مشروع الصدر الإصلاح بحل تياركم وأمثاله

إعادة كتابة الدستور

قدم زعيم التيار الصدري، السيد مقتدى الصدر، قبل أيام قليله مشروعه الإصلاحي، إلى الرأي العام عبر وسائل الإعلام، وفي شقه السياسي – وهو الأهم والرئيسي من وجهة نظري- يطالب الصدر بأن يتضمن ( اصلاح الملف السياسي، تشكيل فريق يضم رئيس الوزراء الحالي وسياسيا مستقلا ومعتدلا وذا خبرة، وقاضيا معروفا بالشجاعة والحيادية والوطنية، وأكاديميا معروفا وموظفا متقاعدا من الدرجات الخاصة ذا خبرة عالية ومستقلا)، موضحا أن ( ذلك الفريق يعمل على تشكيل فريق وزاري متخصص يتمتع بالنزاهة والخبرة من اجل تشكيل حكومة تكنوقراط بعيدة عن الحزبية والتحزب، على ان يشمل الجميع من دون الميول الى حزب السلطة وسلطة الحزب، وتقديم اسماء مرشحة لرؤساء الهيئات لمجلس النواب للمصادقة عليها، وتقديم اسماء مرشحة لـ(الوكلاء والمستشارين والمدراء وأعضاء الهيئات والسفراء والخبراء).

أعتقد أن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يبدأ بالخروج من العملية السياسية الأميركية نهائيا، و حل التيار الصدري وتشكيل قوة سياسية عابرة للطوائف تطالب بإعادة كتابة الدستور من قبل خبراء دستوريين محترفين لا حزبيين، دستور يتأسس على أساس دولة المواطنة الحديثة والمساواة، وتحريم وتجريم الطائفية السياسية وإجراء انتخابات تشريعية على أساسه تنبثق عنها حكومة أغلبية ومعارضة فعالة. وفي التفاصيل أقول :

إن الدوافع والاستهدافات لما سماه الصدر "مشروع إصلاح" لا تختلف إلا جزئيا عن دوافع واستهدافات ما سمي "حزمة إصلاحات العبادي" و غير ذلك مما طرح أو سيطرح في السوق السياسية العراقية من مشاريع "إصلاحية" مستقبلا، فهذه المشاريع هي من حيث الجوهر نتاج مباشر لاختناق حكم المحاصصة الطائفية الذي جاء به الاحتلال، وموته سريريا من زمن طويل. والسبب هو تناقض هذا الحكم ودستوره من حيث الجوهر مع طبيعة المجتمع العراقي المتنوع والتعددي وآليات تشكل ما يمكن نسيمه اصطلاحيا "الهوية العراقية الحديثة غير مكتملة الاندماج".

إن النخبة السياسية الشيعة، ومنها قيادة التيار الصدري، أدركت – ليس اليوم طبعا- استحالة حكم العراق من قبلها بهذا الشكل الهيمني الفاسد والمفسِد، و الذي دأبت خلاله على أن تترك للخصم الطائفي السياسي بعض الفتات وتتحالف مع طرف مجتمعي آخر، حتى على حساب ثروات وسيادة و وحدة البلد، وأقصد هنا مع تحالف "التحالف الوطني" الذي يحتل التيار موقعا مهما فيه مع "التحالف الكردستاني". و اليوم خرجت اللعبة من أيدي هذه النخبة، ومن أيدي من سمح لها بالاستمرار ودعمها سرا وعلنا، وأعني واشنطن وطهران، ولكل منهما حساباته الخاصة، ولهذا السبب ولأسباب أخرى تتصل به تنهال علينا مشاريع الإصلاح والمصالحة والتطهير والإنقاذ مدرارا.

وإضافة الى هذا المأزق السياسي والاجتماعي العام -أعني داخل نخبة الساسة الشيعة - ثمة مأزق خاص بالتيار الصدري نفسه، ويمكن تلخيصه بأن هذا التيار، كان ومنذ البداية، قد وضع قدما في العملية السياسية التي جاء بها الاحتلال والقدم الأخرى في المقاومة المسلحة للاحتلال نفسه، وعاش طوال السنوات الماضية وحتى اليوم يعاني من هذا المأزق الذي لا فكاك منه بمشاريع كهذه.

وأخيرا فهذا المشروع يحاول إصلاح العملية السياسية من داخلها وبأدواتها وشخصياتها ومؤسساتها نفسها مضاف إليها بعض "البهارات السياسية" من قبيل تطعيم أو استبدال الطاقم الحكومي الإنقاذي مؤقتا بشخصيات خيالية قوامها صفات إنشائية وتمنيات طيبة من قبيل ( سياسي مستقل ومعتدل وذو خبرة، وقاضي معروف بالشجاعة والحيادية والوطنية، وأكاديمي معروف وموظف متقاعد من الدرجات الخاصة ذو خبرة عالية ومستقل ). لنلاحظ عرضا، أن هذه الصفات التي يدرجها السيد الصدر لمن سيشارك العبادي تنفيذ الإصلاح تكشف لنا ضمنا عن رغبة الصدر و كثيرين غيره من داخل الحكم، في أن يتبرع لهم أطراف مستقلون يحملون هذه المواصفات المعدومة في وسطهم لإنقاذ عمليتهم السياسية الفاشلة والميتة وهذا مستحيل مثلما هو مستحيل أن يحاول الطبيب إحياء جثة متفسخة بزرع أعضاء حية وسليمة فيها من جسد إنسان حي وسليم آخر!

إن احترامي لدور التيار الصدري في المقاومة المسلحة البطولية ضد الاحتلال الأميركي الهمجي، يدفعني لأن أخلص النصح له بصراحة و تجرد، وعليه أقترح وجهة النظر الشخصية التالية:

أعتقد أن العملية السياسية الطائفية قد ماتت وشبعت موتا، ولا ينفع فيها ومعها أي إصلاح شكلي وترقيعي من داخلها، و عليه، ينبغي على السيد الصدر أن يبدأ الإصلاح الحقيقي بعيدا عنها، بأن يبدأه من داخل تياره ذاته، وذلك بعقد مؤتمر عام له في أقرب الآجال، يعلن خلاله انسحابه النهائي والتام من العملية السياسية الطائفية، وحل الجسم التنظيمي والقيادي للتيار، بعد إقصاء المتهمين على نطاق واسع بالفساد ممن تولوا المناصب الحكومية والبرلمانية باسمه من صفوفه، و السعي لتشكيل تيار أو كيان سياسي جديد على المستوى الوطني بالاندماج مع تجمعات وكيانات سياسية قائمة أو ستقوم في جميع المحافظات العراقية، وبما يحول التيار من طرف سياسي داخل طائفة واحدة إلى جسم سياسي يمتد على المستوى الوطني يطالب بإنهاء العملية السياسية الأميركية وببدء عملية سياسية عراقية وطنية تطوي صفحة الدكتاتورية البعثية الصدامية والاحتلال الأميركي معا ونهائيا، وتبدأ بإعادة كتابة الدستور على أساس دولة المواطنة الحديثة والمساواة و تحريم وتجريم الطائفية السياسية، ثم يُطرَح – الدستور الجديد – على استفتاء شعبي، تليه انتخابات تشريعية جديدة على أساسه تنبثق عنها حكومة أغلبية نيابية فعالة تقابلها معارضة من الأقلية النيابية تشكل حكومة ظل.

إن هذا المقترح يمكن أن يكون مفيدا وصالحا للاجتراح والتنفيذ من قبل أي قوة سياسية من القوى والأطراف السياسية الأخرى ضمن هذه الطائفة أو تلك و التي تشارك التيار الصدري التوجه والمنطلقات والمعاناة من اختناق وموت العملية السياسية الأميركية مثلما تشاركه الطموحات الإصلاحية الحقيقية وهو مقترح قد يأخذ شكل شهادة أمام التاريخ وحجة على الداعين للإصلاح، شهادة و حجة لا تخلوان من رائحة التحدي فالتاريخ يسجل كل شيء والشعب العراقي شاهد حي وفطن!

علاء اللامي

كاتب عراقي