاهب للموت بطيئا ... / من قال لك اننا نحب الشعر../ ان الشعر يذكرنا / كم اننا لا نملك سوى قلوب تضيق../كثقب ابرة ...".

الا انها من خلال كل ذاك الحزن وما يبدو تشاؤما تتصرف مثل كثير من كبار المتشائمين ومنهم في العربية ايليا ابو ماضي اي تصل الى حل ما كي تستمر الحياة. تقول "لاتحزن كثيرا ../ثمة اشياء لا تستحق الحزن من اجلها /كأن تفقد صورك القديمة او تضيع يدك من الحقيبة /ما زال ثمة وقت / ثمة طريق لا ينتهي الا اذا انتهينا".

في قصيدة "على حافة الجنون" عودة الى الصور وان جاء بعضها غامضا في مدلولاته والى التوتّر المموسق في شكل جميل ..وكذلك الى الاخطاء وهي مرة اخرى تتعلق بكان واسمها وخبرها. تقول "حين يكون كل شيء بخير نزرع وردة على السنتنا / نقبّل الشمس باجسادنا/نضحك على حماقات البندقية / يكون الرصاص اجنحة /والاصابع طيور والاصوات غيوم." وتضيف "حين يكون كل شيء بخير../ اثق بالالوان/ ثمة تفسير للحياة لا يعنيني/لا انتظر الغد/الغد الذي لا يأتي/ يكون الغد السابق".

في "منفى" شيء من اجواء بعض قصائد محمد الماغوط الاولى. تقول "لم يا وطني.. / امسح جبينك/فتقطع يدي../ اشرع ابوابي / ونوافذ روحي / فلا تعرفني بواديك...".

في "شهوة الريح" اجواء حزن وجمال وتكرار لاخطاء بدائية. "حين يمر بي العمر /متروكة في رباط/ سأذرّ شهوتي للريح تعبث بها / عجوز وحيدة ../مفلسة /اقلب صوري القديمة /اسمع اغنياتي / اجوع للحب..".

ونعود الى الاخطاء في قولها "لو مرت ستون سنة/ او خمسة وستون.." عوضا عن خمس. وتضيف قائلة "متروكة في غرفة قديمة /صبيان الحي يلعبون بالكرة .../ الشابات يمرون على بابي /ولا يدخلون..".

ومن الاخطاء تنوين الممنوع من الصرف توهما ان ذلك يحق للشاعر. والواقع ان ذلك يحق للشاعر الذي يتبع وحدة الوزن والقافية لا لمن يكتب قصيدة النثر او الشعر الحر ومن ذلك ايضا هفوات مثل استعمال اداة الجزم وبعدها فعل ينتهي بحرف علة والابقاء على هذا الحرف رغم الجزم.

بعض القصائد القصيرة جدا يتمثل بقصيدة "تفسير" التي تقوم على فكرة. قالت الشاعرة "الارواح احلام / لا تتحقق".