مشاهد من جحيم المعارك المحتدمة في نابلس

نابلس (الضفة الغربية) - من بياتريس لوكومبري
الجميع عازم على مواصلة القتال حتى الرمق الاخير

"الله اكبر"... يكبر فلسطيني وهو ينازع بعد ان اخترقت رصاصة صدره، في حين يمطر الجيش الاسرائيلي نيرانه على شوارع نابلس القديمة حيث يقوم مئات الناشطين بدفن شهدائهم بينما تبقى بعض الجثث ممددة عند مفارق الشوارع المقفرة.
الدخول الى نابلس اشبه بالدخول الى قلب جحيم الحرب. يستقبلك رشق رصاص. "ارحلوا"، يصيح احدهم من اعلى نافذة وهو يحمل بندقية كلاشنيكوف.
يهتف الفلسطينيان اللذان يقودان المجموعة الصغيرة بالعربية "لا تطلقوا النار، نحن صحافيون". تطل عشرات الوجوه شيئا فشيئا من خلف جدران تلك المنازل القديمة التي تعود الى اكثر من مئة عام، عمارات هشة من حجارة وطين باتت نصف مدمرة بفعل القذائف الصاروخية التي انهالت عليها في الايام الاخيرة.
في وسط الشارع جثتان متروكتان، وجثة ثالثة على عتبة منزل. هؤلاء الرجال الثلاثة استشهدوا قبل بضع دقائق فقط برشق من رشاش دبابة.
احد الشهداء يدعى احمد طبحوق، وهو كان من زعماء الانتفاضة الاولى التي بدأت في كانون الاول/ديسمبر 1987. الاخر هو صديقه، وقد حاول انتشال جثته، غير انه استشهد بدوره، بحسب شهود.
يشير الناشطون الفلسطينيون وهم رجال من اعمار متفاوتة، الى المقبرة الجماعية التي دفنت فيها للتو سبع جثث. فالجنود الاسرائيليون يمنعون سيارات الاسعاف من الدخول، والجثث سرعان ما تبدأ في التحلل.
على مسافة بضعة امتار، تلجأ بعض النساء برفقة اطفال الى احد المساجد. النساء المسنات يصلين بورع وعيونهن مغمضة. الليل الماضي دمر الجنود الاسرائيليون مسجد الجدرا، اقدم مساجد المدينة واحد المواقع الدينية الاكثر احتراما في نابلس.
يؤكد الناشطون "لم يحصل هذا من باب الخطأ".
دوي الطلقات النارية ومدافع الدبابات يتردد منذ ساعتين. غير ان الناشطين لم يفقدوا الامل. ويبقى عشرات النساء والرجال المحرومون من الهاتف والكهرباء والماء على قناعة بان هذه "معركتهم الكبرى" الاخيرة ضد الاسرائيليين، مؤكدين ان الجيش لن يدخل المدينة الا وهم جثث هامدة.
يوضح ناشط ملثم "هذا الخيار الوحيد امامنا".
يصمد الفلسطينيون في مقاومة يائسة. فالوسائل التي في متناول كل من الطرفين غير متناسبة اطلاقا.
وقد استشهد عشرات الفلسطينيين في نابلس منذ وصول الدبابات الاسرائيلية الاربعاء الماضي تحت ستار الليل. غير ان السلطات توضح ان هناك الكثير من الجثث التي شوهدت اليوم الاحد ولم تحص بعد، كما ان هناك جثثا اضافية متروكة في شوارع اخرى من المدينة.
وتردد فلسطينية رافعة ذراعيها وكأنما للاستنجاد بالسماء "اين الدول العربية؟ اين كنتم حتى الان، انتم الصحافيون؟"
تحلق مروحيات فوق المنطقة. الدبابات قريبة جدا. عبور هذه الشوارع التي دمر القسم الاكبر منها يزداد صعوبة. يطلق الناشطون الفلسطينيون النار في الجو لحماية الفلسطينيين. يشيرون الى العبوات الناسفة التي زرعوها لتجنب انفجارها فيهم.
وافضل ملجأ للاحتماء من تبادل اطلاق النار يبقى الاقبية القديمة المحفورة في الصخر او الانفاق التي تعبر الحي القديم. في داخلها علقت صور فلسطينيين قتلوا في المواجهات خلال الاشهر الماضية. يقول احد الاطفال "هؤلاء شهداؤنا".
لن تتمكن أي دبابة من دخول هذه المتاهة من الازقة حيث يسهل الاختباء. ويتساءل الفلسطينيون ما اذا كان الاسرائيليون مستعدين لخوض معركة التحام.
يكفي ان يمكث الواحد هنا عشرين دقيقة لينتابه ذاك الاحساس بالموت والخوف والخراب. لكن مئة صفحة ومئات الصور لن تكون كافية لوصفه.
عند الخروج من الحي العتيق، تنتصب الدبابات الاسرائيلية مترصدة. يرمق الجنود الاسرائيليون الصحافيين بنظرة اكثر قسوة من الرشاشات. لكن شيئا لا يحصل. ومع كل خطوة، يبتعد اطلاق النار اكثر وتهدأ القلوب وتستعيد نبضها الطبيعي، ليبقى الفلسطينيون وحدهم في مواجهة مصيرهم.