مشروع ثقافي لمحو الأمية الرقمية في مصر

حوار أجراه: مصطفى عبد الله
الثقافة الجماهيرية تبحث عن دور

الدكتور أحمد مجاهد الذي أمضي 22 سنة هي نصف عمره مسئولا في هيئات وزارة الثقافة المصرية قبل أن يصل إلى موقعه الجديد رئيسا لمجلس إدارة هيئة قصور الثقافة بمصر، ما هي استراتيجيته التي تحدد توجهه في قيادة هذه الهيئة المتشعبة في شرايين مصر، والتي تسعي إلى رفع مستوى التذوق ورعاية المواهب وإتاحة مختلف أنواع الخدمات الثقافية للشعب المصري؟
أحب أن أوضح أن هذه الهيئة التي أرأسها بدأت بفلسفة هي أقرب ما تكون إلى التعليمية الموجهة، وبعد ثورة 23 يوليو أصبحت تتخذ سياسة ثقافية لدعم المد الاشتراكي، ويجب أن نعترف بأن الهيئة خلال هاتين المرحلتين كانت لها استراتيجيتها الواضحة، ولكن بعد انتهاء التجربة الاشتراكية، والمواجهة مع عدو يحتل الأرض بما تحتاجه هذه المواجهة من تعبئة شعبية حاشدة أصبحت الثقافة الجماهيرية تبحث عن دور.
وأشهد أن هيئة قصور الثقافة منذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم تهتدي إلى استراتيجيتها الجديدة. ويجب أن نعترف أيضا بأنها منذ ذلك الوقت مشغولة بتقديم أنشطة في المطلق دونما رؤية أو استراتيجية.
ولعل أهم ما نسعى لتحقيقه في هذه المرحلة هو بلورة الاستراتيجية التي يجب أن تنتظم أنشطة هذه الهيئة أو تصدر عنها بحيث توحد بينها وصولا إلى الهدف، وربما يكون ما نبلوره الآن مع مفكرينا هو الوصول إلى الدور المطلوب أن تقوم به الثقافة المصرية في هذه المرحلة التي تواجه تيارات: تعصب وتخلف وإرهاب، في نفس الوقت الذي نتعرض فيه من الخارج إلى رياح العولمة.
وعلى ضوء ذلك فإني أري أن الدور الرئيسي للهيئة في الفترة القادمة هو دور تنويري يمكن بلورته في البحث عن الاحتياجات الحقيقية للناس مثل تخصيص مواقع هيئة قصور الثقافة التي تصل إلى 540 موقعا لإنجاز مشروع محو الأمية الرقمية وإطلاق طاقات المصريين في التعامل مع الحاسوب والإنترنت، وكذا توظيف أجزاء من هذه المواقع لرفع الوعي الصحي لهؤلاء البسطاء، كل هذا يتوازى مع النشاط الثقافي الرئيسي الذي أتصور أن يتجه أكثر في الفترة المقبلة نحو الورش الإبداعية التي أثبتت جدواها، ففي تقديري أن هذا يمكن أن يوسع من جدوي الثقافة الجماهيرية. ولكن يجب أن نضع في اعتبارنا أن هذه الصورة الوردية تواجه بأكثر من عائق أولها أن 75 % من مواقع قصور الثقافة المنتشرة في ربوع مصر لا تصلح لممارسة أي نشاط ثقافي؟ معك حق. فربع هذه المواقع فقط هو المجاز من الأمن بعد حادث احتراق قصر ثقافة بني سويف، ولكن لا تنس أننا بمقدورنا الانتقال بأنشطتنا وبرجالنا من محركي العمل الثقافي إلى الجامعات والمدارس ومراكز الشباب وغيرها كي نحقق استراتيجيتنا. هناك أيضا عائق آخر وهو أن نسبة الإقبال على أنشطة الهيئة في كثير من مواقعها آخذة في التراجع؟ أعلم. والأسباب بعضها لا دخل لنا بها مثل انشغال الشباب واستغراقهم تماما في الإنترنت، واتجاه كثير منهم نحو إغراءات الثقافة الرقمية، التي من أخطر عيوبها جعل الإنسان سلبيا في تعامله مع المجتمع المحيط به، ورفضه له بعد انتمائه إلى مجتمع أرحب بكثير هو مجتمع الثقافة الكونية.
من هنا كان سر مبادرتي بالسفر إلى الإسكندرية لتكريم الشاعر السكندري أحمد فضل شبلول، ليس فقط لأنه فاز بجائزة الدولة التشجيعية في مجال شعر الأطفال، ولكن لأنه من القلائل الذين نجوا من سلبيات التعامل مع الإنترنت، فقد استطاع شبلول أن يحرز إنجازات بالغة الأهمية على شبكة الإنترنت جعلته المحرر الثقافي لموقع (ميدل إيست أونلاين)، ومع ذلك فهو لم ينغلق على نفسه، بل راح يمد الجسور من خلال هذا الموقع المهم بين أدباء الإسكندرية وأدباء العالم كله، وربط الساحة الثقافية المصرية بالساحة العالمية بقدر كبير من الموضوعية.
من هنا فقد توقفنا كثيرا لرسم خطط الحاضر والمستقبل أمام ضرورة تمكين شبابنا من امتلاك أدوات الثقافة الرقمية بإجادة لغة الحاسوب وبرامجه ومعرفة قواعد وأخلاقيات التعامل مع شبكة الإنترنت. ونحن على يقين من أن سلعتنا الجديدة ستحظى بإقبال كبير من أوسع جمهور في ربوع مصر المترامية. هكذا نفعل لكي نستعيد الرواد إلى مواقعنا بجعلهم يلمسون أن الأداء اختلف، ولعل هذا سيتطلب منا إعادة تقييم رجالنا وتمكين البارزين منهم من امتلاك أدوات العصر حتى يستطيعوا التعامل مع قدرات الشباب بشكل عصري، لذا فإن اهتمامنا بالتدريب جوهري في الفترة المقبلة، بالإضافة إلى خطتنا للبحث عن الطاقات الإبداعية الكامنة في جسم هيئة تضم 14 ألف موظف، ولذلك فقد صممنا استمارات استبيان تمكننا من تحديد قادة المستقبل في العمل الثقافي. ماذا دار في الاجتماع الذي عقدته منذ أيام مع المسئولين عن النشر في الهيئة؟ وهل هناك نية إلى تغيير في سياسة النشر؟ أنا لست من أنصار التغيير من أجل التغيير، فقط أردت أن استمع إلى رؤساء تحرير السلاسل وتفهمت مشكلتهم المتمثلة في تقليص ميزانية النشر لصالح ميزانية الإدارة المركزية للشئون الفنية التي كانت 3.2 مليون جنيه فإذا بها تتجاوز 6.4 مليون أي أنها تضاعفت على حساب تقليص ميزانية إدارة النشر، وقد كان أول قرار أصدرته وألزمت به رئيس إدارة الشئون المالية والإدارية هو حماية ميزانية النشر التي تبلغ حاليا 2.5 مليون جنيه. هل فكرت في إنشاء سلاسل كتب جديدة أو إيقاف سلاسل لم تحقق الهدف؟ السلسلة التي أجمعنا في الاجتماع الأول على إيقافها هي سلسلة (الثقافة العلمية) وذلك ليس لأننا نعادي العلم، ولكن لأن حصيلة هذه السلسلة لم يكن هو المأمول، لذا قررنا استبدال هذه السلسلة الفصلية بأخرى شهرية للشباب متخصصة في الكمبيوتر والإنترنت لإتاحة هذه الكتب الغالية الثمن للشباب بأسعار رمزية. بالمناسبة.. هل هناك إدارات تفكر في إلغائها لعدم جدواها؟ يحاول مجاهد أن يتهرب من الإجابة عن هذا السؤال، ولكن عندما ألاحقه يقول: نعم .. نعم .. أنا مضطر لإلغاء عدة إدارات أسميها (الإدارات الورقية)، أي الإدارات المثبتة على الورق دونما تمويل لكي تمارس أنشطتها رغم أن هناك شخصيات مسئولة عنها مثل: مركز الجرافيك، المركز المرئي والمسموع، والفيديو كونفرانس، وقد قرر مجلس الإدارة في اجتماعه الأخير، تأجيل تنفيذ خمس إدارات لحين توفير تمويل لها. وأسأل الصديق الدكتور أحمد مجاهد: ألا تفكر في دعوة المثقفين لمؤتمر عام للتعرف على ما يشغلهم في الظرف الآني، حتي تتيح للوزارة كلها إمكانية قراءة الواقع لمعرفة كيفية التعامل معه؟ هذه الفكرة تشغلني، ولكن ليس من خلال مؤتمر قومي عام، وإنما عبر سلسلة من اللقاءات النوعية المحدودة، فقد ثبت أنها أكثر جدوى عند التنفيذ. قضية ملحة لا تزال تشغلني كلما التقيت برئيس جديد لهيئة قصور الثقافة ألا وهي هذا المقر القبيح الذي لا يمكن أن يعتبر مكانا صالحا لهيئة مهمتها رفع مستوى الجمال لدى المصريين؟ معك حق. فنحن نعيش في (مزبلة)، وبالمناسبة أنا مؤمن بأن طبيعة المكان تنعكس على مستوى الأداء، ومن حسن الطالع أن الرئيس مبارك قد خصص بالفعل أرض مسرح السامر لإقامة مبنى هيئة قصور الثقافة على النيل في الجيزة. ومتى سيتم التنفيذ؟ فورا. فقد أصدر الفنان فاروق حسني، وزير الثقافة، تعليماته بضرورة إعطاء هذا المشروع الأولوية، وسيضم المبنى مسرحا وقاعات للأنشطة الثقافية تعلوها مكاتب الهيئة، وسنشرع فورا في تحديد الاستشاري من خلال مسابقة، ويعقب ذلك التنفيذ على يد واحدة من الجهات الرسمية المشهود لها بالكفاءة في مجال الإنشاءات. كيف تتصور تعاون الهيئة مع باقي هيئات الوزارة؟ إطار ذلك حدده تكليف الفنان فاروق حسني لي بالإشراف على أنشطة رمضان في محكى القلعة بمشاركة كافة قطاعات وزارة الثقافة، وسنتعاون جميعا في تحويل ليالي رمضان إلى تظاهرة ممتدة في القلعة، وقد طلب مني الكاتب الكبير محمد سلماوي، رئيس اتحاد الكتاب، ضرورة وضع أنشطة مقر الاتحاد في محكي القلعة ضمن برنامجنا، وسألتقي معه لبلورة ذلك.