مسيرة الايرانيين الجنائزية من كربلاء إلى دمشق

في تصريح على قدر لافت من الغموض قال أحد ملالي طهران وهو محمد محمدي كلبايكاني، رئيس مكتب المرشد الاعلى "لولا الدعم الايراني لسوريا لفقدنا العراق أيضا" وهو اعتراف يفتح الاعين على خارطة الاحتمالات السياسية الايرانية التي رُسمت بناء على القواعد التي وضعها الخميني لتصدير ثورته، وهو المبدأ نفسه الذي تعمل بموجبه الجماعات والأحزاب الدينية، بغض النظر عن اختلاف ولاءاتها المذهبية.

ما كان من الممكن أن يكون الغطاء الايراني محكما على العراق من غير احتواء سوريا. وهو ما جعلته ظروف الحرب التي تعيشها سوريا خيارا جاهزا، سعت ايران من خلاله إلى الزج بالميليشيات العراقية التابعة لها في تلك الحرب، تحت شعار حماية الاضرحة والاماكن المقدسة بالنسبة للشيعة.

كان ذلك الشعار هو العنوان الابرز لاشتراك حزب الله، صنيعة ايران اللبناني في الحرب. وهو شعار اخترعته ايران في اللحظة التي كان فيها الخميني يؤكد أن تحرير القدس لابد أن يبدأ بتحرير كربلاء. وما مشاركة فيلق القدس الذي يتزعمه قاسم سليماني في الحروب الاهلية التي شهدها (لا يزال) العراق إلا نوع من التطبيق الواقعي لتلك المقولة التي لا تخفي نزعتها العدوانية.

بعد أكثر من ثلاثين سنة على الثورة الايرانية صار الزعماء الايرانيون يدركون أن الاكتفاء بجزء من تلك المقولة لابد أن يمكنهم من الحفاظ على الجمهورية التي أنشأها الخميني على حطام المجتمع المدني.

فالمسيرة التي زعم الخميني أنها ستصل إلى القدس لا تزال قادرة من خلال ما تنجزه على الارض على التصدي للمطالب المدنية في ايران بروح الحرب التي لم تنته بعد.

وإذا ما كان الخميني قد اضطر لوقف حربه على العراق فإن في قلوب ورثته لا تزال تستعر نار عدوانيته، وهو ما يجسده الاستيلاء على العراق، وليست كربلاء إلا مجازا يهب المسيرة طابعا جنائزيا، ينسي شيعة العراق كارثة الاحتلال الايراني التي حلت محل كارثة الاحتلال الاميركي.

وكما نصح الخميني فإن تلك المسيرة الجنائزية ينبغي أن تستمر حفاظا على روح الجمهورية الإسلامية. وهو ما يفسر القفز على العراق، بعد أن تحول إلى ولاية فارسية يحكمها حزب الدعوة بكل ما أوتي من فنون الفساد والانتقال إلى سوريا.

لولا العراق ما كان من الممكن أن يقع ذلك الانتقال. ولولا العراق ما كان من الممكن أن تصل الاسلحة الايرانية إلى حزب الله. وهي الاسلحة التي صار يستعملها ذلك الحزب في قتل أبناءالشعب السوري.

كانت المسيرات الجنائزية إلى ضريح الحسين في كربلاء لمناسبة اربعينيته بمثابة اختبار نجحت من خلاله المخابرات الايرانية في تأكيد سلطتها الدعائية حين انتقلت بالجماهير المليونية إلى مرحلة الزحف على البطون.

كان ذلك الحدث استعراضا لما انتهت إليه تلك المسيرة الجنائزية من معجزات على مستوى الاذلال والاهانة وهدر الكرامة البشرية. وإذا ما كان البعض من العراقيين قد اعترض على شعارات سب الصحابة التي رفعها الايرانيون فإن تلك الواقعة لم تكن إلا قطرة في بحر التحشيد الطائفي.

لقد ذهبت ايران إلى سوريا بقوة احتوائها للعراق.

وقد لا يبدو من الانصاف القول إن بشار الأسد وهو رجل علماني كان راضيا عن وقوع نظامه تحت الحماية الايرانية. ولكن الحرب تخترع أسبابا للكثير من التنازلات. فالأسد في سوريا لا يشبه المالكي في العراق من جهة الولاء الايراني. الأسد يفكر في ملكه في حين لا يفكر المالكي إلا بملك الايرانيين.

لا يثق الايرانيون بالأسد بقدر ثقتهم بالمالكي، غير انهم يدركون أن مجالهم الحيوي لن يكتمل إلا من خلال بقاء سوريا ساحة لحرب طويلة الأمد، وهو ما يجعل الأسد في حاجة إليهم.

لا يفكر الإيرانيون في احتواء سوريا مثلما هو حالهم في العراق. ما يعنيهم أن تظل سوريا ممرا مفتوحا لتوريد السلاح إلى حزب الله، ولن يكون ذلك إلا من خلال استمرار الحرب فيها.