مشاهد من رعب المخيمات في جباليا

جباليا - من عماد الدريملي وشهدي الكاشف
مئات الجرحى اصيبوا جراء العملية

كانت منى شلبية(32 عاما) تهرول باتجاه مدينة غزة لتبحث عن ملجأ لثلاثة من أطفالها، هرباً من نيران المدافع والقذائف وصوت الطلقات النارية التي ملأت فجر الثلاثاء أجواء مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين.
وسارت شلبية تجر أطفالها في ذيل ثوبها بلا غطاء رأس وعارية الأقدام في شارع الجلاء في مدينة غزة، صارخة بلا وعي " قتلونا .. قتلونا اليهود" قبل أن يتلقفها أقاربها ليهدئون من روعها.
واجتاحت ما يزيد عن خمسين دبابة ومدرعة عسكرية إسرائيلية مناطق فلسطينية مؤدية إلى محيط مخيم جباليا من ثلاث محاور رئيسة، وهي أوسع عملية عسكرية برية تقوم بها القوات الإسرائيلية لهذه المناطق منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية قبل نحو 17 شهراً.
وقالت مصادر طبية ان العملية الإسرائيلية التي استمرت ما يقارب من أربع ساعات أدت الى استشهاد 18 فلسطينيا.
وتحت وطأة الهجوم الإسرائيلي غادر عشرات النسوة والشيوخ والأطفال المخيم الذي يعتبر أحد أكثر المخيمات الفلسطينية كثافة سكانية، وذلك قبل دقائق معدودة من محاولة الدبابات الإسرائيلية اقتحامه بمساندة الطائرات المروحية والقوات الخاصة.
وشوهدت حركة تدافع عكسية بين الشبان الفلسطينيين، فبينما شوهدت مجموعات من النساء والشيوخ والأطفال تهرول باتجاه غزة هرباً من القصف، تدافع العشرات من الشبان الفلسطينيين وقوات من الأمن الفلسطيني باتجاه المخيم ومناطق أخرى "للدفاع" عنه.
وكانت الدماء وأصوات الرصاص والانفجارات والصراخ هي السمة الغالبة على الجو الكئيب الذي عاشه المخيم، ليتضح أكثر فأكثر صعوبة الخروج من دوامة الصراع الدموي الساخن الدائر في الأراضي الفلسطينية.
قال مسؤولون فلسطينيون أن الهجوم على المخيم "ما هو إلا جزء من مسلسل شارون الإجرامي ضد مخيماتنا".
وقالت شلبية أنها تركت المخيم والدبابات والطائرات تطلق قذائفها ورصاصها الكثيف باتجاه الشبان، وقد شاهدت بأم عينها "عدداً من المسلحين والمدنيين يتساقطون وهم ينزفون الدماء".
وأضافت ان خروجها وغيرها من المواطنين من المخيم كان بهدف "إتاحة الفرصة للمقاتلين والمجاهدين للانتقام لشهدائنا".
وهذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها إسرائيل بمحاولة اقتحام مخيم جباليا للاجئين، الذي يعتبره الفلسطينيون بأنه المخيم الذي أطلق الشرارة الأولى للانتفاضة الفلسطينية عام .1987
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون ان الضربات الموجعة ستتواصل ضد الفلسطينيين حتى يطلبوا هم بأنفسهم وقف إطلاق النار والعودة إلى التفاوض.
وعملاً بهذا التوجه شنت القوات الإسرائيلية خلال الأيام الماضية عمليات اجتياح واسعة لعدد من المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة أدت حتى الآن إلى استشهاد ما يزيد عن 130 فلسطينياً إضافة إلى 47 في عمليات انتقامية فلسطينية.
وجاء الهجوم بعد ساعات من اجتماع امني عقد بين مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين للبحث في امكانية وضع حد لدوامة العنف. غير انه وبحسب المسؤولين الفلسطينيين "لم يتمخض الاجتماع عن أي نتائج".
ويأتي التصعيد الاسرائيلي قبل وصول المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، الجنرال أنتوني زيني، الذي قرر الرئيس جورج بوش إرساله إلى المنطقة في محاولة جديدة لفض الاشتباك بين الجانبين وإعادتهما إلى طاولة المفاوضات. غير ان هجمات إسرائيل الأخيرة وجهت ضربة شديدة للمساعي الأمريكية لوقف العنف ومهدت الطريق لها لكي تستمر في ما تسميه حملتها ضد الارهاب.
وقال "ابو مصعب" أحد القادة المسلحين الفلسطينيين داخل مخيم جباليا "ان شارون ودباباته لن يستطيعوا اقتحام المخيم وان دخلوه سيكون فوق جثثنا".
وقال ابو مصعب "اننا مستعدون لمواجهته، وسوف يلقون الهزيمة على أيدينا في مخيم جباليا".
ولأن القوات الإسرائيلية شهدت مقاومة فلسطينية شديدة لم تتمكن الدبابات من اقتحام المخيم، ولكنها قصفت منزل عائلة ابراهيم محمد حسونة من كتائب شهداء الاقصى التابعة لحركة (فتح) بثلاثة صواريخ من طائرات مروحية مما ادى الى تدمير المنزل بشكل كامل. وكان حسونة قد فجر نفسه الاسبوع الماضي في عملية داخل القدس الغربية ادت الى مقتل عدد من الاسرائيليين.
وبينما سمعت أصوات سقوط القذائف وأصوات الرصاص وصف ماجد الشرافي(51 عام) وهو صاحب مطعم صغير في المخيم الوضع بأنه "حرب ضروس". وأضاف ان المروحيات الإسرائيلية أطلقت على الأقل ثلاثة قذائف على المنزل فأصبح كومة من الحطام.
ودمر الجيش الإسرائيلي ثلاثة ورش ومصنع حدادة فلسطيني في بلدة جباليا يشتبه في أنها تصنع قذائف هاون وذخائر ثقيلة أخرى. وقال شهود فلسطينيون أن القوات الإسرائيلية قامت بقتل معاق يدعى سمير صبايا بصورة بشعة، حيث تم توثيقه على أحد أعمدة منزل عرفة حمودة وقاموا بتفجير المنزل وعثر على جثة صبايا تحت الانقاض.
وفي استهداف جديد من قبل القوات الإسرائيلية قامت وحدات خاصة بالاستيلاء على ثلاث سيارات للإسعاف الفلسطينية من بينها سيارة تابعة لوكالة الغوث الأونروا وقامت بعمليات تصفية لعدد من الناشطين الفلسطينيين من بينهم عناصر في كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، وفقا لما ذكره مصدر مسؤول في الحركة.
وفي مستشفى الشفاء في غزة تجمع المئات من المواطنين الفلسطينيين للتعرف على أقربائهم. وتدفق الكثيرون إلى بنوك الدم والعيادات الطبية للتبرع بالدم تلبية لنداء من وزارة الصحة الفلسطينية التي تعاني من نقص حاد في مخزون الدماء لديها.
وقال الطبيب معاوية حسنين مدير عام الاستقبال والطوارئ في مستشفى الشفاء ان الجيش الاسرائيلي قتل 18 فلسطينيا في مخيم جباليا تتراوح اعمارهم بين عشرين وخمسة وعشرين عاما، كما استشهد عبد الرحمن عز الدين في الخامسة والستين من عمره بالاضافة إلى ابنه وليد في الثلاثين من عمره في منزلهم في المخيم. ولم يتم التعرف بعد على شخصية شهيد آخر.
ومع تقاطر سيارات الإسعاف لتقل الجرحى والقتلى وهم مضرجون بدمائهم أطلق مسلحون النار في الهواء وتعالت الهتافات التي تقسم على الاخذ "بالثأر". وقال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، احد القيادات السياسية في حركة حماس، أن "على إسرائيل أن تنتظر الرد القاسي من مجاهدي ومناضلي شعبنا على هذه المجازر".